و مازالت تلك العيون المراقبة لما يحدث، ويقوم صاحبها بإلتقاط صور في الخفاء وبدون أن يلاحظ أحدهم هذا، تبدلت الأغنية إلي أخري أغنية من الفلكلور (حبيبي يا عيني.. يامسهر عيني…) و أخذت تتراقص و تهز خصرها علي إيقاع الموسيقي، تحت مرأي سليم الذي كان يتابع في صمت وأكتفي بنفث دخان سيجاره، بينما ياسر كانت شارداً في سمية قائلاً بداخل عقله:
– طول عمرك ياصلاح بتقع واقف، حظك من السما مع الستات. و لنذهب إلي هذا المشهد الذي لايُحسد عليه صلاح، حيث أمسكها من يدها والأخري يخلع عنها الحجاب من حول خصرها:
– أنتي أي الجنان الي بتعمليه ده؟.
وضعت يدها الحرة علي وجهه تقول له:
– تعالي أرجص معاي، الأغنية حلوة جوي. جذبها من يدها والأنظار تتبعهم، يرفع البعض منهم هواتفهم لإلتقاط مقاطع فيديو وصور لما يحدث، لاحظ سليم هذا فأشار إلي إحدي رجاله، فأدرك في التو مايريده الأخر، ذهب مسرعاً و هو يشير إلي زملائه أن يأخذوا الهواتف من الضيوف و القيام بمسح كل ما ألتقطوه، فهذا ليس من أجل عد.م إفتضاح صديقه لكنه يخشي لفت إنتباه الرأي العام إليه.
_ أنتي أي حكايتك النهاردة بالظبط، ينفع الي هببتيه دلوقتي؟.
صراخ صلاح الذي وصل إلي ذروة غضــ . ــبه، و قام بإلقاء الوشاح عليها، أجابت بثمالة:
– أباه عليك، عتزعج عليه ليه؟. قد أفلت لجام غضــ . ــبه، رفع يده لأعلي وكاد يصفعها، توقف و أبتعد قليلاً ليطلق زفرة حتي ينفث عن غضــ . ــبه ولكي لا يؤذيها، يعلم جيداً حالة الثمل التي بها، فـ هي لاتعي ماتفعله.
كانت زينب تقف علي الدرج تري ما يحدث، ذهبت لتلحق بها وتأخذها قبل أن تحدث كارثة أخري، و ما أن أمسكت بيدها قائلة:
– تعالي ياسـ…
نفضت الأخري يدها ليتبدل حالها علي النقيض تماماً:
– بعدو عني، هملوني لحالي، كلاتكم بتعاملوني و كأني أتچنيت، أني لساتي بعقلي، أنتو الي أتچنيتو. رمقت زينب باللوم وقالت:
– أنتي أتچينتي يوم ما وافجتي تتچوزي الراچل المچنون ده. و أشارت بيدها نحو سليم، أسرع صلاح وأمسكها من يدها قبل أن تقول ما لايحمد عُقباه:
– يلا أطلعي قدامي، كفايانا فضايح. جذبت يدها و أبتعدت وجسدها يترنح، صرخت به:
– فضايح ليك ولا للبيه بتاعك، لسه باجي وخايف عليه ولا خايف منه إياك!، تحب أفكرك سوي فيا أي!.
أزاحت الثوب قليلاً من عند العنق لتكشف للجميع أثر الحــر . ــق:
– عارفين الحــر . ــق ده مين الي سواه، الباشا صاحب الحفلة، طفي السيچارة بتاعته في رجبتي لأچل مكنتش رايدة أبيع صاحبتي وبت بلدي و أجوله علي مطرحها، و خابرين أي كمان؟. نظر كبير الحرس إلي سليم الذي أشار له بأن لايتحرك، بينما أخذت زينب زواية لتختبئ حتي لايري الأخرين عبراتها التي أنسدلت للتو. دنا صلاح من زوجته و هسهس من بين أسنانه:
– أقسم بالله يا سمية لو ما بطلتي شغل الجنان الي بتعمليه، ها…
صاحت في وجهه وكأنها فقدت عقلها:
– هاتسوي فيا أي أنت كمان!، هاتسلط عليا رچالتك يغتـ,ـصبوني زي ما البيه بتاعك كيف ما جالهم يعملو معاي إكده!. أنهمرت عبراتها و لم تستطع الصمود أكثر من ذلك، فأخذت تصرخ:
– أنا بكرهكم، وبكره نفسي، بكرهكم كلاتكم، أنـ..
و في غضون لحظة كانت مستلقية علي زراعي صلاح الذي ألحق بها قبل أن تقع علي الأرض بعد.ما فقدت الوعي!.
ــــــــــــــــــــــــــ
– في صباح اليوم التالي، يجلس خلف مكتبه شارداً في ذكرياته معها، كل ما يجمع بينهما من لحظات مليئة بالسعادة والحب وأخري علي النقيض، يبدأ شعور الند.م يتسلل إلي فؤاده، فيباغته عقله بما أقترفته في حقه وكيف قامت بخـ,ـيانته ليعود من جديد إلي هذا القاســ . ــي ذو القلب المتحجر، تساوره الشكوك مُجدداً حتي يعود إلي النقطة ذاتها، لابد من حل أو الأحري إختبار نهائي و عليها أن تجتازه بالنجاح أم بالسقوط!. طرق علي الباب أنتشله من محيط أفكاره، فقال للطارق:
– أدخل.
فُتح الباب و دخل شاب ذو مظهر كلاسيكي، يرفع يده بتحية:
– أحلي صباح علي أكرم باشا سيادة النقيب والي بعون الله هايكون لواء. طيف إبتسامة بدت علي وجهه قائلاً:
– تعالي يا حجازي، أي الأخبار؟. رد الأخر بسعادة بالغة و كأنه عاد من الحرب ظافراً:
– العبدلله قدر يصورلك كل حاجه حصري من قلب فيلا سليم العقبي، و كانت الأحداث نــ ــار خصوصاً الي حصل أخر الحفلة. قطب حاجبيه بعد.م فهم، فـ أخرج له الأخر ظرف وأعطاه إياه:
– بص معاليك، دي صور من أول ما بدأت الحفلة لحد ما خلصت، تخيل مين أول ضيف كان هناك؟.
فتح الظرف وأخرج أول صورة، وبإبتسامة هاكمة قال:
– ياسر الطوبجي!، ده بقي يحضر حفالات كمان. أخرج صورة تلو الأخري، رأي الكثير من الوجوه يعلم منها البعض، والبعض الأخر كانت مجهولة إليه، توقف لدي صورة لكلا من زينب و سمية،أمعن النظر تحديداً في صورة زينب، شعر وكأنه رآها من قبل، رفع الصورة أمام حجازي الذي تفهم سؤاله دون أن يتفوه به:
– دي تبقي مرات سليم، و لاقيت الخدامة بتناديها زينب، وكمان الي جمبها في صورة تانية، الي فهمتو إنها تبقي مرات صلاح أيوب.
هناك إشارة ما أو ربما إنذار ينبهه إلي طرف الخيط، فـ سأله:
– ما تعرفش إسمها زينب أي؟. أبتسم الأخر بـ زهو و أجاب:
– ما أنا جاي لحضرتك في الكلام أهو، بعد تحرياتي الدقيقة، عرفت إنها من الصعيد و من عيلة إسمها القناوي، من محافظة قنا، وليها أخ إسمه رافع وإبن عمها كان مقبوض عليه إسمه فارس، أوعي يكون فارس الي حضرتك مكلفنـ.. نهض أكرم من مكانه و ضــ . ـرب بقبـ . ــضته علي المكتب، و يتحدث بكلمات لايسمعها سواه:
– زينب تبقي مرات سليم العقبي!، إزاي!.
ألتقط هاتفه و الصور التي بحوذته قائلاً:
– أستناني هنا ياحجازي و أنا راجع لك تاني. ذهب إلي رئيسه في المخفر، طرق الباب ثم دلف:
– صباح الخير يا باشا. ترك الأخر قدح القهوة بعد.ما أنتهي منه:
– أتفضل يا أكرم. وضع أمامه الصور، أمسك بها الأخر مُقطب الحاجبين، فقال له أكرم بـ عزم و إصرار:
– أنا عايز إذن من النيابة بالتحقيق مع مرات سليم العقبي.
رمقه بصد.مة قائلاً:
– تحقق مع مين!، أنت فاهم أنت بتطلب أي؟.
أبتسم بتهكم و أردف:
– ده أنت كده بتفتح علي نفسك نــ ــار جهنم، و بعدين هاتحقق معاها ليه، هاتعترف لك مثلاً علي جوزها، ياريت تقولي سبب مقنع.
جلس علي الكرسي أمام مكتبه ليخبره بـ ثقة بالغة:
– مدام زينب العقبي هي زينب القناوي بنت عم والي كانت خطيبة فارس القناوي، الي هرب مع المساجين وقت السطو علي عربية الترحيلات!.
ــــــــــــــــــــ
بداخل سراي النيابة، يعود الوكيل بظهره إلي الخلف و يسأل زكريا الذي أصبح ذو مظهر رث ولحية قد كبرت:
– كل التحريات بتأكد علاقتك بالمجني عليها، ده غير إتهام أخوها ليك، و تقرير الطب الشرعي أثبت إنها فعلاً كانت حامل، ولسه كمان لما تطلع نتيحة تحليل الـ DNA، الي هنثبت بيه إن الي في بطنها كان إبنك وفي الحالة دي مفيش متهم غيرك أنت.
صاح بخوف وتوتر:
– مش أنا، معرفهاش، حتي أسأل رافع إبن عمي أو بكر أخويا كنت مسافر معاهم بنجيب بضاعة من القاهرة. و بعد قليل، يقف رافع أمام وكيل النيابة بشموخ وثقة واهية،ليشهد زوراً:
– أيوه كان ويانا و إحنا بنچيبو بضاعة من تچار الخردة في القاهرة. وبالخارج يقف كلا من بكر والشيخ واصف الذي يقرأ أيات الله، ويديه تتحرك علي حبات السبحة، خرج العامل مُنادياً:
– بكر واصف.
و قبل أن يذهب أمسكه والده من يده و ربت عليها قائلاً:
– خد بالك من كلمة الحق يا ولدي، إياك والشهادة الزور، حتي لو كانت هاتبجي في صالح أبوك، إنها من الكبائر يا ولدي. أومأ له بكر و وضع يده علي كتف والده:
– ماتجلجش يا أبوي، عمري ما هاغضــ . ــب ربنا حتي لو علي حساب حالي.
خرج رافع و يرمق بكر بـ نظرة يدركها الأخر ثم دنا نحو أذنه:
– ياريت قبل ما تجول أي حاچة، أفتكر إن ده أخوك، و قبل ما تضره هاتضرنا كلاتنا، من أول أبوك و عمتي و خايتك، البلد كلاتها ما هيبجي لهم سيرة غيركم علي لسانها، فكر بعقلك. رفع الأخر جانب فمه بإبتسامة هاكمة:
– ما تجلجش يا ولد خالي، أني فعلاً بفكر بعقلي و الي بيجولي، أشهد بكلمة الحق، عن إذنك.
و أمام وكيل النيابة كان لقاء الأخوة، أخوة في ظاهرها لكن ما في النفوس علي غرار ذلك، يخشي زكريا إستغلال شقيقه الخلاف القائم بينهما، لكنه علي يقين بأن أخيه مهما يحدث، فـ بالنهاية لايشهد سوي بالحق!. – ها يا بكر، أخوك كان بيقولنا كان معاك وقت حدوث الجــ. . ـريمة، طبعاً غير إنه بينكر علاقته بالمجني عليها، فما هو قولك في ذلك؟.
كان سؤال الوكيل واقعاً علي الوتر الفاصل بينهما.
كان زكريا يرمقه بـ توسل و رجاء، حديث دائر بداخل عقله و نظرات عينيه كفيلة بإبلاغ شقيقه بما يريد قوله:
– أني خابر زين أد أي بجيت بتكرهني، بس أني مش وحش جوي كيف ما أنت شايفني يا أخوي، كنت أتمني تاخد بيدي وتفضل ورايا لحد ما أبعد عن الطريج الواعر الي وجعت فيه.
بادله بكر بنظرات ند.م وحسرة، يشعر بالحزن علي شقيقه و ما أوصله إلي هذا المصير البائس:
– أني ياما نصحتك يا أخوي، جولت لك إياك والطريج الي أنت ماشي فيه، ماسمعتش كلامي و مشيت ورا شيطانك وسلمتله حالك، زنيت و شربت المنكر وأستحليت كل حاچة حـ ـرام و يوم ما أديت فرصة لجلبك ضاجت بيك الدنيا وبصيت لمرات أخوك، و ختمتها بالجتل، ناجص تسوي أي إياك!، ربنا عطاك نعم كتير وأنت ماصونتش أي نعمه فيهم، سامحني، سامحني يا ولد أبوي، ما أجدرش أشهد كدب وزور، ما أنت عارفني زين، ما أجدرش أغضــ .
ــب ربنا وأضيع حق واحدة مظلومة، يمكن لما تتعاقب و تتوب ربنا يغفر لك الي سويته في حق الناس و حق نفسك. – يا أستاذ بكر؟.
كان نداء وكيل النيابة، فأنتبه له الأخر و قال يخرج بصعوبة بالغة من حلقه:
– معاك يا فند.م. زفر الأخر وأخذ يطرق بالقلم علي المكتب و يسأله:
– أخوك كان مسافر معاكم؟. أزدرد ريقه، و يتحاشي النظر إلي شقيقه المُكبلة يديه بالأصفاد المعدنية، يتردد في أذنه صدي صوت والده:
(خد بالك من كلمة الحق يا ولدي)
أخذ نفساً عميقاً و أطلقه في زفرة هادئة ثم أجاب بكلمة الحق:
– لاء. ـــــــــــــــــــــ
و بداخل عيادة طبية في مكان نائي و متطرف عن النجع، تجلس قامعة في أفكارها، لاتملك سوي هذا الحل حتي لايفتضح أمرها أمام زوجها، أصبحت مُهددة من خالتها التي أمرتها أن عليها تخبر ولدها بالحقيقة أم ستخبره هي بنفسها!.
فـ كلا الخيارين أصعب مما تتفوه به، هل من السهل أن تقول له ما بإحشائي ليس ولدك!، أم ستخبره بأن هناك من أستباح جسدي بسبب الركض وراء الترهات والدجل بدلاً من أن ألجأ لخالقي!.
نرتكب كثير من الأخطاء و لا نعلم أن كل خطأ علينا دفع ثمنه إينما كان آجلاً أم عاجلاً.
-مدام نوارة؟.
قامت بمناداتها الفتاة مساعدة الطبيبة، نهضت الأخري وتواري منتصف وجهها حتي لايراها أحد.
طرقت الباب و دخلت و أول ما شعرت به، برودة قاسية تضــ . ـرب أطرافها، تتردد فيما قد عزمت عليه، تقد.مت بخطي وئيدة والطبيبة تراجع بياناتها في الورقة المدون بها بياناتها:
– أتفضلي إستريحي يا نوارة. جلست علي الكرسي و تمنت همومها كانت مثل جسدها تلقيها هكذا بأريحية، فـ سألتها الأخري:
– أول مرة تعملي متابعة حمل؟. أجابت بإنكار و تردد:
– لاء،أجصد أيوه.
سألتها بـ عملية مرة أخري:
– أخر مرة جت لك العادة الشهرية أمتي؟. ظلت صامتة للحظات حتي أخبرتها:
– ماخبراش، يمكن شهر أو شهرين. قطبت الأخري حاجبيها بإستفهام، هيهات و أشارت إليها نحو سرير الفحص:
– أتفضلي أطلعي علي السرير و جهزي نفسك عشان أعملك سونــ ــار.
كانت علي وشك أن تخبرها بما هي آتية من أجله، تراجعت و لا تعلم لما فعلت هكذا، عليها التفكر في الأمر ملياً،هل القرار صائب أم جُرم شنيع!.
فعلت كما طلبت منها الطبيبة، أستلقت علي السرير و جذبت الدثار، لحقت بها الأخري و أمسكت بزجاجة الهُلام و أخذت القليل و قامت بوضعه علي بطنها.
كلمات خالتها تتردد في أذنها:
(لازم تجوليله الحجيجة يا إما هاروح أجوله أني ).
تجرعت غصتها المريرة بطعم العلقم،د.معة حارة فرت من عينيها و هي تأخذ قرارها الحاسم، أمسكت الطبيبة بالجهاز و قبل أن تضعه عليها أمسكت يدها لتمنعها قائلة:
– أني چايه لك تسوي لي عملية إچهاض. ـــــــــــــــــــ
تجلس بجواره و تربت عليه لعلها تخفف عنه تلك الحالة النفسية السيئة بعد.ما عاد من سراي النيابة و الإدلاء بشهادة الحق. – أني كنت ما بين نــ ــارين، نــ ــار خايف أغضــ . ــب ربنا لما أكذب و أضيع حق الست الي جاتلها و ما بين أخوي الي كان عمال يبص لي و كأنه بيستغيث بيا.
و ما أن إنتهي من كلماته بدأت عبراته في الإنهمار، وقفت أمامه و حاوطت وجهه بكفيها ثم قالت:
– أحب علي يدك كفياك بكي، د.موعك غالية و عزيزة، أنت سويت الصح و جولت كلمة الحق، لو كنت سويت العكس مكنش هيچي لك نوم واصل من إحساسك بالذنب.
رفع وجهه و نظر إليها في صمت يتأملها، بينما هي أخذت تمسح عبراته بإبهاميها، وضع يديه علي يديها ليزيد من شعوره بلمساتها، لايدري لما أتي في ذهنه للتو ذاك المشهد، عند.ما عاد من الخارج في المنزل الأخر و وجدها تقف أمام شقيقه، و الكثير من المرات عند إجتماعهم علي مائدة الطعام، حينها لايغفل عن نظرات شقيقه إليها، و أكثر ما جعله يشعر بالضــ . ـربة القـ,ـاتلة هناك عند.ما حدثت بينه و بين شقيقه المواجهة و إعترافه بإنه يحب زوجته، كان إعترافاً غير لفظي، لكن صمته و نظراته كافية بإبلاغه بالإجابة، فحديث العيون أبلغ من اللسان.
كل تلك الأفكار كانت كالنيران التي أضرمت في الهشيم و سرعان ما أحــر . ــقت كلما يقابلها في طريقها، صدره يشتعل من الغيرة، و هناك صوت من أعماقه يخبره بأن دافعه الأول من الإعتراف علي شقيقه ليس لخشية أن يرتكب ذنباً عظيماً بل كان إنتقاماً أو ربما عليه التخلص من شقيقه.
صراع داخلي ناشب يكاد يفتك برأسه، و من يري هدوءه ينخدع، لايعلم هذا الهدوء الذي يسبق العاصفة. همس لها بصوت يكاد تسمعه:
– بعشجك يا قمري.
أبتسمت و كأن الشمس قد أشرقت بل هي القمر في إكتماله، بدر مُنير في سماء صحراء قاحلة، يركض فيها كالظمآن الذي يبحث عن الجُب ليرتوي منه، و ها هي الماء أمامه، أخفض كفها علي شفتيه، أخذ يُقبل راحة يدها بشوق وعشق جارف، أغمضت عينيها عند.ما سرت قشعريرة في جميع خلايا جسدها، نهض و ما زال يمسك بيدها ويقبلها، لم يكتفِ بذلك، فمازال يشعر بالظمأ، ترك يديها و لم يمهلها لحظة و قام بجذبها بين زراعيه و هبط علي عنقها برغم إرتدائها الحجاب، قام بإسداله من فوق خصلاتها.
بدأت تتلوي يميناً و يساراً:
-بلاش يا بكر، بلاش.
و قبل أن يتمكن من عنقها ويقبله بنهم شديد، كان يتمتم:
– أني الي بعشجك، أنت مارتي أني، ملكي لوحدي، سامعني زين يا قمر، أنتي ملكي أني. هزت رأسها بتوجس من نظراته التي لأول مرة تراها الآن، علي قدر أنها قد أشفقت عليه، في ذات الوقت تشعر بالخوف، و ما أن أفترقت شفتيها لتتحدث، وأد كلماتها في قُبلة، بدأت بوتيرة هادئة ناعمة و بدأت تسلك مساراً آخر،يده تتخلل خصلاتها وتمسك برأسها واليد الأخري يغرزها في خصرها المنحني،تأوهت بألم جعلها تزداد في مقاومتها بصوت يكاد يختنق:
– كفياك يا بكر، بعد عني.
و بالفعل قد أبتعد و ليته ما رمقها في تلك الحالة، يبدو علي وجهها علامات الألم، شفتيها مُنتفختين، خصلاتها مُبعثرة، أدرك فداحة ما أقترفه لتوه.
– من هنا لحد ما نعملو فرح مش هيتجفل علينا باب لوحدنا واصل. و في تلك اللحظة دلفت والدته ترمقه بنظرة جحيمية، أرتدت قمر حجابها و كان قلبها يخفق بقوة، غادرت الغرفة. جلست والدته ترمقه بغضــ . ــب قائلة:
– أرتحت!، أرتحت لما شهادتك دخلت أخوك السچن!. ولي ظهره إليها و قال:
– أني جولت كلمة الحق الي هيحاسبني عليها ربنا.
رفعت جانب شفتيها بتهكم:
– كلمة الحق، و لا ماصدجت تخلص منه لأچل مارتك!. أستدار إليها و عينيه كادت تخرج من محجريهما،،يرد بإنكار:
– أي الي عتجوليه دي يا أمي؟ قطبت حاجبيها و بنبرة هاكمة أجابت:
كيف ما سمعت إكدة، فاكرني ماخبراش الي بيحوصل من ورا ضهري، ولا خابرة كل واحد فيكم بيفكر في أي!. – لو كنت خبرانا زين مكنتيش جولتيلي الحديت الي جولتيه، ولا كان ولدك زكريا مرمي في السچن دلوق. كان يحدثها و ملامح وجهه يغزوها التجهم، أخذ يستغفر ربه، أطلق زفرة من أعماقه و رأي من الأفضل المغادرة.
ــــــــــــــــــــ يقف بالقرب من محطة قطارات السكك الحديدية ينتظره بشوق ولهفة، و ما أن رآهُ ركض عليه ليعانقه بإشتياق و ربت الأخر علي ظهره بقوة، يستنشق منه رائحة والده. – أتوحشتني جوي يا ولد الغالين. رد فارس و السعادة تغمره:
– كيفك يا عم چابر و كيفها الخالة هنادي؟ – الحمدلله بخير يا ولدي، أتوحشتها جوي علي طول بتدعيلك، بس أني مجولتلهاش أني چاي لك، الحريم ماتضمنش يا ولدي، لسانهم وكالة أخبار عالمية.
قهقه الأخر و قال:
– ياه يا عم چابر لساتك كيف ما أنت خفيف الظل، ربنا يبارك فيك.
ربت علي كتفه قائلاً:
– المباركة دي تتجالك أنت يا عريس، إلا جولي بصحيح حوصل ده كيف ولا ميتي؟ بدأ فارس يسرد له في الطريق بعد.ما أستقل كليهما سيارة أجرة،حكي إليه منذ بداية معرفته بالحاج نعمان حتي الآن.
و إلي أن وصلا في منزل الحاج نعمان الذي أستقبلهما بحفاوة و ترحاب، و قد لحق بهم جنيدي، أضحي رفيق دربه و صديقه الصدوق.
و تلك الجميلة ذات العينين التي تشبه عيون المها، و لأول مرة تتخلي عن عدساتها اللاصقة، فللون عينيها يتميز يشبه الذهب في بريقه الساحر، خاصة عند.ما قامت بتزين جفونها بالكحل، تقف أمام المرأه تضع الحُمرة علي شفتيها فأبرزت جمالها أكثر.
ألقت نظرة أخيرة علي ثوبها المُرقط كجلد الفهد، ينسدل علي منحنياتها.
أنتفضت بفزع عند.ما أتاها صوت والدها بالنداء، أخذ قلبها يخفق بل و يرفرف ويحلق، و قبل أن تذهب إليهم نظرة لصورتها المنعكسة بالكامل في المرأه، تتفوه بتوعد لمن سلب فؤادها:
– ده أنا مش هخليك تحبني و بس، وحياتك لأجننك يا فارس، هخليك تنساها خالص، أنت لسه ماتعرفش شهد بنت الحاج نعمان. – بت يا شهد.
صوت والدها الذي نفذ صبره من إنتظارها، ركضت علي الفور، ذهبت أولاً لتجلب صينية كؤوس المياه الغازية، حملتها علي مهل و تقد.مت بها إلي غرفة الضيوف.
كان شارداً في الفراغ، و والدها يتحدث مع العم جابر، بينما جنيدي أتسعت عينيه لم يصدق ما يراه، لكز صاحبه في زراعه قائلاً بإطراء سافر:
-ألحج يا أبو الفوارس، دي أي الفرسة الچاحدة الي چاية علينا دي، يخربيت چمالك يا عود، الكامانچا يا مانچا، ما تسألي خطيبتك عليها لأچل بدل ما تبجي جراية فاتحة واحدة يبجو جرايتين، لكن البطل دي عايزالها كتب كتاب و دخلة علي طول. لكزه فارس بمرفقه في زراعه، يهمس له:
– إكتم أنت.
و بخطي هادئة ذهبت إليه أولاً لتقد.م له الكأس و تنظر لأسفل بخجل، سبقته يد جنيدي الذي قال:
– تسلم الأيادي يا مزة بلادي. رمقته بإمتعاض و هو يتناول الرشفة الأولي و في نفس الآن قال والدها للعم جابر:
– دي تبقي شهد بنتي العروسة. عقب الأخر:
– بسم الله ماشاء الله، اللهم بارك. و ما أن سمع جنيدي هذا أصابته حشرجة في حلقه كاد يختنق، ناولته هي كوب ماء و ترفع إحدي حاجبيها قائلة:
– أتفضل يا أخ جنيدي.
تناول منها الكوب و وجهه محتقن من الحشرجة و الشعور الشديد بالإحراج، نظر إلي فارس يرمقه بإعتذار.
قد.مت باقي الكؤوس إلي فارس الذي تعمد عد.م التحديق بها، كما قد.مت إلي والدها و العم جابر الذي قال:
– تسلم يدك يا عروستنا، ربنا يتمملكم على خير. و رمق فارس ليبدأ في حديثه،تنتابه حالة من التوتر:
– أنا چيت النهاردة لأچل أطلب يد الآنسة شهد علي سنة الله و رسوله، و حضرتك خابر كل حاچة عني و ظروفـ…
قاطعه نعمان بإشارة من يده قائلاً:
– بص يابني، أنا كل الي طلبه منك و قدام عمك جابر و صاحبك، إن مش عايز منك أي حاجة خالص غير حاجة واحدة بس وهي أنك تحط بنتي في عينيك. أومأ له فارس و أجاب:
– و أنا أوعدك يا حاچ هاشيلها چوة عينيا. تدخل صاحبه قائلاً بأسلوب فكاهي:
– و الله يا حاچ نعمان ما ليك عليا حلفان، يا زين ما أختارت عريس لبتك، فارس زين الرچال چدع و إبن أصول و كفاية إنه صعيدي و صاحبو يبجي چنيدي.
ضحك الجميع ثم رد نعمان:
– يبقي كده نقرأ الفاتحة. ــــــــــــــــــــــــ و علي متن فندق عائم علي مياه النيل، يُقيم حفل زفاف علي و مروة، يرقصان علي نغمات الموسيقي الهادئة. شاردة في عينيه التي آسرتها منذ أن رأته لأول مرة منذ أيام الجــ ـامعة، رمقها بإبتسامة و سألها:
– يا تري سرحانة في أي كدة؟ أخفضت بصرها بخجل و أجابت:
– سرحانة فيك. أمسك بذقنها لترفع وجهها وتنظر إليه:
– هو مينفعش تتكلمي و أنتي عينك في عينيا مثلاً؟
أبتسمت بخجل و قالت:
– بصراحة، مش مصدقة نفسي، كنت بحلم باليوم ده، أي نعم قابلت صعوبات كتير لحد ما وصلتلك، بس خايفة أقابل الأصعب لغاية ما أوصل لقلبك. أطلق تنهيدة و تهرب من التحديق في عينيها و هو يخبرها:
– للأسف يا مروة قلوبنا مش بإيدينا، و أنا قولتهالك قبل كدة، خليني أنساها، عارف إني أناني و ظالم كمان، بس أنا محتاج إيد تشدني وتقومني من دايرة الماضي، أنا محتاج لك أوي.
و أمام البوابة المُطلة علي كورنيش النيل، تقف السيارة، نزلت و أخذت تتلفت من حولها بإبتسامة تغمر شفتيها، فعند.ما أخبرها صباحاً إنهما سوف يخرجان،لم تصدق نفسها، ظنت إنه قد غفر لها أخيراً و سامحها، لاتعلم نواياه الخفية. أمسك بيدها و دلفا عبر الجسر إلي الفندق، فقالت له:
– عارف، كان نفسي نعمل فرحنا هنا، بس ظروفك ما سمحتش وقتها و أنا قولت مش مهم، الفرح الحقيقي هي أكون معاك. حدجها بنظرة غامضة و إبتسامة إستهزاء جعلتها تشيح وجهها الناحية الأخري.
