توقفا أمام باب كبير يقف عليه حارسين، أخرج لهما دعوة قد أخذها من صديقه طارق الذي أعتذر عن الحضور، دخلت و قلبها أصابته إنقباضة و أذنيها أصابها صفير حاد. و قعت عينيها علي العروسين، فعلمت لما تشعر بكل هذا، إستدارت وهمت بالذهاب، أوقفها قائلاً و يده قابضة علي زراعها:
– رايحة فين؟، مش ناوية تباركي لصاحبتك و جوزها؟ أبتلعت ريقها بتوتر فشلت في إخفائه:
– أنا عايزة أمشي. رد بإصرار و حزم:
– و إحنا مش ماشين غير لما نروح نسلم عليهم و نباركلهم.
جذبها من يدها لتسير خلفه بتعثر، حتي توقفا علي مقربة شديدة من مروة وعلي الذي تسمر في مكانه حينما تلاقت عينيه بخاصتها، و هي قد أهتزت عند.ما جذبها أكرم من خصرها يحتضنها. وقفت مروة تنظر إلي صديقتها السابقة بدهشة، كيف جاءت و هي لم ترسل لها دعوة حضور الزفاف!. ذهبا إليهما، صافحت ندي مروة علي مضض:
– مبروك يامروة. ردت الأخري بإقتضاب:
– الله يبارك فيكي. ــــــــــــــــــ
و ها هي قد أهتداها تفكيرها الشيـ . ـطاني بعد.ما رفضت الطبيبة بإجراء الإجهاض لها، تلجأ إلي الحيل القديمة، ذهبت إلي العطار، و قامت بشراء خليط من الأعشاب التي علمت بمفعولها الذي سيفي بالغرض.
و الآن هي بمفردها تمكث في غرفتها منذ الأمس، تمسك بالكوب الخامس أو ربما السابع تحتسيه بصعوبة بسبب رائحة الخليط النفاذة، كما يداهمها منذ الأمس شعور بألم يزداد كل فينة و الأخري.
صعدت علي الكرسي و وثبت علي الأرض، مرة تلو الأخري، و في كل مرة تتأوه بألم، و إذا تشعر بسائل دافئ يتدفق من أسفلها و قد وصل الألم إلي ذروته، و هنا لم تعد قادرة، فأطلقت صرخة وصلت إلي مسامع أهل النجع!. 🌹يتبع🌹
#الفصل_السادس_والثلاثون #فارس_بلا_مأوي #بقلمي_ولاء_رفعت_علي تمكث في الغرفة بمفردها منذ أن عادا من الخارج، لم يستغرق وجودهما في حفل الزفاف سوي مجرد دقائق مرت كمرور الدهر علي قلب احدهم و بمثابة خنـ ـجر متوهج يخترق قلوب آخرين بلا رحمة. نهضت من فوق السرير بعد تفكير دام لأكثر من ساعة، ذهبت لتبحث عنه في الردهة، وصل إلي أنفها رائحة سيجارته المشتعلة من الشرفة، سارت إليه و وقفت خلفه بتوجس حيث إنها تدرك جيداً حالته النفسية الآن، فهو لا يلجأ لتدخين السجائر إلا عند.ما يكون في قمة غضــ . ــبه لاسيما تري من جانب وجهه إحتدام عظام فكه البارزة و انتفاخ أوداجه النافرة.
ترددت في التحدث إليه، لكن في النهاية وجدت لا مجال للهروب عليها المواجهة، ساعة من المواجهة وتلقي الصد.مات أكثر هواناً من العيش لساعات و ربما لأيام في خوف و آسر ذهنك في براثن الأفكار المُظلــ . ــمة. – أكرم. تظاهر و كأنه لا يسمع ندائها علي غرار ما بداخله من وقع صوتها علي فؤاده الذي يتوسل إليه بأن يغفر لها، لكن الآن العقل هو المسيطر، طالما عقله يرشده إلي الثواب والمسار إلي الدرب الصحيح.
أطلق زفرة نفث بها دخاناً كثيفاً من أنفه و فاهه، و صمته كان الرد الجلي إليها، اقتربت منه وضعت أناملها المُرتجفة علي عضده و كأن قد سري في جسده تيار كهربائي، ألتفت إليها بنظرة لو كانت نيراناً لجعلتها رماداً لتوها. أجفلها بصوت أرجف قلبها: – عايزة أي؟ ابتلعت غصتها بتردد و أجابت: – ممكن نتكلم شوية؟ سحب نفساً عميقاً من سيجارته ثم أطلقه في زفرة عبئت الأجواء من حولهما بالدخان الكثيف، تخلص من ما تبقي بين أصبعيه بإلقائها من الشرفة ليخبرها:
– الكلام ما بينا أنتهي. لم تتحمل كلماته القاســ . ــية و نظراته الأشد قساوة، انفجرت في نوبة بكاء و كأن الجميع تكالب عليها اليوم: – حـ ـرام عليك بقي كفاية، أنا ما بقتش أستحمل، بقي أبسط حاجة عندك تذل وتبيع فيا كأني مش مراتك و أم بنتك. ها هي قلبت الأدوار علي رأسه، فأصبح هو الجاني و هي الضحيــ .ــة المجني عليها، ما كان منه أن يشعر سوي بالغضــ . ــب العارم، قبـ . ــض علي رسغها دافعاً إياها إلي الداخل ومن بين أسنانه يلقي عليها وابل من رصاصات الكلمات القـ,ـاتلة:
– و أنا مكنتش خطيبك وحبيبك وقت لما روحتي أترميتي في حــ . ــضنه!، أنا خدتك للفرح عشان أشوف النظرة اللي شوفتها في عينيكي، إحساسي عمره ما خاني و الليلة دي أتأكدت بنفسي من كل شكوكي، و كفاية كذب و خداع، أنا مش عارف إزاي أنتي كدة!، خلتيني أحس بأوسـ . خ إحساس أي راجل عنده كرامة و نخوة إستحالة يقبله علي نفسه. تريث قليلاً ثم أردف و نظراته مليئة بالقسوة و الكراهية: – تعرفي اللي زيك تتوصف بأيه!
قربها منه و نظر صوب عينيها و كأن كل ما به يتحدث و ليس فمه فقط: – خاينة. هبطت أسفل قد.ميه تبكي بتوسل و نفي اتهامه لها: – أنا مش خاينة، و الله بحبك أنت،بعترف أن غلطت و ند.مانة و دفعت تمن غلطي، قسوتك و كلامك اللي زي السـ . ــكينة دبـ . حني، برغم كل ده أستحملت و هاستحمل، كل ده عشان بحبك. هبط لمستواها و أمسكها من عضديها يُعنــ . ــفها: – بطلي كذب بقي يا شيخة، أنتي ما بتحبيش غير نفسك و بس.
كانت ترتجف بين يديه و تهز رأسها يميناً و يساراً، لم تصدق عينيها ما وصل إليه، أصبح أمامها كالوحش الضاري، مهما بررت أو توسلت لم يرحمها، فأسرع و أسهل حل لديها الآن هو الهروب من أمامه و الاستسلام لفقدان الوعي الذي بدأ يداهمها بالفعل. زاغت عينيها ثم أسبلت جفونها في صمت، لم يتبق سوي صوت أنفاسه المتهدجة و هو يراها ساكنة بين يديه. ❀ـــــــــــــــــــــــــــ❀
تسير في الطريق المُظلــ . ــم بعد.ما انتهت من زيارة إحدى صديقاتها، فكان الشرود رفيق دربها و الذي أنتشلها منه احدهم، جذبتها يد غليظة و كانت علي وشك الوصول إلي منزلها، شهقت بفزع عند.ما أفجعها بنظراته القـ,ـاتلة و صوته الأجش الذي دب الرعب في فؤادها، يسألها: – معاودة منين؟ رمقته في صمت لثواني حتي عادت الد.ماء إلي أوردتها مُجدداً، و لبست قناع الجمود و أجابت ببرود: – ملكش صالح بيا عاد. دفعها إلي أقرب جدار، فأرتطم ظهرها به، قلبها يخفق وجلاً غرار ما تظهر له قوة واهية علي ملامح وجهها، أمسك برسغيها بقبـ . ــضة من حديد:
-من هنا و رايح رچلك ما تخطيش عتبة الدار. رفعت إحدى حاجبيها بتمرد أنثي لا تنحني يوماً سوي إلا لخالقها قائلة: -و ده من ميتي إن شاء الله يا سبع الرچال، إيش تكون أنت لأچل تحكم و تشخط فيا عاد! أقترب أكثر منها، و من يراهما من بعيد يحسب إنهما متلاصقان، هدر من بين أسنانه: -أنا أبجي راچلك،و چوزك بعد ما نكتبو الكتاب بكرة، و بعدها بأسبوع هاتكون دُخلتي عليكي يا بطتي. ازدردت لعابها لتُبدد توترها المُنبلج من نظرات عينيها، تخبره بتهكم:
– بعينك يا واد خالي. شبـ . ــح ابتسامة غزي أسفل شاربه قائلاً: – لاء يا جلب واد خالك، هاتبجي بصدري الي هاتدفي فيه و أنتي في حــ . ــضني، و بجلبي الي هاتسمعيه و أنتي راسك علي صدري و شعرك الچميل مفرود عليه، أجولك أي كمان. أقترب بموطن كلماته بالقرب من شفتيها المذمومتين و أكمل: – و بشفايفي اللي نفسها تدوج كل حتة فيكي يا بطتي، خصوصاً الحتة دي. برهة واحدة و كاد يُقبلها.
– بت يا فاطمة. صوت والدها أجفل الأخر و جعله أبتعد عنها و هّم بالذهاب فأوقفه الشيخ واصف ليسأله: -واجف ويا بتي و عتسوي أي يا رافع! لم يستطع رفع عينيه من فرط ما يشعر به من حرج، تحمحم ثم أجاب: – كنت بسألها كيفها عمتي. أمسك والدها بيدها، يدفعها برفق خلفه و حدج الأخر بنظرة تحذيرية قائلاً: – عمتك زينة، و لو رايد تطمن عليها تدخل الدار من بابها لأچل تطمن عليها و بس، غير إكده ملكش صالح ببتي واصل.
لم يمهله والدها حتي الرد و أخذ أبنته و عاد إلي منزله، تاركاً الأخر في نفور أوداجه التي كادت تطق من الغيظ. ✿ــــــــــــــــــــــــــــــ✿ وصل أمام منزل عائلته الذي يغلفه سكون الليل يتخلله صوت مزعج يصدر من فم و أنف هذا الدبيكي ذو المظهر المُخيف و شاربه الكث يحتل نصف وجهه. لكزه بقوة في صدره قائلاً: – جاعد أهنه و نايم و عتشخر كمان! أنتفض الأخر بفزع يتلفت من حوله كالمجــ . ــنون، حتي عاد إلي صوابه:
– حجك عليا يا كبير،أصلي مانعستش من إمبارح، و الحاچة و الحاچ خرچو من بدري راحو يعزو چماعة وهدان، فأتكوعت علي الكنبة أهنه و الهوا طس في وشي و نعست غصب عني. زجره مُتمتماً: – طسك جطر يا بعيد. تركه و فتح الباب بالمفتاح يُدندن: – يا ولاد بلدنا يوم الخميس، هاكتب كتابي و هابجي عريس. ظل يُرددها، و قبل أن يدخل الغرفة، رأي الضوء من خلال أسفل الباب، تحمحم حتي لا يجفل زوجته و كأنه يهتم لأمرها:
– بت يا نوارة، أنتـ… فتح الباب و بتر كلماته المشهد الذي يراه أمامه، حيث رآها ممددة علي الأرض و طرف ثوبها يرتفع إلي أسفل ركبتيها، فساقيها مُلطخة بالد.ماء المُتدفقة من أسفلها، ترتجف جفونها و تلتقط أنفاسها ببطيء، صاح بفزع: – نوارة. أنحني علي عقبيه و أخذ يربت علي خدها، و عينيه تكاد تخرج من محجريهما: -أي اللي سوي فيكي إكدة! تتحرك مُقلتيها نحوه تارة و تارة أخري تختفي أسفل جفونها المُرتجفة، تردد اسمه بخفوت:
– رافع، رافع. ألتقط غطاء من فوق السرير، دثرها جيداً و حملها علي زراعيه كالأهوج، قلبه يخفق بخوف ثم نادي علي المنتظر خارج المنزل: – دبيكي، أنت يا زفت. هرول إليه غضون لحظات: – أمرك يا كبير. أشار له بعينيه نحو الكمود و بصوت هادر صاح به: – خد المفاتيح دي و بسرعة أفتح لي العربية. توقف الأخر محدقاً بصد.مة، فسأله: -حوصل أي لست نوارة؟ صاح به رافع بصوت ترتعد له الجبال: – و ده وجته يا وحل البرك، روح سوي اللي جولتلك عليه.
فعل كما أمره رب عمله مُسرعاً، و حينما فتح إليه باب السيارة: – سوج علي أجرب مشتشفي بسرعة. و في غضون دقائق كان في المشفى، ينتظر خارج الغرفة في قلق و خوف، لأول مرة يشعر نحوها بتلك المشاعر، فـ منذ أن رآها في تلك الحالة التي يرثي لها، شعر بانقباض فؤاده و غصة في حلقه، إلي هذا الحد كان ظالماً!
آلاف السنــ ــاريوهات تنهش عقله و تضغط عليه، و كأنه مثل حبوب القمح بين حجري الرُحي، لا يعلم إنه هو من جعل زوجته هكذا، أوقعها بين حجريه، الأول عشقها له من طرفها فقط، و الحجر الأخر هو ظلــ . ــمه لها و كيف كان قاسياً جافياً عليها. خرجت الطبيب ليخبره: – واضح جداً إنها محاولة إجهاض من النزيف الشديد اللي عندها و….
دفعه الأخر من أمامه و أسرع إليها، يخالجه كلا من الخوف و الغضــ . ــب و كل من المشاعر المتضاربة، و إن دلف توجه بصرها إليه و كأنها تناديه، جلس جوارها و أمسك يدها، سألها بلهفة لأول مرة تراه في سوداويتيه رغماً من غضــ . ــبه: – أي اللي چرالك،ليه سويتي في حالك إكدة؟ ردت و الكلمات تكاد تخرج من شفتيها بصعوبة بالغة: -أني خلاص هريحك مني و من همي. عقد حاجبيه ثم رمقها بنظرة قـ,ـاتلة يسألها:
– رايدة تجتلي حالك أنتي و ولدي! ازدردت ريقها الذي كان كالغصة العالقة في حلقها و أجابت: – اللي في بطني ما يبجاش ولدك. قبـ . ــض علي يدها و من بين أسنانه سألها: -عتجولي أي يا خرفانة، تجومي بالسلامة الأول و بعدين راح أحاسبك علي سويتيه في حالك و في إبني. أغمضت عينيها لثواني و قامت بفتحهما لتخبره بالفاجعة: – أسمعني زين، أني و أمي روحنا عند واحد بيجولو عليه شيخ بيعالچ اللي متأخر في الحمل، روحت و ياريتني ما روحت.
توقفت لحظات لتلتقط أنفاسها مرة أخري و أردفت: