كانت السيارة الـ “Range Rover” تشق طريقها بسرعة وثبات على الطريق الصحراوي السريع، مبتعدة عن صخب المدينة. الصمت كان سيد الموقف، يقطعه فقط صوت أنفاس ريم المتهدجة التي بدأت تهدأ تدريجياً، وصوت المحرك القوي.
ساجد كان يقود بتركيز، يده اليمنى ما زالت تنزف قليلاً، ملامحه صلبة وجامدة كالعادة، لكن عينيه كانت تلمع ببريق غريب كلما نظر لريم الجالسة بجانبه، والتي كانت تنظر للطريق بشرود والدموع تجف ببطء على وجهها.
ريم (بصوت خافت ومتردد):
“ساجد.. إحنا رايحين فين؟ أنا خايفة على بابا أوي.”
ساجد (دون أن يلتفت لها، بصوت رخيم وهادئ):
“قولتلك باباكي في أمان..
حراسي مسيطرين على المستشفى ومحدش هيقدر يقرب منه. ودلوقتي، إحنا رايحين المكان الوحيد اللي مفيش مخلوق يقدر يأذيكي فيه…
ريم بصتله باستفهام:
مكان ايه دا؟
ساجد باختصار:
ـ القصر بتاعي
ريم بصدمة:
ـ قصرك؟
ساجد (بابتسامة خفيفة جداً):
“آه.. قصري. متقلقيش، مش هكون لوحدي هناك.. جدتي عايشة معايا.”
ريم حست براحة غريبة لما سمعت عن جدته. سكتت وفضلت باصة للشباك، لحد ما العربية بدأت تهدي السرعة ودخلت في طريق جانبي محاط بأشجـ ـار عالية وكثيفة.
وفجأة.. ظهر القصر!
ريم برقت عينيها بصدمة وذهول. القصر كان تحفة معمارية كلاسيكية، مبني من الحجر الطبيعي ومنحوت بدقة، محاط بحدائق شاسعة ونافورات مياه بتلمع تحت ضوء القمر. الهيبة والفخامة كانت باينة في كل ركن.
ريم (بهمس وهي مش مصدقة):حكايات نورهان العشري
“يا نهار أبيض..
ده مش قصر، ده متحف! أنت.. أنت غني أوي كدة يا ساجد؟”
ساجد (ضحك ضحكة خفيفة ورجولية):
“الغنى غنى النفس يا ريم.. المهم دلوقتي إنك تكوني في أمان.”
وقف ساجد العربية قدام المدخل الرئيسي للقصر. نزل وفتح لريم الباب، وأخدها تحت ذراعه القوي ودخلوا القصر.
جوه القصر كان أبهر بكتير! النجف الكريستال الضخم المدلى من السقف العالي، السلالم الرخامية العريضة، اللوحات الفنية النادرة على الحيطان.. كل حاجة كانت بتنطق بالفخامة والذوق الرفيع.
ريم كانت بتمشي وهي بتبص حواليها بانبهار طفولي، ناسية حزنها وخوفها للحظات.
وفجأة، سمعوا صوت أنثوي رقيق ودافي:
“ساجد حبيبي..
جيت؟”
التفتوا وشافوا ست عجوزة، ملامحها كلها طيبة وحنان، لابسة فستان كلاسيك شيك جداً، وقاعدة على كرسي متحرك فخم بيزقه “هاني رجل أمين يعمل لدى لساجد منذ أن كان والده على قيد الحياة.
ساجد (انحنى وقبل إيد جدته ورأسها):
“آه يا حبيبتي جيت.. ومعايا ضيفة هتحبيها أوي.”
الجدة (بصت لريم بابتسامة صافية وودودة):
“أهلاً وسهلاً يا بنتي.. نورتي القصر كله. تعالي يا حبيبتي، متخافيش.”
ريم (قربت من الجدة بخجل واحترام، وانحنت قبلت إيدها):
“أهلاً بحضرتك يا فندم.. القصر منور بصاحبته.”
الجدة (بإعجاب واضح):
“يا حبيبتي!
تسلمي و يسلم ذوقك ايه الجمال دا يا ساجد.. ريم جميلة و تتحب من أول نظرة.”
ساجد (ابتسم بسعادة مخفية):
“أنا عارف إنك هتحبيها يا جدتي.. عشان كدة جبتها هنا.”
وفي اللحظة دي، ظهرت شابة في العشرينات، ملامحها جميلة بس فيها حدة وتكبر، كانت نازلة من على السلم وهي لابسة فستان سهرة قصير وبارز ملامحها. دي كانت نهى، بنت عمة ساجد.
نهى (بنبرة فيها غيرة وتكبر واضحة وهي بتبص لريم من فوق لتحت):
“ساجد! جيت أخيرًا؟ ومين دي اللي معاك؟ و ايه اللي لابسة دا ”
ساجد (ملامحه اتصلبت ببرود):
“دي ريميا نهى.. ضيفتي.
لبسها ميهمكيش في حاجة . نهى (بضحكة ساخرة ومستفزة):
“ضيفتك؟ ومن إمتى يا ساجد وأنت بتجيب ضيوف القصر؟ وكمان شكلها مبهدل أوي.. ”
الجدة (بحزم):
“نهى! عيب كدة! البنت ضيفة ساجد، تتعامل بكل احترام و أدىب فاهمة؟”
نهى (بتمتمة وضيق):
“ماشي يا تيتة.. أنا مستغربة بس.”
بصت نهى لريم بنظرة كلها كره وغيرة، وطلعت السلم تاني بسرعة.
ريم حست بإحراج وضيق، بس الجدة طمنتها بلمسة حنان على إيدها:
“متاخديش في بالك يا حبيبتي.. نهى طبعها كدة، بس قلبها طيب.”
ساجد (بص لريم):
“يلا يا ريم..
أنا كلمت الخدم يجهزولك أوضة اطلعي ارتاحي دلوقتي، وبكرة نتكلم في كل حاجة.”
الجدة (لهاني):
“يا هاني، وصل ريم هانم لأوضتها.. الأوضة على بتطل على الجنينة اللي ورا اللي في الدور التاني.”
ريم شكرت الجدة وطلعت مع ساجد وهاني السلم. ساجد كان ماشي جنبها، وكان حاسس بتوترها وخوفها من نهى ومن فخامة القصر.
وصلوا الأوضة الملكية. هاني فتح الباب ورجع. الأوضة كانت عبارة عن جناح كامل، فيها سرير ضخم “فور بوستر”، وركن صالون فخم، وتراس بيطل على الحدائق.
ريم دخلت الأوضة وهي لسه مبهورة، وقفت في نص الأوضة وبصت لساجد اللي كان واقف قدام الباب بيبص لها بهدوء.
ريم (بصوت مرتعش وخافت):
“ساجد.. أنا بجد مش عارفة أقولك إيه. أنت أنقذت حياتي، وجبتني بيتك، وعملت كل ده وأنت متعرفنيش.. أنت مين بجد؟”
ساجد (ملامحه الباردة بدأت تدوب، وظهرت فيها حنية وغرام غريب):
قرب منها بخطوات بطيئة وواثقة، لحد ما بقى واقف قدامها بظبط. رفع إيده وبلمسة رقيقة جداً ودافية، لمس خدها الناعم بأطراف صوابعه.
ساجد (وهو بيبص لعينين ريم المصدومة والمبهورة، وصوته بقى همس رجولي ودوب قلبها):
” قبل ما اعرفك كنت رجل الأعمال ساجد السيوفي. لكن بعد ما عرفتك بقيت ملاكك الحارس.”حكايات نورهان العشري دخلت ريم المطبخ الشاسع كانت تبحث عن كوب من الماء، لكنها تجمدت مكانها عندما وجدت “نهى” واقفة، تستند بظهرها إلى الرخام الأسود الفخم، وتمسك بكوب من القهوة، وعيناها تشتعلان بنظرات كأنها نصال حادة. ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت خطوات ريم المرتبكة. نهى لم تنتظر، بل وضعت كوبها بعنـ ـف على الرخام وقالت بصوت يقطر سماً:
ـ إنتي أيه حكايتك بقى ؟ ريم بريبة:
ـ حكاية أيه اللي تقصديها نهى بغيظ :
ـ لا الحكاية الأولى بتاعت هروبك من فرحك و أبوكي اللي مرمي في المستشفى بسببك و خطيبك اللي ساجد ضـ ـربه دي عرفتها خلاص بتكلم حكايتك مع ساجد.