روايات

فارس بلا مأوى بقلم ولاء رفعت الجزء الثامن

هنا نظر إليها و عقد ما بين حاجبيه بضيق، فأردفت الأخري:
– أنت فكرك إنها هاترجع لك زينب اللي تعرفها. أطلقت ضحكة ساخرة:
– بالعكس هاترجع لك واحدة مكسورة و مهما لميت اللي مكسور منها هاتنجرح معاها و عمرك ما هتتهني علي لحظة حلوة مع بعض، و ده هيبقي ذنبي، لأني عمري ما هسامحك لحد ما أمــ . ــوت.

لاحظت قبـ . ــضة كلتا يديه علي الفراش، يبدو إنه يكافح في كظم غضــ . ــبه، فـ كلماتها أصابت هدفها تماماً.
و نظرته القاتمة التي يرمقها بها تواً جعلتها تكتفي بما أخبرته به، لاسيما عند.ما تحدثت عن زينب، و هذا يزيدها حزناً. أستعادت رباطة جأشها قبل أن تلقي عليه طلبها الأخير:
– طلقني. أزدردت ريقها و في إنتظار إجابته، لم يتردد في تلبية طلبها و التفوه بأصعب كلمة تلقي علي مسامع حواء:
– أنتِ طالق.

و علي غير المتوقع أطلقت زغرودة، نهض والدها و أقترب منها يمسك بيدها فهو يدرك حالتها النفسية الآن، يعلم إن خلف تلك الزغرودة صرخة و كأنه يسمعها، و خلف إبتسامتها ألف د.معة تريد التحرر و الإنسدال علي خديها. تأهب لمغادرة المكان و قبل أن يفعل ذلك برفقة إبنته وجدا الباب يُفتح و دخلت كلا من زينب و سمية التي تلقي تحية السلام بتهليل:
– السلام عليـ…. صمتت و تنظر إلي نعمان و إبنته التي أخذت تتمعن النظر في ملامح زينب من خلف نظارتها الشمسية ثم جالت ببصرها إلي فارس و الذي كان كالميت و عادت الروح إليه بمجرد رؤية حبيبته.

– يلا يا بنتي.
قالها والدها و يربت عليها بحنان، ذهبت و ذهب كل شئ، سارت في صمت يخفي آهات من ألم روحها، و ما أن وصلت إلي السيارة ألتفت إلي والدها و أرتمت علي صدره، أخذت تبكي بقوة و قهرة قلب قد أحترق. ربت نعمان عليها:
– ربنا يريح قلبك و يرزقك باللي يستاهلك يا بنتي. ردت من بين شهقات بكائها:
– عمري ما حبيت و لا هاحب غيره.

عانقها والدها و يتماسك بقوة من أجلها:
– شهد بنتي اللي أعرفها أقوي من كده،أنتِ فعلاً زي ما قولتي له كتير عليه، أنتِ غالية أوي و اللي زيه ما يعرفش قيمتك، هو اللي خسران، و بكرة هتقابلي اللي يناسيكِ كل ده و تعيشي معاه أجمل سنين عمرك.
※ــــــــــــــــــــــــ※ لنعود إلي فارس و زينب، حيث تنظر إليه غير مصدقة و هذا بسبب ما مر كليهما به طوال الشهور التي مضت. – حمدالله علي سلامتك يا باشمهندس، كيفك دلوق؟
سألته سمية، فأجاب مبتسماً ليواري توتره الذي يشعر به حيال زينب:
– الله يسلمك، أني مليح الحمدلله.

– شكلك ما خابرش أني مين، إسمي سمية چارتك من النچع أبوي يبقي الحاچ عبدالحق كان بيشتغل حداكم في أراضي العمدة والدك الحاچ قاسم القناوي الله يرحمه. عقب بترحيب:
– أهلاً و سهلاً. نظرت إلي صديقتها وجدتها تلتزم الصمت، فـ قالت:
– بجولك يا زينب أني هخرچ أشوف صلاح راح فين أحسن ليكون بيتشقط و أني جاعدة وياكم كيف العزول و لا ليا عزا، هابجي أستناكِ في الأوضة اللي كنا فيها. لم تجد رداً أو نظرة من صديقتها الشاردة، أبتسمت و قالت:
– بقي إكده!، ماشي يا ستي مين لقي أحبابه نسي و باع أصحابه، بالإذن.

و بعد أن غادرت، ظلت زينب تقف في مكانها تنظر إلي فارس الذي يتجنب النظر إليها،تخلت عن صمتها و سألته:
– ما رايدش تشوفني و لا إيه يا ولد عمي؟ نظر إليها دون تمعن و أجاب:
– لاء طبعاً، كل الحكاية أني ما جدرش أبص في عينك. – بسبب اللي حوصل و لا بسبب حاچة تانية؟

– أني مستحي من حالي، المفروض أول ما چت لي الفرصة و هربت كنت أول حاچة أعملها أروح لك أو أدور عليكِ، خوفت من اللحظة اللي كيف ما قابلتك في النادي، بس لو كنت خابر بالشيـ . ـطان اللي متچوزك، كنت خلصتك منه بأي طريقة.

أطبقت شفتيها لتكبت عبراتها عند.ما تذكرت اللحظات السوداء الماضية فقالت:
– كل واحد فينا مشي في طريق أتفرض عليه، سواء أني و لا أنت،يعلم ربنا رغم كل اللي مريت بيه مهما كان صعب كنت أنت الأمل بالنسبة ليا، ما أنكرش أوجات كتير چت عليا يأست فيها و أستسلمت لكن روحك اللي مكنتش بتفارقني و لا لحظة كانت بتشچعني و تجولي أتحملي يا زينب، خلاص هانت عشان توصلي للچنة لازم تعافري بكل قوتك، مفيش حاچة ملهاش تمن، و التمن دفعته غالي جوي، لكن كله يهون لأچل اللحظة دي.

أبتسمت و أردفت تخبره بسعادة يتخللها عبرات الفرح:
– خابر أني خلاص خليت المحامي هيرفع لي دعوة طلاق، و هابجي حرة. رفع عينيه أخيراً لينظر إلي خاصتها عن كثب، ظل يرمقها بتأمل و عشق يفيض من رماديتيه كالسماء الملبدة بالغيوم تحجب خلفها نور الشمس ذات البريق الساطع:
– كان نفسي تكوني حرة في اللحظة دي، كنت أترميت في حــ . ــضنك دلوق، بس أوعدك أول ما تخلص شهور العدة هاكتب كتابي عليكِ، و قبل ما ده يوحصل هاخد لك حقك عن كل لحظة ألم عيشتيها.

– أني ماريداش حاچة في الدنيا غيرك، بالله عليك لأچل خاطري، إياك تسوي حاچة تودي روحك في داهية. أمسك بيدها و ربت عليها بيده الأخري قائلاً:
– ما تقلقيش، أني خابر اللي هسويه زين، كل اللي بطلبه منك تاخدي بالك من حالك، خليكِ مع سمية شكلها بت حلال جوي، لحد ما اخلص شوية إچراءات و هاخدك و نرچعو علي البلد.

رمقته بفرحة لم تعهدها منذ زمن، تغمرها سعادة لقاء حبيبها بعد فراق مستحيل، لعل هذا سوف يبدد مخاوفها التي ما زالت تلزمها من حين لآخر، لا تعلم أن ما تنكره يُخزن داخل عقلها الباطن و يكون كالبركان الذي يحسبه الجميع خامد و هو غرار ذلك.
※ــــــــــــــــــــــــــــــــــ※
تتمدد علي أريكة جلدية داخل غرفة خاصة بمفردها بعد.ما أوصي أكرم الضابط عليها ريثما يتم ترحيلها إلي النيابة.
كانت في حالة عزلة عن الواقع تبكي تارة و تضحك تارة، تتخيل من حين لأخر أن أكرم عاد إليها فـ تكتشف إنه مجرد حلم يقظة ليس أكثر.

طرق علي الباب يليه صوت الضابط:
– مدام ندي،في زيارة لحضرتك؟ نهضت من علي الأريكة و وقفت قلبها يخفق، تظن إنه أكرم و سوف يتراجع في قرار إيداعها في مشفي لعلاج الأمراض النفسية و ربما سيجعلهم يطلقون سراحها. – خليه يتفضل. فُتح الباب و دخل أخر شخص تود رؤيته في تلك اللحظة، شهقت بخوف و تراجعت عدة خطوات إلي الوراء. – إيه خايفة لأكون جاي أخلص منك زي ما حاولتي تخلصي من مراتي و إبني اللي لسه ملحقش يشوف النور يتقــ . ـــتل بسببك!

وضعت كفها علي فمها و أجهشت في البكاء، تهز رأسها برفض:
– ما أقــ . ـــتلتهاش، ما أقــ . ـــتلتهاش. رمقها بإزدراء و قال بتهكم:
– أنتِ فعلاً ما قــ . ـــتلتهاش و لا ضحكتي علي حد و أستغليتيه أسوأ إستغلال و لا خنتي، ده أنتِ إبليس يتعلم منك. ظلت تقرر ما تقوله سابقاً فضــ . ـرب بقبـ . ــضته علي الحائط و صاح بها:
– أسكتِ مش عايز أسمع صوتك، فاكرة حبة الجنان اللي عماله تعمليهم دول هيدخلوا عليا و أصدقك!

إبتسم بتهكم و قال:
-ده كان زمان يا مدام ندي، علي الحسيني بتاع زمان مات و أندفــ . ــن و أندفــ . ــنت كل ذكرياته معاه، اللي واقف قدامك ده واحد تاني، واحد لقي واحدة غيرت له حياته ٣٦٠ درجة للأحسن، و مش هاسمح لك تيجي بعد كل ده تد.مري لي حياتي زي زمان!
أنا مش هارحمك، و لو مروة سامحت في حقها أنا مش هاسامح و لا هتنازل عن القضـ ـية، خليكِ دوقي طعم الوحدة و الخسارة، إنسانة طماعة و مغرورة و كدابة و خاينة زيك لازم تاخد جزائها و تخسر كل حاجة.

أقتربت منه بـ حذر و توجس قائلة:
– أنا مكنش قصدي أأذيها، بس لما جيت لك الشركة عشان أشوفك و أقولك إن أنا خلاص أتطلقت و ممكن نرجع لبعض، لاقيتها جت و دخلت لك و سمعتكم و شوفتك و أنت حاضنها و بتحبها و نسيتني أنا، قادت جوايا نــ ــار الغيرة مقدرتش أستحمل، ما حستش بنفسي غير و أنا بخبطها بالعربية، عشان خرب بيتي و خدتك مني. حدقها بصد.مة جلية تنضح من عينيه، و هنا قام عقله بتحذيره و أعاد علي ذاكرته ما فعلته به و جعلته آسير لهوسه بها لسنوات حتي جاءت زوجته و أنقذته من براثن عشقٍ وهمي.

و بنظرة نــ ــارية قـ,ـاتلة رمقها و أقترب منها ليخبرها بوعيد:
– ده أنتِ لو أخر ست في العالم عمري ما هابقي ليكِ تاني، و أقسم بالله زي ما خليتك تعيشي أجمل أيام حياتك زمان، لأخليكِ تعيشي في كابــ . ــوس مش هاتصحي منه أبداً، و علي حسب ما سمعت جوزك أتوسط لك و هيخليهم يرحلوكِ علي مستشفي للأمراض النفسية. أتسعت إبتسامته و أردف:
– بالمناسبة أنا قعدت فيها أتعالج لمدة سنتين، شوفي بقي يا سبحان الله هاتدوقي من نفس الكاس و علي إيد جوزك اللي فضلتيه عليا، أتمني ليكِ إقامة تعيسة.

قالها مبتسماً مما أثار جنونها، فقامت بمهاجمته و تصرخ بكلمات غير مفهومة، دلف الضابط و العساكر، استطاعوا إبعادها عنه بصعوبة.
بينما علي وخز قلبه شعور بالند.م و الشفقة عليها، و قبل أن يستسلم لشعور خامد ربما ينشط، رحل علي الفور من الغرفة بل و القسم كله، و مجرد أن ولج إلي داخل سيارته أخذ يضــ . ـرب المقود بيده و بقوة، فـ نيران الإنتقام قبل أن تحــر . ــق من أسائوا إليك تصيبك أنت مثلهم ربما أكثر.

يتبع
#الفصل_الأخير
#الجزء_الثالث
#فارس_بلا_مأوي
#بقلم_ولاء_رفعت_علي جاء اليوم المنشود داخل قاعة المحكمة تجلس كلا من زينب و سمية علي مقاعد جلوس الحاضرين، و في المقاعد الموازية يجلس أكرم و العم جابر و جواره الخالة هنادي حيث جاءت برفقة زوجها لحضور جلسة الحكم و رؤية فارس الذي تربي و كبر علي يديها، فهي في مثابة والدته. يقف فارس خلف القضبان في إنتظار حكم القاضي و جواره جنيدي الذي قرر تسليم نفسه، و كان القاضي و المستشارين يطلعون علي المذكرة من خلال الملف المقد.م إليهم، بينما  المحامي الذي كلفه صلاح بتلك القضـ ـية يقف أمام المنصة.

صدح صوت القاضي الرخيم:
– بعد الإطلاع و المداولة في القضـ ـية رقم ٩٨١ جنايات، لقد حكمت المحكمة علي كلا من جنيدي عبدالجليل محسب بالسجــ . ــن لمدة عامين مع التنفيذ،  و فارس قاسم القناوي بالسجــ . ــن لمدة ٦ شهور مع إيقاف التنفيذ رُفعت الجلسة. عانق جنيدي فارس مُهللاً:
– ألف مبروك يا صاحبي، فرحان لك جوي جوي، كأني أني اللي خارچ. ربت الأخر علي كتفه و قال:
– أتچدعن أنت و خلص مدة عقوبتك علي خير، و أني مش ههملك واصل.

– تسلم يا أبو الفوارس. صاح بهما الحارس:
– يلا منك ليه أنتم هاترغوا. أقتربت زينب من القضبان تنادي و السعادة تنضح من ذهبيتيها :
– ألف مبروك يا فارس. و قبل أن يذهب مع الحارس ألتفت إليها و قال:
– مبروك علينا أنا و أنتِ، عقبال لما تبجي حرة. ظل كليهما ينظر إلي الأخر بسعادة تغمر أفئدتهم النابضة بالغرام و العشق الذي تحدي كل الظروف حتي يحدث هذا اللقاء. – يلا يا عم الحبيب مش وقتك.
صاح بها الحارس و جذب فارس من ذراعه، ذهبت زينب إلي المحامي و سألته بخوف و قلق:
– هم واخدينه علي فين إكده؟

أجاب الأخر:
– ما تقلقيش يا مدام زينب، دي مجرد إجراءات روتينية و هايروح علي طول. عقبت سمية لتطمئنها:
– ما تخافيش يا زوزو،كلها مسألة وجت و هتلاجيه قدامك، يا سلام علي الحب و سنينه بكرة تتچوزوا و هاتقعدوا في خلقة بعض لحد ما تزهجوا. أجابت الأخري بنبرة مليئة بالشوق و التيم:
– عمري ما أزهق طول و أني وياه. و بالخارج بعد مرور وقت ليس بكثير، خرج فارس ليجد في إستقباله العم جابر الذي فتح له ذراعيه:
– حمدالله على السلامة يا ولد الغاليين.

أرتمي الأخر علي صدره و عانقه بقوة:
– أتوحشتك جوي يا عم چابر. – أخص عليك يا فارس يا ولدي، كل دي ما تسألش علي خالتك هنادي!
قالتها الخالة فذهب إليها و بسعادة و لهفة عانقها كالطفل الذي عاد إلي والدته بعد.ما ضل طريقه. – حقك عليا يا خالة، ربنا يعلم كنت ديماً علي بالي، لكن كيف ما أنتِ خابرة ظروفي كانت واعرة جوي، و الحمدلله دلوق بقت زينة بوچودكم چاري، أنتم أهلي و ناسي اللي ربنا عوضني بيهم بعد مــ . ــوت أمي و أبوي الله يرحمهم.

ربت عليه جابر قائلاً:
– ربنا يرحمهم، البركة فيك يا ولدي، حكم و أنت واجف قدامي حاسس كإني شايف قاسم بيه الله يرحمه. – أتوحشته جوي و نفسي أزوره، مالحجتش أحزن عليه، منه لله اللي كان السبب. ربتت الخالة علي كتفه:
– ده كان إبتلاء يا ولدي و الحمدلله عدي علي خير. تدخل صوت آخر جاء صاحبه للتو:
– المرة دي عدي علي خير بفضل ربنا، لو أتكررت مرة تانية مش هارحمك وقتها. ألتفت فارس إليه و انفرجت شفتيه بإبتسامة عارمة قائلاً بمزاح:
– حرمت يا حضرة النقيب، أول و أخر مرة.

ضحك الجميع، صافحه أكرم و عانقه:
– كفارة يا باشمهندس. – الله يسلمك و يبارك لك، أني متشكر جوي علي إنقاذك لينا، لولاك كان زمانكم عتقرأوا عليا الفاتحة. أبتسم أكرم و أخبره:
– ده أنا اللي بشكرك و بشكر بالذات مدام زينب اللي بسببها قدرت أوقع سليم العقبي و كل اللي معاه، إنجاز كبير كنا شاغلين عليه بقاله سنين و بالخد.مة اللي قد.متها مدام زينب قدرنا نوصل لتشكيل عصابي كبير من رجال الأعمال بيتاجروا في كل البلاوي اللي تتخيلوها.

أجابت زينب بإمتنان:
– العفو يا حضرة النقيب، أنا و الله لو كان بيدي حاچة أكتر كنت قد.متها ليكم، اللي زي سليم و غيره كيف مرض السـ ـرطان لازم تحاربه بكل قوة و عزيمة لحد ما تقضي عليه، أني اللي بشكرك جوي إنك چيت في اللحظة المناسبة، لولا تدخلك مكنتش خابر هيحصل إي في فارس، أني شوفت حاچات علي يد ولد العقبي المــ . ــوت أهون منها بكتير.

قالت تلك الكلمات و الحزن ينبلج من عينيها ليخيم علي الجميع، ربتت عليها الخالة هنادي لتخفف عنها هذا و لأنها رأت نظرة ألم في عيون فارس،فأرادت أن تبدل حالتهما من الحزن إلي الفرح:
– إنسي يا بتي و بإذن الله ربنا هايعوضك عن كل اللي فات بالأحسن، و الأحسن چارك أهو شاب أسمر و حليوة و عيونه ملونة، مستعد يچيب لك نچمة من السما، بيعشقك و يمــ . ــوت فيكِ حتي دفاتر الرسم اللي حداه و مخبيها في السندرة تشهد علي إكده.

تنحنح فارس و رمق الخالة بأن تصمت عن هذا الأمر، عقبت سمية التي لم تسمح لهذا الموقف أن يمر أمامها كمرور الكرام فقالت:
– كأنك مكسوف يا باشمهندس، لاء إكده وحشه في حقك، و علي رأي المثل اللي يتكسف من بت عمه ما يچيبش منها عيال. ضحك جميعهم، و قال العم جابر مشيراً إليهم نحو ساعة يده:
– خدنا الحديت و ضحكنا و ربنا يكتر من أفراحنا، بس الساعة خمسة المغرب و أخر قطر هيعدي علي قنا هيطلع بعد نص ساعة.

تبادل الجميع مصافحة ما قبل الوداع، عانقت سمية زينب قائلة:
– خدي بالك من حالك. فتحت حقيبتها و أخرجت منها علبة هاتف جديد و أعطتها لها:
– خدي المحمول دي خليه معاكِ، فيه خط خليت صلاح يسچله بإسمك، هابقي أطمن عليكِ كل شوية. عانقتها الأخري بقوة:
– ربنا يخليكِ ليا يا صاحبتي، معرفاش أودي چمايلك فين. رمقتها سمية بإمتعاض و بتحذير أخبرتها:
– إياكِ تجولي إكده تاني، مش أنتِ بتعتبريني كيف خايتك؟ أومأت لها زينب و عقبت :
– و أكتر كمان ربنا يعلم.

– و مفيش چمايل ما بين الأخوات. و لدي فارس و اكرم الذي ربت عليه بقوة:
– خد بالك من نفسك و أبقي طمني عليك، و بإذن الله أول أجازة ليا هاجي لك. – ده النچع حدانا هينور بيك، أني علي أي حال معاود علي أهنه بعد يومين، چاي لك في خد.مة بس هجولك عليها لما أچي لك بإذن الله.

أومأ له الأخر و أخبره بترحاب:
– أنا تحت أمرك في أي وقت، مع السلامة يا باشمهندس.
※ــــــــــــــــــــــــــــ※
صدح رنين التنبيه داخل محطة مصر للسكك الحديدية و يليه صوت الموظف يقول:
– علي جميع المسافرين التوجه إلي القطار المتجه لمدينة أسوان المنتظر علي الرصيف رقم ٤. و بداخل القطار يجلس العم جابر و الخالة هنادي جوار بعضهما و في المقابل يجلس كلا من فارس و زينب حيث الأخري، تجلس جوار النافذة، مال برأسه بالقرب من أذنها:
– خابرة ميتي أخر مرة ركبت فيها القطر؟

أخذت تتذكر حتي أعادت عليها الذاكرة بمشهد من الماضي فقالت له:
– لما چيت معاي نستلمو شهادة التخرج، و بعدها طلبت منك نروحو الملاهي. إبتسم بمكر و أكمل حديثها:
– أيوه و دخلنا بيت الرعب و كنتِ خايفة جوي، و جعدتِ مكلـ. .بشة في حــ . ــضني كيف العيلة الصغيرة، أهو خابرة الحــ . ــضن ده رايده منك أول ما نكتبو كتابنا، و لا أجولك هخليه كتب كتاب و فرح.

و عند ذكره لكلمة فرح داهمتها الذاكرة بذكري ليلة زفافها أو كما تسميها ليلة ذ. ب . حها، لاحظ فارس رجفة جسدها و كأنها تنتفض، سألها بخوف و قلق:
– مالك يا زينب، بتترعشي ليه إكده؟ ضمت ذراعيها و كأنها تحتضن جسدها، أجابت:
– مفيش حاچة. أنتبهت إليها الخالة و سألتها لتطمئن علي حالها:
– بردانة إياك!، أجفلك الشباك؟ لم تنتبه زينب إلي حديث الخالة و ربما لم تسمعها و هذا بسبب ما تراه داخل عقلها، أصبحت آسيرة في براثن الذكريات السوداء،
تحرك لسانها بصوت خافت:
– مفيش،مفيش.

نهضت و مالت نحوها تسألها:
– الحمام منين؟ نهضت الخالة و أمسكت يدها قائلة:
– تعالي يا بتي أنا هوديكِ. ذهبت مع الخالة إلي المرحاض، انتظرتها الخالة في الخارج ريثما تنتهي، بينما الأخري بعد أن دلفت فتحت صنبور المياه و أخذت تغترف المياه المنهمرة بكفيها و تلقيها علي وجهها و تهمس داخل عقلها:
– إهدي يا زينب، مفيش حاچة. رفعت وجهها لتنظر إلي صورتها في المرآة و رأت الرعب في حد ذاته يقف خلفها، يحاوط عنقها بساعده و يرمقها بنظرة سوداء قـ,ـاتلة:
– مش قولت لك مفيش قوة في الدنيا تقدر تبعدك عني،أنتِ ملكي أنا و بس!

يرتجف جسدها و قطرات العرق تزداد علي جبينها، يبدو علي ملامحها الخوف و الفزع الشديد، تردد كلمات تكاد تصل إلي مسمع فارس الذي داهمته حالة من القلق و الخوف عليها:
– لاء، هملني، بعد عني، أني بكرهك. أخذ يربت علي يدها لعلها تستيقظ:
– زينب، زينب فوقي. أخرجت الخالة من حقيبتها محرمة ورقية و نهضت قائلة:
– يا جلب أمها شكلها عتحلم بكابــ . ــوس. قامت بتجفيف جبينها، ثم أمسكت بزجاجة مياة معدنية و سكبت منها القليل في يدها و قامت بنثرها علي وجهها.

شهقت كالعائد من المــ . ــوت، بوجه شاحب تتلفت يميناً و يساراً و من حولها لتتأكد إنه مجرد كابــ . ــوس عابر أو ربما قد تكون هلاوس! – خدي يا بتي أشربي و أستعيذي بالله من الشيـ . ـطان الرچيم.
أخذت الزجاجة و تجرعت الماء بنهم، حيث كانت تشعر بالظمآ الشديد و رددت ما قالته لها الخالة ثم نظرت بجوارها فوجدت فارس يرمقها بقلق و يمسك بكفها بين يديه:
– ما تخافيش أني چارك، أنتِ مليحة؟

أومأت له و سرعان تجمعت الد.موع داخل ذهبيتيها لذا لم تنظر إليه مباشرة و تصنعت تجفيف وجهها من الماء، أجابت بإقتضاب:
– الحمدلله. مال إليها و همس بسؤال و قلبه غير مطمئن بتاتاً بسبب ما تراه عيناه من حالة يرثي لها:
– زينب، لو مجدراش تسافري ممكن ننزل المحطة الچاية و نرچعوا، شكلك تعبان جوي، اللي مرينا بيه مش هين و لازم نتابع مع دكتور نفسي، خصوصاً أنتِ.

لم يكن لديها رغبة للتحدث في أي أمر و ربما تريد الهرب من تذكر ذلك الكابــ . ــوس، و آخر ما ينقصها تردد صوت سليم عند.ما كان يتوعدها إنها لم تستطع التخلص منه علي الإطلاق، سوف يكون مثل ظلها حتي عند.ما تنام، سيأتي لها في أحلك كوابيس قد رأتها منذ ولادتها!

– بزيداك بجي معوزاش حاچة.
صرخت بتلك الكلمات مما جعلت كلا من فارس و الخالة هنادي و العم جابر يرمقونها بحزن و شفقة علي حالها البائس.
أخرج العم جابر من جيب سترته مصحف صغير:
– خدي يا بتي أمسكي المصحف و أقرأي فيه، ده حديت ربنا كله شفاء بيريح النفس و يبث فيها السـ . ــكينة و إلا بذكر الله تطمئن القلوب.

انت في الصفحة 9 من 11 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى