#الفصل_الثالث_والعشرون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي _ تسللت من منزلهم بدون أن يراها أحد، وضعت يدها في حقيبتها لتخرج غطاء الوجه الخاص بزوجة شقيقها لترتديه، ولم تلاحظ زوج من العيون الجاحظة تراقبها من علي بعد أمتار قليلة كما أمره الآخر بأن يكون كظلها في كل مكان تذهب إليه.
ألقت نظرة في شاشة هاتفها تنتظر مكالمة واردة، وإذا برنين هاتفها يعلو فأجابت:
_ الو يا دكتور يحيي، أنت فين دلوق؟. أجاب عليها وهو يقود سيارته:
_ أنا يعتبر خلاص علي أول الطريق الداخلي للنجع.
باغتته بفزع قائلة:
_ لا خليك عندك وأني چايه لك وياريت توجف في مكان مفيهوش حد واصل. زفر بضيق قائلاً:
_ أي الرعب الي أنتي معايشنا في ده. _ ما أنت خابر الي فيها بجي، ولا مستغني عن روحك إياك. إبتسم ساخراً:
_ أصدك علي رافع يعني، ولا يقدر يعمل حاجة، أنتو الي أديتوله حجم وقيمة. _ أنت والله ما عرفش حاچة، المهم أني چايه لك أهه، سلام دلوق. سارت نحو الطريق الرئيسي وأشارت إلي إحدي سيارات الأجرة، فتوقفت سيارة، دلفت بداخلها قائلة:
_ مدخل النچع لو سمحت.
وكان خلفها يقود الدراجة النــ ــارية ويمسك بهاتفه:
_ رد بجي يا رافع بيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تجلس أمام المرآه تبكي، فهي الآن مرغمة علي الجلوس مع شخص لا تعلم عنه شيئاً سوي إسمه فقط، وبعد تهديد والدتها الجاد والتي أقسمت علي تنفيذه وهو حرمانها من الخروج والذهاب إلي عملها إلا إذا وافقت علي الزواج من هذا العريس الذي سيأتي بعد قليل.
دلفت والدتها لتطمأن إنها قد أصبحت جاهزة لمقابلة العريس الذي لا يوجد مثله و فرصة لم تجدها مرة أخري إذا قوبل بالرفض، تلك وجهة نظر والدة مروة التي شهقت وضــ . ـربت بكفها علي صدرها:
_ يا ليلتك السوده عليكي و علي د.ماغك، أنتي لسه ملبستيش وعماله تنوحي زي الي ميت لها ميت!. ردت ود.موعها منهمرة علي وجنتيها كشلالات المياه المندفعة بدون توقف:
_ عايزين مني أي؟، مش قولتلك هتنيل وأقابله عشان ترتاحي!. أشارت عليها بتعجب ودهشة:
_ و ده منظر واحدة المفروض هتقابل عريسها بعد شويه!.
نهضت وأشاحت بيديها صارخة بتهكم:
_ عايزاني يعني أتحزم وأرقص له!، ما أنا لابسه وجاهزة أهو. رمقتها والدتها بنظرة نــ ــارية:
_ ماشي يا مروة، حسابي معاكي بعدين لما الناس تمشي، إما وريتك مبقاش أنا. _ في أي يا أمي صوتكو عالي كده ليه؟.
قالها معتصم شقيقها الذي ولج للتو، فأشارت له نحو شقيقته وقالت:
_ تعالي شوف الهانم أختك الي عايزه تكسفنا مع الناس، لابسه لي أسود في أسود وعماله تعيط عشان لما يشوفوها يفتكرو إحنا غصبينها علي الجواز من إبنهم.
نظرت مروة إلي والدتها بإمتعاض، فسألها شقيقها:
_ أه صح يا مروة أي الي أنتي لبساه ده، أي نعم المرأه لازم تلبس محتشم بس مش لدرجة السواد يعني!، وبعدين مالك مفحومه من العياط ليه وكأننا غاصبينك علي الجواز؟. حدجت والدتها بسخط ثم نظرت إليه:
_ غصب! ، لاسمح الله أبداً. جزت والدتها علي أسنانها بحنق شديد وقالت:
_ شوف البت الي هتجبلي جلطة.
ثم ألتفتت إلي إبنها وقالت:
_ الحلوة أختك كل ما يجيلها حد ترفضه من غير ما تسمع أو تشوف، والي تعمل كده ميبقاش ليها تفسير غير حاجة واحده، إنك مواعده واحد ومستنيه لما يحن عليكي ويجي يطلب إيدك ولا الله أعلم مخبيه لنا أي. أبتلعت ريقها وتوترت ملامحها، فأومأت بالنفي وبإستنكار قالت:
_ حد! ، حد أي؟.
رمقها شقيقها بغضــ . ــب، فأقترب نحوها عدة خطوات وهو يسألها بنبرة تدل علي ما سيفعله إذا أخبرته ما تظنه والدتها صحيحاً.
_ بت يا مروة، الكلام الي ماما بتقوله ده صح؟، أوعي تكوني ماشيه مع واحد من الشباب الي آخرهم مكالمات وفسح وخروج وفي الآخر ياخد الي عايزه منها ويرميها!.
بداخلها يرتجف خوفاً، ماذا إذا علم بما حدث معها! ، لذا قلبت دفة الحديث لتقوم بتشتيته عن الأمر، فأستجمعت كل قواها وشجاعتها لتصيح به:
_ جري أي يا شيخ معتصم، الله يرحم موبايلك الي مكنش بيبطل رن مرة ليلي ومرة نانسي وهدير و حنان وغيرهم، ده غير بنات الجيران الي كنت بتبدلهم زي كوتشيهاتك، جاي تحاسبني وتقولي أوعي وإياكي.
رفع إحدي حاجبيه متحدثاً بزهو وإستنكار:
_ أولاً ده كان زمان والحمدلله ربنا تاب عليا بعد ما أتجوزت، ومهما عملت أنا في الأول والآخر راجل الناس مش هتتكلم عليا، لكن أنتي بنت يوم ما تعملي حاجه زي كده من ورانا هقطعلك رقبتك.
أتسعت عينيها من تهديد شقيقها ونفاقه الصريح، فتشدقت:
_ تقطع رقبة مين يا شيخ معتصم؟، أنت هتعملهم عليا وفاكرني صدقتك، ده أنت بس لولا حماك من آخر خناقة هددك لو ملمتش نفسك بنته وأتعدلت هيخليك تطلقها وملكش قشايه في الشقه ده غير المؤخر النص مليون جنيه الي خلاك تكتبه لها غصب عنك بعد ما حفيت وراها ورضي يجوزهالك، ولوليا أنا الي كنت بروح لمراتك وأهديها من ناحيتك وبعمل عليها فيلم وحوار عشان تصدق كان زمانك مرمي في السجــ . ــن أو بتشحت في الشوارع، ده غير عيالك الي هاتحرمك منهم.
أستدارت والدته وبملامح شديدة الغضــ . ــب سألته:
_ ده الظاهر في حاجات كتير حصلت من ورايا وأنا آخر من يعلم، صح ولا أي يا شيخ معتصم؟. جز علي شفته بحنق شديد وأشار لشقيقته بتوعد بدون أن تلاحظ والدتهما، ألتفت لها ليجيب عليها:
_ ماتصدقيهاش يا أمي، هي مروة طول عمرها عشان تطلع نفسها من مشكله تلبس الي أدامها مصيبه.
وكعادة والدتها قد أقتنعت بما قاله ولدها، فعادت إلي موجة عاصفة الغضــ . ــب المستطير:
_ بصي يابت أدامك خمس دقايق تغيري الأرف الي لبساه ده وتلبسي الطقم الي حطيتهولك علي السرير إلا وأنتي عارفه أنا ممكن أعمل معاكي أي.
ثم أشارت إلي إبنها:
_ يلا يابني لما نشوف أخرتها معها.
وبمجرد خروج والدتها وشقيقها، عزمت علي أمر لا محالة للعزوف عنه.
جذبت حقيبة السفر خاصتها من أسفل السرير وقامت بفتح السحاب، ثم فتحت الخزانه وأخذت كل ماتريده من ثياب ومتعلقات وأوراق خاصة بعملها، وبعد إنتهائها، تسحبت علي مهل لتراقب الأجواء لتجد الجميع مشغولاً حتي صغار شقيقها يلهون بداخل الشرفة بالألعاب، أستغلت تلك الفرصة لتأخذ حقيبتها وبخطي سريعة غادرت المنزل وهاتفت إحدي أصدقاءها لتخبرها بالمجيئ والمكوث لديها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أغلق صنبور المياه وتناول المنشفة ليجفف جسده المبتل، ثم أتجه إلي المرآه التي تعلو الحوض وأخذ ينظر إلي إنعكاسه.
طرقات علي باب المرحاض قاطعت تأمله، يليها صوتها الذي أصبح ذو نبرة مليئة بالشجن:
_ الخلچات يا سي رافع. فتح لها الباب ليتناول ثيابه فأشاحت وجهها بخجل، ضحك وبتهكم قال:
_ وش كسوف إياك!. شعرت بسخـ ــرية من كلماته فأجابت بدون النظر إليه:
_ من يومي يا واد خالتي وأني بستحي الحمدلله ، الدور والباقي علي الناس التانية الي عينيهم بچحة ويسو الي علي هواهم من غير خشا ولا حياء. أنتهي من إرتداء ثيابه منصتاً إليها، وشبـ . ــح إبتسامة يلوح علي وجهه وهو يقول:
_ فعلاً عندك حق.
تعجبت من رده المقتضب، وظنت إنه لم يدرك مغذي حديثها، فهمت بالذهاب من أمامه، أوقفها قابضاً علي عضدها:
_ رايحه علي فين إكده؟. رفعت وجهها وبإمتعاض أجابت:
_ رايحة أنشر الغسيل، لو رايد تاكل الواكل خُلص بس أستني لما خالتي وعمي يرچعو من العزا وأبجي أتغدو مع بعض. إزدادت إبتسامته أكثر بعد.ما علم إنه لا يوجد في المنزل غيرهما فقط، لاحظت ردة فعله التي أخافتها لكنها لن تظهر له ذلك. _ حلو جوي، يعني مفيش غيرنا أنا وأنتي في الدار؟.
سألها وعيناه تحدجها بتوعد غادر، أجابته والقلق يساورها:
_ أيوه، في حاچة؟.
إزدادت قبـ . ــضته قوة مما جعلها تأوهت بألم، جذبها خلفه قائلاً:
_ ده في حاچات يا روح خالتك. صرخت بألم وتحاول الفرار من قبـ . ــضته:
_ آه دراعي يا سي رافع، همله أبـ,ـوس يدك، هينكسر . ألقاها بقليل من العنــ . ــف علي الكرسي داخل غرفتهما ثم جذبها من خلف رأسها وكأنه يقــ . ـــتلع خصلاتها في قبـ . ــضته، وبصياح هادر:
_ ده أني هكسرو وها كسر رچليكي الأتنين لو خطيتي دار عمتي تاني يا فاچره.
أنفجرت باكية وهي تقول:
_ كنت رايدني أخدك بالأحضان وأنت عتجولي هاتتچوز عليا!، أي واحدة لو مكاني كانت سوت أكتر من إكده. زاد من قبـ . ــضته أكثر فأطلقت صرخة بنحيب وعويل، أعتدل وجعلها تقف أمامه ليصبح وجهها مقابل وجهه وبملامح قاسية متجبرة قال:
_ قسماً بالله لولا الي في بطنك لكنت ماخليت حته في چتتك سليمة، ويا ويلك لو كررتيها مرة تانية لايهمني وجتها إنك حبلي، فاهمة ولا لاء. هدر بصوته المجفل وهو يهز رأسها بعنــ . ــف ومازال قابضاً علي خصلاتها:
_ ماتردي.
صرخت باكية بخنوع وإستسلام:
_ فاهمة، فاهمة. تركها بإشمئزاز وأتجه نحو المشجب ليأخذ عباءته وجلبابه ليرتديهما، وبأمر صارم قال لها:
_ جومي غيري خلچاتك، هانروح لعمتي لأچل تعتذري ليها هي وبتها. وبرغم ما تشعر به من آلام نفسية وجسدية لكنها لم تتحمل أكثر من ذلك فصرخت به بكل تمرد:
_ وأني ماريحاش عند حد ولا هاعتذر كمان. زجرها بنظرة آتيه من قعر الجحيـ ـم، وبصوت دب الرعب في أوصالها:
_ عتعصي أوامري يا بت ال……
وكاد ينقض عليها كالوحش الضاري، فجاء رنين هاتفه لينقذها من الهلاك بين يديه، أمسك بهاتفه ليري إسم المتصل إحدي رجاله المكلفين بمراقبة محبوبته، نسي أمر معاقبة زوجته تماماً و غادر الغرفة ليجيب:
_ عايز أي يا زفت الطين؟. أجاب الآخر:
_ ألحق يا رافع بيه الست فاطمة خرچت من دارهم وجعدت تتلفت وبعدين طلعت حاچة من شنطتها أتاريه نقاب ولبسته وأتحدت في المحمول وبعدها طلعت علي الطريج وركبت تاكسي… قاطعه بحنق وملل:
_ ماتخُلص يا زفت وجصر في الحديت، أدليت علي فين؟.
أجاب وهو يلتقط أنفاسه:
_ أصبر يابيه ما أني چايلك في الحديت أهو، روحت ماشي ورا التاكسي بالمــ . ــوتسيكل لحد ما نزلت في حته مفيهاش صريخ إبن يومين وفچاءه ظهرت عربية أتاريه الدكتور الي أسمه يحيي ركبت وياه ومشي علي طريج المركز لحد ما وجف قدام النادي الي علي البحر. أستشاط غضــ . ــباً حيث سبرت أغواره كفوران التنور:
_ خليك حداك وما تتحركش لحد ما أچي لك. أغلق المكالمة و زفر باللهيب مستعر، و ظُلمة عينيه كظلام ليلة معتمة.
_حذرتك كتير ولا همك، ما تلومينيش بجي علي الي هاسويه وياكي يا فاطمة.
لم ينتبه إلي التي كانت تسترق السمع ، ركضت إلي غرفة أخري وأوصدت الباب خلفها، لتطلق لعبراتها العنان، تبكي بحــر . ــقة وبقلب ٍملتاع من القهر والألم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ ترجلت من سيارة الأجرة أمام الشركة، أرتدت نظارتها الشمسية لتواري إنتفاخ جفنيها وإحمرار عينيها من الأرق والنوم الذي يجافيها منذ ليالي.
عبرت البوابة ثم وضعت إبهامها علي الجهاز الألكتروني لتسجيل مواعيد حضور وإنصراف الموظفين، وما أن أنتهت أنتبهت إلي نداء تلك الفتاه التي تركض نحوها:
_ مروة، أي يابنتي مابترديش علي تليفونك ليه؟، مستر علي قالب الدنيا علي الفايل بتاع مشروع جولدن سيتي الي أنتي شغاله عليه، مش سيڤتيه وبعتيه له علي الإيميل ليه؟. وبدون أن تجيب علي أسألتها أخرجت من حقيبتها ملف ورقي و دفعته في يد الأخري، فأمسكته ونظرت في محتواه بصد.مة:
_ أنتي لسه مخلصتهوش!، يا نهار مش فايت، ده المفروض هيقد.مه كمان نص ساعة لمندوب الشركة الفرنسية.
تحدثت بنبرة جافة بدون أي مشاعر:
_ ما يهمنيش وماليش فيه، وبعدين أنا جاية النهاردة عشان أقد.م إستقالتي. غرت الأخري فاهها بعد أن تفوهت بتعجب:
_ إستقالتك!. تركتها مروة وذهبت إلي غرفة مكتبها لتأخذ كل ما يخصها من متعلقات، قامت بجمعهم داخل صندوق صغير. _ مروة، مستر علي عايزك في مكتبه بسرعة.
قالتها إحدي زميلاتها بعد أن دلفت وهي تلتقط أنفاسها.
زفرت بتأفف، فهي تبغض رؤيته بشدة، لكن ماذا بيديها أن تفعل، يجب أن تذهب إليه لتعطيه الملف وإستمارة إقالتها.
حملت الملف علي ساعدها وذهبت إليه، كادت تفتح الباب فأوقفتها السكرتيرة بتعجرف قائلة:
_ أستني هنا لما أدخل أبلغ مستر علي. رفعت مروة إحدي حاجبيها وتفوهت ساخرة:
_ ده علي أساس إنه مش قالب عليا الشركة وباعت لي عشان عايزني!. ردت الأخري بهدوء إستفزازي:
_ والله دي تعليمات مستر علي وأنا بنفذها.
قالتها ثم دلفت وأردفت:
_ عن أذنك.
دفعت الباب بقوة خلفها، مما أثار حنقها وأخذت تسُب وتلعن تلك الحمقاء وأيضاً مَن يلقنها الأوامر.
خرجت بعد دقيقة تشير إليها للدخول:
_ أدخلي. تمتمت بصوت خافت:
_ دخل عليكي عزرائيل وخد روحك يا بعيدة. دلفت إلي الداخل فوجدته جالساً خلف مكتبه ويعمل علي حاسوبه الخاص مرتدياً نظارة، ظلت تنظر له وبداخلها يصرخ بكلمات لوم وعتاب، تتذكر كل لحظة قد جمعتهما سوياً في الحزن والسعادة في الفرح والبكاء، كانت لاتريد سواه حتي كُشف لها عن وجهه القبيح. أفاقت من شرودها علي قوله لها بدون أن يرفع عينيه:
_ واقفة ليه عندك؟.
جلست وفي عينيها ألف سؤال، يديها ترتجف من هذا الصقيع الذي داهمها للتو، حيث تذكرت ذلك اليوم عند.ما كانت في منزله.
تشعر بكل همسة كان يلقي بها علي سمعها وبكل لمسه أغدق بها علي أنحاء جسدها، لينتهي الأمر بكارثة عليها تحمل نتائجها بمفردها كما أخبرها بكل أنانيه ودونيه. تحمحمت حتي تتحدث بنبرة واهنة يبدو منها ضعفها:
_ أنا جيت النهاردة عشان أقد.م إستقالتي.
وضعت الإستمارة فوق المكتب، ظل صامتاً ولم يبادلها قولاً سوي بعد دقائق، أغلق حاسوبه وخلع عويناته وألقاها أمامه علي المكتب غير مكترث، فأشار إليها نحو أذنه قائلاً بتهكم:
_ قولتي أي بقي من شوية؟.
تنهدت وأعتدلت في جلستها لتجيب بكبرياء محطم:
_ زي ما سمعت. رفع زواية فمه بإبتسامة سخـ ــرية فسألها:
_ و ده من أي لا مؤاخذه؟. رمقته بإزدراء فأجابت:
_ مزاجي كده. تعالت ضحكاته التي تعجبت منها، وقال من بينها:
_ مزاجكك كده!، بقالي زمان مضحكتش والله، مش عارف أشكرك ولا أعملك أي. أنتفخت أوداجها فأطلقت زفرة نــ ــارية من أعماقها:
_ ممكن تمضيلي علي الورقة عشان أخلص، وأتفضل الفايل أهو، أبقي خلي حد يشتغل عليه.
ألتقطه من يدها ومازال يضحك حتي د.معت عيناه، وما أن فتح الملف ليري ماذا تقصد، فتوقف عن الضحك وتبدلت ملامحه تماماً علي النقيض.
ألقي بالملف فوق المكتب وبصياح قال:
_ نعم يا روح مامتك. وقفت وأشارت له بتحذير:
_ لو سمحت ما أسمحلكش تكلمني بالأسلوب القذر ده، أنا مش واحدة من الأشكال إياهم الي تعرفهم ولا زي ندي. وبمجرد ذكر إسمها كأنها أضرمت النيران بداخله، في خلال ثوان نهض وكان أمامها قابضاً علي رسغها، فهدر من بين أسنانه:
_ إسمها ميجيش علي لسانك تاني يا و……
جذبت رسغها وأبتعدت لتتمكن من رد إهانته لها:
_ الو…… الي يجري ورا واحدة متجوزة ومخلفه قال أي عايز تنتقم منها، وأنت بمجرد تقف أدامها بتبقي زي العيل أبو رياله، ده أنت ناقص تبوس جذمتها عشان تخليها تطلق وترجعلك. في خطوة واحدة أنقض عليها جاذباً وشاحها وبسبب قوته الجسدية التي تفوق جسدها أختل توازنها فوقعت لتصبح أسفل قد.ميه، أنحني نحوها قابضاً علي تلابيب كنزتها:
_ أنا و….. يا زباله يا بنت ال……، ده أنتي جيت لي الفيلا عشان يحصل الي حصل مابينا وتحطيني أدام الأمر الواقع عشان نتجوز.
وبكل ما أوتيت من قوة نهضت وركلته ما بين ساقيه:
_ أهو أنت الي…… وإبن ستين…… وقع علي أقرب كرسي له وأخذ يتلوي من الألم، يضم يديه لدي موضع الضــ . ـربة، يتوعد لها ويسُبها.
وبخطي سريعة أخذت طلب إقالتها والملف الورقي و وقفت أمامه بتحدي:
_ الإستقاله مش عايزاها هاروح للفرع الرئيسي وهطلب نقلي في أي فرع تاني بعيد عن وشك.
قامت بتمزيق الورقة إلي فتات وألقتها نحوه، رفعت الملف لتمزقه إلي نصفين:
_ وبالنسبة لفايل المشروع أهو، وأبقي إعتذر للمندوب بتاع الشركة الفرنسية و هات حد يشتغلك عليه من الأول.
أخذت حقيبة يدها وعلي وشك المغادرة وهو مازال في مكانه غير قادر علي النهوض وعلامات الألم والإمتعاض علي وجهه. _ والله يا علي يا حسيني لو شتمتني أو مديت إيدك عليا تاني لهعملك عاهة مستديمه، كفايه عليك الضــ . ـربه الي خدتها وهتخليك لا تنفع ندي أو غيرها، أتفو. بصقت نحوه وذهبت علي الفور.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أستيقظ هذا الصغير لتوه، فنهض بجزعه وهو يحك عينيه، لفت إنتباهه ظل أسود علي الحائط رغماً من تسلل أشعة الشمس من خلال فتحات النافذة الخشبية إلي داخل الغرفة، تمعن النظر جيداً يحسب إنه ظل خزانة الثياب، لكن مهلاً الظل يتشكل علي هيئة إمرأة، حك عينيه مرة أخري وقلبه يخفق وجلاً مما يراه.
أغمض عينيه ويتمتم ببعض الآيات وأدعية التحصين ثم فتحهما ليجد الظل أصبح طيفاً ويقترب منه فأطلق صرخة:
_ ألحقوني.
خرجت قمر من المطبخ راكضة إليه، كما أستيقظ بكر من غفوته بفزع حيث كان نائماً في الغرفة المجاورة.
جذبت الصغير بين زراعيها وأخذت تربت عليه لتهدأته:
_ أهدي يا عمر ياحبيبي، هتلاجيك كنت بتحلم بكابــ . ــوس. أبتعد برأسه عن صدرها، وأومأ بنفي:
_ لع يا قمر مكنش كابــ . ــوس، أني لساتي صاحي دلوق ويا دوب بفتح عيني لاجيت ضل أسود علي الحيطه الي هناك دي. أشار إلي الحائط فألتفتت لتنظر إليها هي وبكر الذي قال:
_ يمكن ده ضل الدولاب وأنت تخيلته حاچه تانيه.
هز رأسه برفض وبإصرار وخوف قال:
_ لاء يا عم بكر، والله ما ضل واصل، ده حاچه شبه واحده ست وفچاءة بجت زي الطيف. رمقت قمر بكر بنظرة تخبره بها إن الصغير علي حق، فكما أخبرته من قبل ذلك إنها رأت مثل هذا الطيف سابقاً ولم يصدقها وأخذ يسخـ ــر منها بمزاح. ربت بكر علي رأس الصغير قائلاً:
_ عمر حبيبي الي أعرفه راچل ما يخافش من حاچة واصل، وبعدين مش أني معلمك لو حسيت بحاچة كيف إكده تقرأ آية الكرسي والأدعية؟.
نظر إليه بكل براءه و قال:
_ والله جولت لكن أول ما صرخت الطيف أختفي. لاحظ بكر الخوف المنبلج في فيروزتيها وتحاول أن لا تظهره، وكذلك أيضاً الرعب البادي علي ملامح الصغير، فأراد أن يغير من تلك الأجواء، لذا أخبرهما:
_ سيبكو من السيرة دي ومتخافوش، ربنا هو الحافظ، وأنت ياعمر جوم خدلك دش وچهز حالك وأنتي كمان يا قمر لأچل هاخدكو فسحة زينة جوي. أتسعت إبتسامة الصغير وقال بسعادة غمرت ملامحه التي كانت فزعه منذ قليل:
_ بچد ياعم بكر؟.
أومأ له بكر:
_ اه بچد يا حبيب عمو. قفز الصغير من فوق الفراش وعانقه بقوة، وفجاءة صاحت قمر:
_ يا مُري صينية البطاطس زمانها أتحرجت. ركضت إلي المطبخ وفتحت فرن الموقد وأخرجتها لتجدها بالفعل قد أحترقت.
_ يا خيبتك القويه يا قمر يالي كل يومين تحرجي الواكل، زمان بكر هيجول عليا ست بيت فاشلة. _ جصدك ست بيت زي القمر، إسم علي مسمي، صدج الي سماكي قمر.
قالها بكر بعد.ما دلف للتو، فأستدارت إليه ويبدو عليها الحزن قليلاً:
_ قمرك حرجتلك الواكل وشكلنا هنجضيها چبنة وبطيخ كيف إمبارح.
ضحك وأقترب منها وأمسك يدها، فطبع قبلة حانيه في كفها الوردي:
_ أني لو كلت عيش حاف بس وأنتي معاي ده عندي الدنيا ومافيها يا جلب بكر. توردت وجنتيها كالعادة من الخجل، فقالت:
_ ربنا مايحرمني منك واصل يا سي بكر. حاوطها بين زراعيه مستنداً علي الحائط وبنبرة عا .ـشقة تجعلها غارقة في بحور عشقه:
_ يا سي أي؟. تعالت أنفاسها وصدرها يعلو ويهبط بتوتر بالغ من الخجل الذي يختلجها للتو ، فقالت بصوت يكاد يسمعه بصعوبه من فرط خجلها:
_ ياسي بكر.
يقترب بشفتيه نحو وجنتها الوردية:
_ أني إكده ربنا راضي عني. همست وهي تتحاشي النظر في عينيه بصعوبة:
_ إشمعنا؟. أجاب وأنفاسه تضــ . ـرب وجنتها بسخونه قشعرت بدنها:
_ عشان ربنا رزقني بيكي، أنتي چنتي الي في الدنيا وبإذن الله هتكوني حوريتي في الآخره.
وكاد يُقبل وجنتها.
_ أني چاهز يا عم بكر.
قاطعه الصغير الذي أحس إنه قد جاء في وقت غير مناسب، فتراجع إلي الوراء مبتسماً ويغمز بإحدي عينيه إلي بكر الذي أخذ يضحك من مايفعله هذا الصغير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ علي ضفاف النيل وصوت وردة الجزائرية ونسمات الهواء العليل، يضع النادل أمام كل منهما كأس العصير، شردت في الكأس لاتعلم ماتفعله هذا صواب أم مجاذفه و ربما هناك من سيدفع الثمن!.
_ سرحانة في أي؟. تفوه بها الطبيب يحيي فأنتبهت إليه وأجابت:
_ ها؟، مافيش.
تنهد وعاد بظهره إلي الوراء:
_ بصي يا فاطمة الي أنتي قولتيه من شويه ده أسمه ضعف وخوف وجُبن، وأنا عمري ماكنت ضعيف ولا جبان، أنا هادخل بيتكو ومعايا أهلي زي ما أي واحد بيجي يطلب إيد أي واحده، لكن جو أقابل والدك بره وأطلبك للجواز منه ده مليش فيه، أنا مش عامل عمله ولا عليا تار. أطبقت شفاها بحيره ثم قالت:
_ وأني خايفه عليك ليچرالك بسببي حاچة لاقدر الله. أنحني للأمام و رمقها بقوة وإصرار :
_ يبقي يوريني هيعمل أي.