_ ومعاك أحلي كوبيتين شاي لرجالة حتتنا الجدعان أوي أوي.
قالها هيما صبي القهوة وهو يعطي لكلا من فارس وجنيدي أكواب الشاي فقال الأول:
_ تسلم يا هيما عجبال لما نشربو ساقع فرحك إن شاء الله. رد هيما مازحاً:
_ فال الله ولا فالك ياعم، أنا مش ناقص وجع د.ماغ خليني عايش سلطان زماني كده مستريح. ضحك جنيدي وعقب علي حديثه:
_ ومين سمعك يا أبو عمو، كفاية رحمت نفسك من النكد ولا تصحي من النوم تلاجي بومة في وشك عتجولك شيل الزبالة وأنت ماشي وهات فلوس وطلبات مابتخلصش واصل.
إبتسم فارس من حديثهما وأفكارهما عن الزواج، ود ولو يخبرهما كم يتمني رؤية من يعشقها قلبه ويهواها والزواج منها والعيش معاها حتي المــ . ــوت ، لايكل ولا يمل منها أبداً.
كما من أمنيات يتمناها المرء لكن مايتحقق ليس سوي هو المكتوب في صحيفة القدر. وفي الجهة المقابلة في متجر الحاج نعمان، تخطو ذهاباً وإياباً منتظرة والدها من إنهاء مراجعة دفتر الحسابات لتحدثه في أمر ما، لكنها تخشي ردة فعله، أوقفها صوته وهو مازال منهمكاً في حساباته:
_ أخلصي ياشهد وقولي عايزة أي.
وقفت وأقتربت من مكتبه فجلست أمامه، أجابت بتردد واضح من نبرتها:
_ بابا كنت عايزة حضرتك في حاجة كده ومتفهمنيش غلط. ترك ما في يده وأخفض عويناته قليلاً، يضيق عينيه بمكر قائلاً:
_ والحاجة دي بخصوص قاسم مش كده؟. تحمحمت ثم أزدردت ريقها فأجابت:
_ يعني، يعني، بصراحة آه، هو حضرتك عرفت إزاي أن هاكلمك بخصوص قاسم؟. أنحني للأمام وعقد ساعديه وأسندهما فوق سطح المكتب:
_ عيب لما تسألي سؤال زي ده لأبوكي الي حافظك وعارف كل الي بيدور في د.ماغك قبل ماتنطقي منه بحرف واحد.
زفرت بأريحية وقالت:
_ طيب بما أنك عارف أي الي هاكلمك فيه، أي رأيك تشغله هنا معانا في المحل؟. رفع إحدي حاجبيه وأجابها بسؤال آخر :
_ وياتري طلبك ده عشان موقفه الشهم معاكي لما وقف لممدوح، ولا عشان حاجة تانيه؟. توترت من مغزي كلماته ومايرمي إليه، فهي حقاً تريد أن يعمل لديهم ليس لموقفه النبيل معها لكن لأمر آخر لم تستطع إخفاءه، وها هو والدها يصارحها بما لاتجرأ البوح به، فيكفي حديث عينيها التي يتجلي بريقها كلما تنظر إليه أو تراقبه من خلف زجاج عرض الثياب.
منعها الخجل من الإجابة مباشرة، فأجابت بإستنكار:
_ حضرتك تقصد أي من الحاجة التانيه؟.
تنهد وإبتسامة لاحت علي ثغره:
_ أقصد الي فهمتيه ومكسوفه تقوليه.
عاد بظهره إلي الوراء ليردف:
_ الواحد فينا مهما خبي مشاعره وأنكرها بتيجي عيونه وتفضحه من غير مايتكلم وخصوصاً الحب، القلب لما يدق تحسي العيون فيها لمعة غريبة ولهفة ديماً علي الي بتحبه، و ده الي كان بيحصلي أول ماشوفت والدتك الله يرحمها، خطفت قلبي وعينيا من أول يوم شوفتها فيه، حسيت كأني طاير في السما وبفرحة ماتتوصفش، الحب يا شهد مشاعر جميلة وعظيمة بس مع الأختيار الصح والتفكير بالعقل والقلب مع بعض عشان ما نجيش في الآخر نند.م وننجرح ونقعد نبكي ونقول ياريت.
كانت تستمع إليه بتعجب ودهشة منبلجة علي وجهها.
_ ياه يابابا، ده أنت طلعت رومانسي جداً وأنا ما أعرفش. ضحك وقال:
_ ولا رومانسي ولا حاجة، ده خبرة سنين من التعليم الي علمته الدنيا للواحد فينا. نظرت لأسفل بخجل وبدأت تتحدث:
_ غصب عني، كل ما أشوفه ببقي في حالة غريبة بقف متنحه مبعرفش أتكلم، لو قالي حاجة مبقدرش أرد عليه عكس ما بعمل مع أي حد لو قالي كلمة معجبتنيش، مش عارفه هل فعلاً حبيته ولا لاء، وهل ده صح ولا غلط!.
_ أنا هقولك كلمتين تحطيهم حلقة في ودانك، الي يحطك جوه عينيه ويشيلك فوق د.ماغه ويحترمك ده أديله قلبك وأنتي مطمنه، الحب أفعال، والفعل بيظهر في وقته خصوصاً وقت الشدة. و من فرط خجلها من والدها قلبت دفة الحديث قائلة:
_ طيب نرجع لموضوعنا الأساسي، حضرتك موافق تشغله معانا؟. هز رأسه مبتسماً:
_ حاضر يا شهد، هابعته له دلوقت الولاه هيما وهخليه يجي أعرض عليه الموضوع. أعتلت الفرحة ملامحها الجميلة مثل روحها المرحة، حيث دقات قلبها تزداد بقوة كلما تتخيل وجوده أمام عينيها هنا في المتجر وتخشي أن يفتضح أمرها أمامه.
أرسل الحاج نعمان إحدي صبيانه إلي فارس لكي يخبره بأنه يريده في أمر ما، فوافق الآخر وذهب إليه، وعند ولوجه إلي داخل المتجر أختبأت في مكان قريب من مكتب والدها حتي يتثني لها سماع صوته وإجابته علي مطلبهم. _ السلام عليكم يا حاچ نعمان.
قالها عند.ما دلف فأجاب الآخر بترحاب وحبور:
_ وعليكم السلام ورحمةالله وبركاته، أتفضل يا قاسم. _ يزيد فضلك يا حاچ.
قالها وظل واقفاً، فأشار إليه نعمان نحو الكرسي:
_ أتفضل أقعد.
جلس وقال:
_ خير يا حاچ، جالولي أن حضرتك طالبني في أمر مهم. _ أمسك سبحته وجلس بإعتدال:
_ خير إن شاء الله، أولاً حبيت أشكرك علي موقفك وجدعنتك مع بنتي. وقبل أن يكمل حديثه قاطعه فارس قائلاً:
_ متجولش إكده، ده واچب وحق علينا لما نشوفو غلط زي ده وربنا عالم الآنسة شهد بعتبرها كيف خايتي. ترددت الكلمة علي أذنها وياليتها ما سمعت، فكانت بمثابة السـ . ــكين المشتعلة المتوهجة من النيران وأنغمست في قلبها بلا شفقة.
فتح إحدي أدراج مكتبه ومد يده ليجلب شيئاً ما:
_ و دي أخلاق ولاد البلد الجدعان، ربنا يبارك فيك، و دي حاجة بسيطة كده ياريت تقبلها مني.
أخرج له مبلغ من المال ووضعه أمامه، بينما فارس تلاقي حاجبيه معاً بضيق، نهض و وقف ليقول بنبرة جادة وبها قليل من الغضــ . ــب:
_ عيب يا حاچ أنت إكده عتغلط فيا عاد، أني ماسويتش الي عملته لأچل تعطيني فلوس، بالعكس عشان دي أخلاجي وتربيتي و لو الموقف ده حوصل مع أي واحدة معرفيهاش هسوي نفس الي سويته ويا ممدوح.
أخفي إبتسامته وسعادته من ردة فعل هذا الشاب الذي أثار إعجابه منذ رؤيته، كم تمني لو كان لديه إبن مثله واليوم أثبت له ظنه عنه وهو إنه من الرجال القليلون ذوي الأخلاق والمروءة. _ أقعد يا قاسم، مالك زعلت ليه، أنا بديلك الفلوس مش في مقابل الي عملته، أنا بديهالك كهدية. رد بحزم وكبرياء بالغ:
_ شكراً يا حاچ خلي فلوسك معاك، أني مواخدش حاچة، الحمدلله معاي الي يكفيني.
شعر بالإهانة من هذا الموقف مما جعله يشعر بالإختناق فأردف:
_ عن أذن حضرتك أنا ورايا شغل.
تركه وغادر مسرعاً، ولم يري إبتسامة الحاج نعمان وهو ينظر إلي ورقات المال قائلاً:
_ أنا نظرتي عمرها ماخيبت أبداً. خرجت من مكانها والحزن يكسو ملامحها، سألت والدها بنبرة تظهر ماتشعر به:
_ ليه عملت معاه كده يا بابا؟. وضع المال في الدرج وأغلقه مجيباً:
_ كنت بتأكد من حاجة والحمدلله طلع زي ماتوقعت بالظبط.
غمغمت ببضع كلمات كالتائهه:
_ ماخلاص أديه بيعتبرني زي أخته.
صمتت قليلاً فتحولت ملامحها من نظرة حزن إلي أخري توعد وقالت بتحدي ونظرة ثاقبة نحوه عبر الزجاج :
_ والله ما هسكت هخليني وراه لحد ماهو الي يجي يتحايل عليا عشان أعبره بنظرة بس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كان يوماً حافلاً ما بين التنزه داخل الحديقة المليئة بالملاهي ثم ذهب ثلاثتهم إلي إحدي المطاعم العائمة علي مياه نهر النيل، فأختتموا يومهم بالتسوق من إحدي المجمعات التجارية الشهيرة، فأبتضعو أشياء كثيرة وضعها أكرم بداخل حقيبة سيارته.
وفي طريق العودة تثائبت الصغيرة وغفت في نوم عميق، ألقي والدها عليها نظرة عبر المرآه قائلاً:
_ حبيبتي يا لارا نامت من كتر اللعب والجري، إن شاء الله بعد كده كل ويك إند هاخدكو وأفسحكو. تسمع كلماته في صمت ولم تعقب، فسألها:
_ مالك يا ندي ساكته ليه من ساعة مامشينا من المول. أجابت بدون أن تلتفت إليه حيث كانت تنظر إلي الخارج عبر النافذة:
_ مفيش، هاتكلم أقول أي!.
مد يده نحو يدها وعند.ما لمسها شعر برجفة جسدها من ملامسته، أبعد يده علي الفور وبداخله يشعر بالغضــ . ــب الشديد من نفسه، كلما تذكر ما أقترفه بها من معاملته لها بقسوة وعنــ . ــف جعلتها تخشي حتي ملامسته وبرغم عودتها معه لكنها ما زالت تتجنب التعامل معه، فطوال اليوم وهم بالحديقة كانت شاردة وكلما عرض عليها مشاركتهم في اللعب هو وأبنتهما ترفض وتجلس بمفردها في صمت مطبق.
وصل أخيراً أمام البناء، ركض إليه عم خضر حارس العقار:
_ أكرم باشا، حمدالله علي السلامة أنت ومدام ندي وست العرايس الصغيرة.
_ الله يسلمك يا عم خضر.
قالها وأعطاه المفتاح الخاص بحقيبة سيارته:
_ معلش ياعم خضر طلعلي الحاجات الي في شنطة العربية. أومأ له بإحترام بالغ:
_أمرك ياباشا. حمل صغيرته النائمة ودلف إلي داخل الفناء وبجواره ندي، دخل كليهما إلي المصعد وبعد وصولهما للطابق خاصتهما وخروجهما وقف أمام باب الشقة، تناول المفتاح من جيب بنطاله وبسبب حمله للصغيرة وقع من يده، أنحنت في نفس اللحظة التي دنا بها ليلتقط المفتاح من الأرض لكي تفعل المثل، تلاقت أعينهما وظل يرمقها لثوان وكأنه يعتذر لها ويخبرها كم هو يشتاق إليها كثيراً.
لم يشعر بذاته وهو يقترب بشفتيه من خاصتها وعند.ما أنتبهت لما هو مُقبل عليه ألتقطت المفتاح وقامت بفتح الباب ودلفت مسرعة إلي الداخل، أنتبهت لوجودها في غرفة النوم، عادت إليها ذكري هذا اليوم المشئوم، كانت تصرخ وتتلوي أسفله تتوسل له بالإبتعاد عنها بينما هو كان شيطانه مسيطر عليه، لم تنس ملامحه حينها حتي الآن، كان كالوحش الكاسر. أغمضت عينيها وتهز رأسها يميناً ويساراً تريد أن تمحو كل هذا من ذاكرتها لكن دخوله الغرفة أفشل محاولتها.
_ أنا نيمت لارا في أوضتها وحطيت لك شنط الأكل علي الرخامة في المطبخ و أدي شنط الهدوم.
فتحت عينيها وهمت بالذهاب، أوقفها وأمسك يدها:
_ رايحة فين؟. نظرت ليده ثم إليه وقالت بنبرة خالية من المشاعر:
_ رايحة أفضي الحاجات من الشنط وهادخل أنام جمب لارا. كان علي يقين تام بما ستفعله، فلجأ إلي مهاودتها، فقال لها:
_ براحتك يا حبيبتي أهم حاجة إنك رجعتي تنوري بيتك وقلب جوزك الي بيعشقك ويمــ . ــوت فيكي.
إبتسامة مصتنعة أرتسمت علي ثغرها للتو:
_ شكراً، عن إذنك.
وغادرت لتتركه وقلبه ملتاع، كان يريد أن يطوقها بين زراعيه ويلقي عليها كل ما بداخله من إعتذار وآسف وشوق وحنين وحب جارف، قضي لياليه المنصرمة في سهاد، يجافيه النوم شارداً في ملامحها التي يحفظها عن ظهر قلب.
ألقي بجسده علي السرير يحدق في السقف، تدور في رأسه مئات الأفكار لجعلها تسامحه، نهض ليخلع سترته وذهب لأخذ حمامه وأرتدي ثيابه القطنية، تمدد لكي ينام لكنه فشل، ظل يتقلب علي جانبيه حتي زفر بضجر، نهض وذهب إلي الغرفة الأخري بخُطي هادئة ليجدها تغفو في السرير الآخر الموازي لسرير إبنتهما، تفحص ملامحها ليتأكد إنها نائمة وعند.ما أطمأن تمدد جوارها وأخذ يستنشق رائحة عطرها بإستمتاع، حاوطها بين زراعيه وقال:
_ تصبحي علي خير وهنا يا ندي قلبي وضي عيوني.
قام برسم قُبلة برومانسية حالمة علي وجنتها وقال بهمس:
_ تصبحي علي خير يا حبيبتي وضي عيوني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ رفعت أكمامها لأعلي وهمت بحمل دلو مليئ بالثياب التي أخرجتها من الغسالة للتو، رأتها خالتها تحمل الدلو فصاحت بها:
_ عتسوي أي يخرب عقلك، همليه وروحي ريحي علي ضهرك وأني الي هنشرو. _ أني زهجت يا خالتي من الرقدة علي السرير، ما أنتي خابراني زين لو ريحت أتعب. ربتت خالتها علي كتفها قائلة:
_ تعالي علي نفسك وأتحملي لحد ما ربنا يقومك بالسلامه أنتي والي في بطنك وأبجي أتحركي كيف ما أنتي رايده، إحنا ماصدجنا يابتي إنك بجيتي حبلي.
تنهدت بسأم:
_ ماشي يا خالتي، لما أروح أطفي علي المحشي لأنعس ويتحرج. حملت رسمية دلو الملابس وصعدت إلي سطوح المنزل، بينما نوارة ذهبت إلي المطبخ أمسكت بقطعة من القماش القديم لتمسك بها غطاء الإناء لكي تتأكد من نضوج الطعام قبل إطفاء الموقد.
تناولت قطعة بالملعقة وكادت تتذوقها
_ السلام عليكم.
أوقفها صوته فأنتفضت ذعراً وألقت مابيدها وبدون أن تنتبه أمسكت بالغطاء الساخن من غير عازل، أطلقت صرخة مدوية.
أسرع نحوها ليمسك بيدها وفتح باب المبرد، تناول قطعة ثلج و وضعها علي يدها مكان الحــر . ــق ، تأوهت فقال لها:
_ معلش أتحملي.
رفعت وجهها فتلاقت عينيها بسوداويتيه الحادتين، تخشي ضعفها يظهر إليه، فأشاحت وجهها لتتحاشي نظراته التي تخترقها، بدأ بالتحدث:
_ كيفك يا نوارة؟. وياليته ما تحدث، ذكر إسمها فقط علي لسانه يجعل قلبها يخفق بقوة يكاد ينخلع من صدرها وينطلق ليستقر بين ضلوع عاشقه.
أجابت بتوتر جلي في صوتها الخافت:
_ الحمدلله بخير.
أبعدت يدها فسقـ ـطت قطعة الثلج التي علي وشك الذوبان تماماً، ولت ظهرها إليه وسألته:
_ أغرفلك تاكل؟. أقترب منها ليقف خلفها مباشرة حتي شعرت بأنفاسه، أجاب عليها:
_ لع، سيبك من الواكل وتعالي وياي في أوضتنا.
كانت علي وشك الإعتراض فأردف:
_ رايدك في حديت مهم. ظنت إنه قد جاء ليعتذر إليها وطلب السماح، ذهبت برفقته وعند ولوجهما إلي داخل الغرفة أغلق الباب وخلع عباءته وحذاءه، فكانت من هي دائماً تفعل عنه ذلك لكنها أكتفت بدور المتفرج تنتظر حديثه الهام هذا.
أخرج من جيب جلبابه علبة السجائر والقداحة فأمسك بالسيجارة ليشعلها تذكر أمر حملها، نظر نحو بطنها ولايعلم هل يفرح أم لا، كان يريد هذا الطفل من الأخري وليست هي، لذلك كان غير مهتم بأمر الإنجاب من زوجته، كل مايهمه هي فاطمة، فاطمة وفقط!.
_ أي الحديت المهم الي رايدني فيه ياسي رافع؟.
سألته بجدية وتخفي مشاعرها الأخري نحوه، أطلق زفرة عميقة وقال بإقتضاب:
_ ألف مبروك. ما هذا الجفاء الواضح في كلماته المقتضبة، والبرود المحتل ملامحه، كانت تتوقع ردة فعله علي خبر حملها غير ذلك تماماً. _ وياتري رچوعك للدار عشاني ولا عشان الي في بطني؟.
سألته وتصتنع التماسك والثبات، تعجب من نبرتها وماترمي إليه، فأفحمها ب ردٍ مجفل:
_ دي دار أبوي يعني أرچع ليها وأمشي منيها كيف ما أنا رايد.
أبتلعت غصتها ولاتعلم كيف تجيب علي حماقته، فأكتفت بتلك الكلمات:
_ وأني ما أقصدش الي فهمته غلط، وعلي العموم حمدالله علي السلامة.
نهضت وأردفت:
_ أني رايحة أشوف خالتي. أوقفها محذراً إياها من نبرته:
_ وأني لساتي مخلصتش الحديت عاد. أستدارت إليه و وقفت أمامه عاقدة ساعديها أمام صدرها:
_ خير يا إبن خالتي. رفع جانب فمه بإبتسامة هاكمة من جملتها السابقة، أشار إليها بتعجرف وبأمر قال لها:
_ أجعدي. زفرت بضيق وهي تجلس علي الكرسي:
_ أديني جعدت أهه.
رفع حاجبيه متعجباً من أسلوب حديثها الذي لم يعجبه، أجتاز ذلك ليصل إلي مراده، فقال:
_ الموضوع الي هجولو لك دلوق هيبجي سر بينتنا أنا وانتي لحد ما هخبر بيه الكل. أنصتت له بإمعان وحدسها يخبرها بأن ما سيقوله زوجها للتو لا يكن سوي كارثة بالنسبة إليها، لم يخطأ حدسها حينما تفوه الآخر بجدية وكأنه قد حسم أمره ولا جدال فيه:
_ أني قررت أتچوز.
#الفصل_الثاني_والعشرون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_ منذ ذلك اليوم الأسود برغم إن ماحدث فيه بمحض إرادتها، ومن حينها حتي الآن تلعن نفسها آلاف اللعنات لإنها إستسلمت بين يدي من أستغل حبها له وقربها منه لأجل مصلحته الخاصة وهي الوصول لمن يهواها فؤاده، غير مكترث لها بل يُلقنها الكثير من الإهانات خاصة في آخر لقاء جمعهما معاً.
تنعزل بذاتها في غرفتها تخشي رؤية أحداً من أفراد أسرتها ويلقي عليها بالأسئلة التي تخشاها ولا تعلم كيف ستجيب عنها بماذا ستتفوه!. طرقات علي الباب متتالية جعلتها تنتفض من أسفل الدثار، يتبعها نداء والدتها:
_ أنتي يا مروة هانم، قافله الباب ليه بالمفتاح؟.
تنفست الصعداء وأجابت:
_ أوف، الواحد مش عارف ياخد راحته في البيت ده، نايمة يا ماما وقافلة الباب عشان عيال إبنك الأشقية. صاحت والدتها من وراء الباب:
_ نامت عليكي حيطه، قومي يابت أفتحي عايزة أقولك علي حاجة. أنتفخت أوداجها فزفرت من أعماقها بتأفف:
_ حاضر. نهضت وقامت بفتح الباب، عقدت ساعديها أمام صدرها متفوهه بإمتعاض:
_ حاجة أي دي إن شاء الله؟. دفعتها في كتفها من أمامها:
_ أوعي كده من وشي.
سارت نحو النافذة لتفتح الستائر مردفة بضيق:
_ياساتر، أي التربة الي حابسة نفسك فيها دي!، ريحة الأوضة مكمكمة.
إستدارت مقلتيها بإمتعاض وقالت:
_ياستي دي أوضتي وعجباني كده. ألتفتت إليها والدتها ورمقتها بإزدراء قائلة:
_ طيب أتنيلي روقيها وهويها وحطي عود بخور، وخديلك دش وظبطي نفسك عشان جايلنا ضيوف. زفرت للمرة المائة:
_ أوف بقي، ياربي مش هنخلص، وأنا مالي بضيوفك!، وبعدين أنا مش قادرة أقابل حد. وضعت يديها بخصرها وقالت بتهكم لاذع:
_ دول مش عشاني يا روح أبوكي، ده العريس الي قولتلك عليه ومعاه جوز خالتك ومعتصم أخوكي هيسبقهم زمانه علي وصول.
أرتجف داخلها من التوتر، متذكرة ما أخبرتها والدتها عن هذا العريس ومدي إعجاب والديها به وبأخلاقه وإنه الرجل المناسب الذي تمنوه لإبنتهم، فماذا ستفعل!.
أخذت تتمتم بداخل عقلها بنعت وسب هذا العلي الذي قذف بها داخل الجحيـ ـم، تركها جريحة القلب، محطمة الذات. تصنعت الثبات الإنفعالي حتي لاتشك والدتها في أمرها،فقالت بهدوء زائف:
_ مش وقته. تشدقت الأخري:
_ هو أي يا عين أمك الي مش وقته؟. رفعت وجهها لأعلي قليلاً:
_ مش وقته أن أتخطب وأتجوز، لسه شوية علي الخنقة دي.
كانت تظن بهذه الكلمات تقنع والدتها بالعزوف عن فكرة زواجها لكن لاتعلم إنها أضرمت شعلة من الغضــ . ــب جعلت أمها تخطو نحوها وهي تتراجع إلي الخلف. _ لسه أي يا عينيا؟.
سألتها بسخـ ــرية قابضة علي زراعها بقوة تهزها بعنــ . ــف، فأردفت بصياح أهتزت له جدران غرفتها:
_ طب أي رأيك يا روح أمك هتتخطبي وهتتجوزي العريس ده، سواء عجبك ولا معجبكيش، يا إلا قسماً بالله هسلط عليكي معتصم أخوكي ولا هيبقي فيه خروج ولا شغل، وأنتي عارفة هيعمل معاكي أي، وياما أنا حوشته عنك وداريت عنك كتير.
فلتت زراعها بصعوبة من قبـ . ــضتها، وقفت بتحدي وإصرار قائلة:
_ طُز في إبنك وفي العريس، و طُز فيكو كلكو،يكش تولعو بجاز في بعض. تعجبت والدتها لصراخها المُجلجل هذا، همت بمغادرة الغرفة قائلة بتوعد:
_ صرخي، عيطي، أعملي الي أنتي عايزاه، وبرضو كلامي هيمشي وهتوافقي علي العريس، ويا أنا يا أنتي!. دفعت الباب خلفها بقوة ثم أستندت عليه بجسدها الواهن وأخذت تبكي بحــر . ــقة وقهر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تقف أمام مرآه الزينة بداخل غرفتهما، تنظر إلي بطنها الذي لم يظهر بعد عليه إنتفاخ الحمل، تتذكر ليلة أمس وكلماته القـ,ـاتلة لقلبها الذي يعشـ,ـقه ولا يبادله أي مشاعر.
(حدث في ليلة أمس) _ الموضوع الي هجولو لك دلوق هيبجي سر بينتنا أنا وانتي لحد ما هخبر بيه الكل. أنصتت له بإمعان وحدسها يخبرها بأن ما سيقوله زوجها للتو لا يكن سوي كارثة بالنسبة إليها، لم يخطأ حدسها حينما تفوه الآخر بجدية وكأنه قد حسم أمره ولا جدال فيه:
_ أني قررت أتچوز.
أتسعت عينيها من هول صد.متها إثر ما تفوه به للتو، وتسمرت كالتمثال.
عم الصمت بينهما، فتسللت عبره علي وجنتها، وبصوت خافت يصل لأذنيه بصعوبة قائلة بتعجب ساخر:
_ هي دي ألف مبروك الي چاي تجولهالي!، وياتري تطلع مين دي؟. أشاح وجهه لم يستطع أن يجب علي سؤالها، فيكفيها علمها بأمر زواجه بأخري.
تعالت شهقاتها من الألم الذي تشعر به وكأنه جلب سـ . ــكين متوهج ويغرزه بداخل قلبها بلا شفقة، ولما يهتم لمشاعرها!، فهو لم يشعر قط نحوها بأي مشاعر، حتي في لحظاتهما الحميمية كان يتخيل الأخري وليست هي، كم هو قاسي القلب متبلد المشاعر.
توقفت عن البكاء عنوة، فأستعادت رباطة جأشها وقالت بسأم:
_ فاطمة، صوح؟.
إبتسامة سخـ ــرية تكسو ثغرها مُردفة:
_ طول الوجت وأني جلبي كان حاسس، وكنت بصبر حالي وأجول لنفسي يابت بكره هيزهق ويحس بيكي، مهما كان ده في الأول والآخر برضك چوزك ولما علمت إني حبلي علي قد ما فرحت لكن فرحتي الي أنتظرتها هي فرحتك أنت لما تعرف أني هچيبلك الطفل الي نفسك فيه، و بدل ما تاخدني في حــ . ــضنك، چاي تجولي أتچوز!.
صاحت في آخر كلمة، رفع سبابته محذراً إياها:
_ وطي حسك يا نوارة أحسن لك. فاض بها الأمر، فصاحت بغضــ . ــب هادر:
_ أوطي حسي!، يا چبروتك يا أخي!، ده كل الي همك، ومش همك جلبي الي عينحرج دلوق!. نهض وقفز نحوها واضعاً كفه علي فمها وبغضــ . ــب مستطير من سوادويتيه:
_ إكتمي إلا وربنا لأجطعلك لسانك. أزاحت يده بكل قوتها من علي فمها وقالت:
_ ما أنا ياما كتمت حسي وأكتم في جلبي وأنت ولا هنا، وأخرتها رايد تتچوز عليا!، يا أخي اللهي
تتچوزك عجربة وتفضل تدوك فيك سمها وأخلص منك وأرتاح.
صاح بتهديد:
_ لمي لسانك يا ولية إلا و قسماً بالله ل….. قاطعته وبداخلها بركان من الغضــ . ــب تتقاذف حممه في عنان السماء:
_ اللهي يولولو عليك بدري لا تلحج تتچوز ولا تلحج تشوف إبنك الي خسارة فيك. وصل لذروة غضــ . ــبه الثائر، رفع كفه لأعلي:
_ أخرسي جبر يلمك. أندفع الباب بقوة ودلفت والدته، بفزع قائله:
_ چري أي يا ولدي، حسكم واصل للنچع كلاته، حوصل أي؟. كان يرمقها بنظرة حالكة وكأنه يتوعد لها، حتي أنتبه علي صوت والداته:
_ ما تردو علي سؤالي، ولا أتخرستو دلوق!.
ألتقط عباءته وعمامته وهم بإرتدائهما ليرحل بدون أي كلمة، ثم غادر
هارباً من أسئلة والدته وحديثها حينما تعلم بنواياه. (عودة للزمن الحالي) ظلت ترمق صورتها المنعكسة في المرآه، وبداخلها عقدت العزم، لابد عليها التصرف بدلاً من قلة حيلتها وموقف المتفرج الصامت.
وبعد.ما أبدلت ثيابها بعباءه سوداء فضفاضة و وشاح ذو لون قاتم، خرجت فكادت تصد.م بخالتها التي أوقفتها:
_ رايحة فين يابتي؟. رمقتها بشرر من أفعال ولدها الظالم قائلة بحدة بالغة:
_ همليني يا خالتي لحالي.
أمسكت يدها مانعة إياها من المغادرة، وقالت بأمر:
_ مهملكيش غير لما تجوليلي أي الي چري ليلة امبارح ومحدش فيكو رد عليا، و كمان رايحة علي فين إكده؟. جذبت يدها وأجابت:
_ أبجي أسألي ولدك وهو هيجولك إذا قدر يجولك عاد. تركتها في حيرة، وأكملت خط سيرها نحو منزل الشيخ واصف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تتسحب من المطبخ بخطي وئيدة حتي لاتشعر بها والدتها، تحمل حقيبة معبأة أواني مملوءة بالأطعمة المختلفة، أجرت إتصالاً هاتفياً وبهمس أجابت:
_ أني چاية أهو إياكم تتغدو من غيري وجولي لأخوي مايشتريش واكل للعمال أني عاملة حسابهم، يلا سلام.
_ رايحة علي فين يا فاطمة؟.
صاحت بها جليلة واقفة أمام باب غرفتها، مما أفزعت الأخري، تركت الحقيبة جانباً وهي تزدرد لعابها ثم تفوهت بتوتر منبلج علي ملامحها:
_ أني، أني كنت را…… قاطعها رنين جرس المنزل ويصاحبه طرقات عنيفة علي الباب، تعجبت كلا من فاطمة وجليلة، ذهبت الأولي لتفتح الباب، فتفاجأت بها واقفة أمامها والغضــ . ــب يتطاير كالشرر من عينيها دفعتها في كتفها بخاصتها و ولجت إلي الداخل تحت نظرات فاطمة الحانقة:
_ العواف يا خالة چليلة.
رمقتها جليلة بإندهاش يتخلله بعض الضيق قائلة:
_ الله يعافيكي يا نوارة. ألقت نظرة علي غريمتها أولاً ثم أستدارت إلي الأخري، ترفع وجهها لأعلي قليلاً بزهو :
_ متستغربيش ياخالة من مچيتي ليكم، والسبب أني رايده ألحج بيتي قبل ما يتخرب. رمقتها جليلة بإندهاش:
_ خراب أي كفي الله الشر يابتي. حدجتها بإستعلاء وقالت:
_ خراب بيتي يا خالة، وبتك السبب. هنا لم تستطع فاطمة الصمت أكثر من ذلك، فكانت تتركها تفعل ماتشاء، لكن إلي هذا الحد وكفي.
صاحت بتحذير وبدفاع عن نفسها:
_ بجولك أي يا نوارة، أجفي عوج وأتحدتي عدل، أني ساكته لك من تو ما خطيتي دارنا، لكن هتلبخي في الحديت فخدي بعضك إكده من أصرها و عاودي علي دارك يابت الناس أحسن لك. ألتفتت إليها والغضــ . ــب والشر ينضح من عينيها كاللهيب مستعر:
_ واه، وكماني ليكي عين تهدديني يابت الشيخ واصف!. نظرت نحو جليلة لتردف:
_ جوليلي يا خالة، الي تلوف علي راچل متچوز وكماني مارته حبلي تبجي أي؟.
أتسعت عيني جليلة بعد.ما تفهمت سبب مجيئها وغضــ . ــبها، فسألتها بإستنكار:
_ تجصدي أي بحديتك؟. صاحت مشيرة نحو فاطمة:
_ أجصد بتك خرابة البيوت، خطافة الرچالة. _ أخرصي جطع لسانك.
صرخت بها فاطمة وهي تهبط علي وجهها بللطمة قوية.
فما كان من الأخري أن تتلقي الإهانة وتصمت، بل هجمت عليها:
_ وكمان بتمدي يدك علي والله ما أهملك من يدي.
جذبتها من خصلاتها بعنــ . ــف والأخري تدافع عن نفسها، ولا تريد أن تؤذيها خاصة بعد.ما علمت إنها حامل.
تدخلت جليلة لتبعد كلتاهما عن بعض، آمره إياهما:
_ بعدو عن بعضيكو منك ليها، وأنتي يا نوارة عيب لما تدخلي بيوت الناس وتتهميهم بالباطل وكمان تغلطي فيهم. ألتقطت نوارة أنفاسها بتهدج قالت:
_ أني ما بكدبش يا خالة، أسألي بتك الأستاذة فاطمة بت شيخ المسچد!، رافع كان بيسوي معاها أي وجت فرح خايته ورا الدار!.
قالتها وحدجت فاطمة التي تسمرت في مكانها بعداء وتوعد، فأردفت:
_ هجولك أني الي شوفتهم بعينيا دول وهو رميها علي التبن وجاعد فوجها وبيبـ,ـوسها كأنهم راچل ومارته.
نظرت فاطمة لأسفل بخجل و خوف من والدتها التي تكبح جموح غضــ . ــبها أمام الأخري حتي لا تشمت فيهما.
اردفت مرة أخري:
_ أني المرة دي عملت حساب للقرابة وصلة الد.م الي بينتنا،المرة الچاية هتكون فضايح وچورس والنچع كلاته هيتفرچ ويسمع.
نظرت لهما بتهديد لتأكد علي وعيدها، ثم همت بالرحيل:
_ سلام.
غادرت بخطي سريعة وعند.ما خرجت من المنزل زفرت وكأنها تزيح جبل من فوق صدرها،لكن هناك سؤال ألقاه عليها صوت من أعماقها و هو
ماذا لو علم رافع بما أقترفته؟!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تركض بملامحها الخائفة بداخل رواق مظلــ . ــم وصوت أنفاسها المتهدجة يعلو، تنظر خلفها في كل خطوة نحو مصدر خوفها، حتي أصتد.مت في صدره، فشهقت بفزع فطمأنها قائلاً:
_ متخافيش يا جلبي. أتسع ثغرها بإبتسامة وسعادة:
_ فارس!. ضمها إلي صدره وحاوطها بزراعيه يمسد علي خصلاتها ليطمأنها أكثر:
_ أيوه أني يا روح جلبي، متخافيش يا زينب رايدك تكوني قوية، أوعاكِ تضعفي. دفــ . ــنت وجهها في صدره وتشبثت بأناملها في ظهره قائلة بضعف وقلة حيلة:
_ مُعنتش قادرة يا فارس، كل يوم بتمني المــ . ــوت وما طايلهوشي.
أبعد وجهها عن صدره ليتمعن بالتحديق في ذهبيتيها قائلاً:
_ بعد الشرعليكي يا جلبي، أياكِ تجولي إكده تاني، ده أني من غيرك ما أجدرش أعيش واصل. ردت عليه بسأم والعبرات تملأ عينيها:
_ وأني ماعرفاش أعيش من غيرك واص… قاطعها صوت إطلاق رصاص يعقبه صياح تكره صاحبه بشدة:
_ زينب، زينب. كان فارس ينظر لها بنظرة الوداع الأخيرة غير قادراً علي التحدث ولو بكلمة.
أخذت تصرخ به:
_ لاء يا فارس ماتهملنيش أبـ,ـوس يدك، لاء يا فارس.
بدأ جسده يتراخي ويتهاوي بين يديها، فأطلقت صرخة مدويه:
_ لا. فتحت عينيها لتقابلها عتمة الظلام، فمازالت آسيرة في هذا المكان الموحش منذ البارحة، مكبلة بالسلاسل الحديدية، وبرودة الهواء والصقيع يحاوطها وينهش جسدها المرتجف.
نهضت بصعوبة تتكأ علي إحدي ساقيها وبيدها الأخري تتحسس الجدار، وبرغم من الظلــ . ــمة المحيطة بها شعرت بدوار يداهمها، و عند.ما أستطاعت الوقوف خارت قواها فسقـ ـطت علي الأرض.
وفي الخارج، تسير أنيتا وتحمل صينية طعام متجهة خلف المنزل، وعند رؤيتها فتح لها إحدهم من رجال الحراسة الباب، أخرجت من جيب جونلتها مصباح يدوي صغير وأضاءته، فشهقت عند.ما وقعت عينيها علي تلك الممدده علي الأرض بلا حركة وبجوارها آخر صينية طعام قد قد.متها إليها ليلة البارحة ولم تمسها كسابقتها.
خرجت مسرعة لتخبر سليم الذي كان يمارس تمارينه الرياضية في الحديقة.
_ سيدي،سيدي.
صاحت بها نهض من فوق العشب ومسح قطرات عرقه من فوق جبهته، فسألها:
_ ماذا هناك أنيتا؟.
أجابت بقلق و خوف:
_ مدام زينب، يبدو إنها غائبة عن الوعي. أنتفض بفزع عند سماعه ذلك، ركض إليها وقلبه يخفق خوفاً.
ولج إلي الداخل وقام بفتح لوحة مفاتيح الكهرباء بعد إبعاده لقطعة القماش الباليه من فوقها، وضغط علي المفاتيح، أصبح المكان مضيئ، ليجدها كما أخبرته الخاد.مة، أسرع نحوها وجثي علي إحدي ركبتيه، وضع يده علي زراعها يلكزها منادياً:
_ زينب، زينب.
لم تصدر منها أي حركة، فكانت كالجـ . ــثه المسجاه، أمسك رسغها وبيده الأخري وضع أصبعيه الوسطي والسبابه علي موضع العرق النابض، زفر بأريحية وسرعان ماتبدلت ملامحه كالبركان الذي أنفجر لتوه، وهذا عند رؤيته لصينية الطعام التي لم تؤكل منها شئ.
نهض لينحني مرة أخري ويحملها مسرعاً إلي داخل المنزل ثم إلي غرفة النوم، فوضعها علي السرير و هاتف الطبيب ليطمأن عليها.
وبعد قليل جاء الطبيب وبعد الفحص قال:
_ سيد سليم، هل زوجتك لديها داء السكري؟.
ضيق مابين حاجبيه مجيباً:
_ لا أعلم. قام الطبيب بتدوين عدة كلمات في دفتره الورقي، فنزع الورقة منه ثم أعطاها لسليم قائلاً:
_ هذه الأدوية مكملات غذائية لتقوية جسدها الضعيف، ويجب أن تجري بعض التحاليل لنطمأن علي مستوي السكر لديها. أخذها منه وهو يومأ له، وبعد مغادرة الطبيب أغلق الباب وعاد إليها ليجلس بجوارها متأملاً ملامحها، بداخله يشعر بالند.م حيال ما فعله معها فالأمر كان لايستحق هذا العقاب القاســ . ــي الذي كان سيودي بحياتها إلي الهلاك.
وضع أطراف أنامله علي جبهتها نزولاً لوجنتها ثم إلي شفتيها التي عند ملامسته لها أصابها رجفة طفيفة.
مسك يدها و وضعها بين كفيه فوجد أطرافها باردة، أخذ يمسدها حتي تشعر بالدفء ولو قليل، لكن بدون جدوي مازالت ترتجف، ترك يدها وأبعد الدثار من فوقها حتي يتثني له خلع ثوبها الذي قام بإلباسها إياه قبل مجيئ الطبيب لتعود كما تركها في المخزن بقطعتي ثياب فقط ثم خلع عنها الوشاح.
نهض ليخلع عنه ثيابه وأكتفي بسرواله ثم تمدد جوارها ليحاوط جسدها بالكامل بجسده بعد أن ألقي عليهما الدثار ليمدها بالدفء أكثر.
أحتضنها بقوة وكأنها ستفر منه موصداً عينيه، مد يده إلي خصلاتها ليأخذ البعض منها وأخذ يستنشق رائحتها بمتعة غمرت كل حواسه، جاء في ذهنه كلمات الطبيب عند.ما تفهم منه بإحتمالية إصابتها بالسكري، لعن نفسه فربما إصابتها تلك مؤخراً، والسبب معاملته القاســ . ــية لها وإجبارها علي كل شئ وكأنها جارية أشتراها من سوق النخاسة. وهنا بدأ ضميره بإيلامه وتوبيخه فلم يشعر بنفسه وهو يهمس لها أمام شفتيها بكلمات إعتذار :
_ آسف حبيبتي، سامحيني. دفــ . ــن وجهه في صدرها كالطفل الذي يختبأ في حــ . ــضن والدته، يحارب بكل قوته تلك الذكريات التي تهاجمه بضراوة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ