هزت رأسها بالرفض، تردد بإنكار:
– لاء محصلش، محصلش. أنزل ساقه و أقترب منها يرمقها بنظرة شديدة الإزدراء:
– زي ما أنتِ، لسه كدابة و عمرك ما هاتتغيري، و أحب أقولك إن كاميرات الشركة جوه و بره جايباكِ من أول ما وقفتي بالعربية قدام الشركة و لما دخلتي عشان رايحة مخصوص لعلي، و مجية مروة قطعت لك الأمل الوحيد، تحبي أقولك إن عارف تحركاتك من أول ما بتتحركي من باب شقتكم!، و أوعي تفتكري إن مراقبتي ليكِ عشان لسه عاشق سواد عيونك، إطلاقاً عشان فيه أمانة سايبها معاكِ و هي بنتنا اللي للأسف تبقي أنتِ أمها.
أخذت تمسح عبراتها بعشوائية و بتحدي و إصرار تخبره لما تظن إنه ينكره:
– أنت اللي بطل تنكر، أنا عارفه و متأكدة أنك بتحبني، بدليل وجودك هنا قدامي، جاي عشان تخليهم يخرجوني.
– تصدقي أنتِ صعبانة عليا أوي، غرورك وصل لمرحلة الهلـ ـوسة يا خسارة يا ندي، هريحك و أقولك أنا جيت ليه.
خالج الحزن ملامحه و هو يخبرها بعد.ما أنحني بجذعه قليلاً إلي الأمام:
– أنا جيت عشان خاطر ما أكسرش قلب والدك اللي بعتبره في مقام والدي الله يرحمه، عشان خاطر بنتي اللي ملهاش ذنب تتعاير بإن أمها رد سجون بتهمة محاولة قــ . ـــتل، عشان أقفل أي مجال للصحافة و أي حد يدور ورا دوافعك للجــ. .
ـريمة و يعرف السبب الحقيقي و هاتبقي وصمة عار تانية لبنتنا و أهلك، برغم اللي عملتيه فيا لكن أنا إبن أصول و ما بتهنش عليا العِشرة. صمت و ينتظر ردها و الذي كان مفاجأة إليه، بدأت تضحك ثم تعالت ضحكاتها رويداً رويداً، تقول من بينها:
– أنت بتحبني يا أكرم، و هو كمان بيحبني، هو هيتنازل عن المحضر بالتأكيد، أيوه أنا عارفة. توقفت عن الضحك و بدأت تهذي:
– أنت هتخليهم يطلعوني و نرجع لبعض و ننسي كل حاجة و نعيش في تبات و نبات.
تمزق فؤاده علي الحالة التي وصلت إليها، لم يكن يريد يوماً أن يصل الأمر بينهما هكذا و كان يتمني تغييرها إلي الأفضل لعله يعطيها فرصة أخيرة، لكن ما أقترفته في الصباح جعله بدلاً من أن يتقد.م خطوة للأمام يتراجع أميال إلي الوراء. – ندي أنتبهِ و إسمعيني كويس، أنا كل اللي أقدر أعمله هاخليهم يحولوكي علي مستشفي لعلاج الأمراض النفسية.
نهضت و وقفت ترمقه بصد.مة تحولت إلي نظرة نــ ــارية ضارية و صاحت بغضــ . ــب :
– للدرجدي عايز تنتقم مني!، عايز تطلعني مجــ . ــنونة!، أنت كمان طلعت زيك زي مروة.
– وطي صوتك و إهدي و إسمعيني، أنا عايز مصلحتك… أجفلته بالقبـ . ــض علي تلابيبه و أخذت تعنــ . ــفه بجنون:
– ده أنا قبل ما تعملها هاخلص منك، كلكم ما تستحقوش تعيشوا، كلكم لازم تمــ . ــوتوا و أنت أولهم، سامع أنت أولهم.
وجهت له عدة ضــ . ـربات في صدره و تصرخ:
– أنا مش مجــ . ــنونة، أنا مش مجــ . ــنونة.
جذب رأسها إلي صدره و عانقها بقوة، يربت علي ظهرها و يغمض عينيه كمحاولة لعد.م الإستسلام إلي البكاء، فهو آلامه أضعافاً عن ما تشعر به هي، لكن لا مفر من النهاية التي خطت كلماتها بيدها!
※ــــــــــــــــــــــــــــــــــ※
صف سيارته أمام البناء ثم أطلق زفرة يخرج بها عناء يوم شاق، منذ أن أبلغه إحدي رجال صديقه ما حدث في الهنجر و ترتب عليه إصابة سليم بطلق نــ ــاري، و تم القبـ . ــض عليه و إيداعه في المشفي تحت حراسة مشددة، و بعد ما حدث من محاولة الإغتيال و الرسالة الواردة إليه جعلته في حالة قلق و خوف من ما هو قاد.م.
ولج إلي داخل البناء و أستقل المصعد، و بعد.ما وصل إلي شقته و دلف إليها لم يقابله سوي السكون.
– سمية، سمية. نادي و لم يلق رد، أخذ يبحث عنها في الغرف و كذلك في المطبخ، قام علي الفور بالإتصال بها، ظل ينتظر حتي أنتهي الرنين، زفر بضيق لأنه قبل أن يغادر أمرها بأن تلتزم المكوث في المنزل ريثما يعود، لكنها لم تكترث لأمره و ذهبت لتطمئن علي صديقتها.
جلس علي الأريكة و يحاول تكرار الإتصال عدة مرات و لا إجابة، زمجر و ألقي بالهاتف علي الطاولة أمامه ثم عاد بظهره إلي الوراء، إنتبهت مسامعه إلي صوت فتح باب الشقة فكانت هي من فتحت و دخلت، رمقته بلا مبالاه و كأنه لا وجود له و تابعت سيرها إلي الغرفة. تركت حقيبتها أعلي طاولة الزينة و جلست علي الكرسي تخلع حجابها، شعرت به يقف خلفها، سألها بنبرة لأول مرة يحدثها بها:
– كنتِ فين و ما بترديش علي التليفون ليه؟
تخلع حذائها و نظرت إليه بزاوية، ترفع حاجبها بإمتعاض:
– كنت بطمن علي صاحبتي، كيف ما روحت تطمن علي صاحبك. عقد حاجبيه و الغضــ . ــب ينضح من زرقاويتيه:
– و ما بلغتنيش ليه قبلما تنزلي؟ أجابت ببرود قـ,ـاتل:
– مليش مزاچ. أقترب منها و قبـ . ــض علي ساعدها، و من بين أسنانه يعنــ . ــفها:
– هو إيه اللي ملكيش مزاج، ردي عليا عدل أحسن لك. كانت نظراتها لم تقل عن ردودها الباردة:
– عتهددني إياك، و لا ما تكونش ناوي تسوي فيا كيف ما سوي سليم في زينب!
ترك ذراعها و أبتعد قليلاً يحاول أن يهدأ من روعه، ألتفت إليها و قال:
– سمية، أنا ربنا يعلم اللي أنا فيه من الصبح و كم الضغط النفسي، فياريت تراعي ظروفي و تبطلي كلامك و أسلوبك المستفز ده معايا، زينب صاحبتك علي عيني و راسي، و هو كمان صاحبي و من واجبي أقف جمبه في محنته أي أن كان اللي عمله.
أطلقت ضحكة ساخرة ثارت دهشته:
– لتكون ناوي إياك تقف چاره و تدافع عنه بعد اللي سواه في زينب و فارس و أي حد ظلــ . ــمه و چار عليه من غير شفقة و لا رحمة!، تخيل لو كنت أني اللي أتأذيت علي يده كيف ما سوي فيا قبل إكده كنت هدافع عنه برضك!
زفر ما بين كفيه، لا يعلم كيف يخبرها فأردفت حديثها:
– بص يا ولد الناس، أنا أخر مرة عطيتك فرصة و جولت لك بَعد عن الشيـ . ـطان دي قبل ما نــ ــاره تطولك، و الحال كيف هو الحال و لا بعدت و لا حداك نية حتي تبعد، و چاي دلوق بعد كل البلاوي اللي سواها تقولي هتقف چاره و تدافع عنه، إكده ما تفرقش عنه حاچة واصل. أجاب بدفاع واهي:
– لاء طبعاً أنا مش زيه، أنا كل شغلي معاه ماسك له الشئون القانونية و أي قضـ ـية بخلصها له.
إبتسمت و تخبره بتهكم:
– أيوه ما أني خابره، يسوي المصيبة من أهنه و تقوم أنت مطلعه منها كيف الشعره من العچين، يعني عتدافع عن الظلــ . ــم و واحد ظالم، يبقي ما تفارقش حاچة عنه، عموماً أنت واعي و خابر زين عتسوي إيه، علي راحتك جوي. توجهت إلي الخزانة و فتحت الضلفة لتأخذ حقيبة كبيرة و ألقتها علي الفراش، و قبل أن تمد يدها إلي ثيابها أوقفها:
– أعقلي يا سمية، ما تبقيش أنتِ و الدنيا عليا، أنا محتاج لوجود جمبي.
رمقته بإمتعاض فوجدت يحدقها بتوسل، فقالت:
– و مين قالك أني مش محتاچة و چود چاري!، أني لما بقولك تبعد لأچل خايفة عليك من الطريق الواعر اللي ماشي فيه، و لو مكنش لأچل خاطري يبقي لخاطر ولدك. كانت تشير إلي بطنها حتي يدرك تلك المفاجأة، فسألها ليتأكد:
– هو اللي فهمته ده صح و لا إنا فاهم غلط؟
أجابت لتؤكد له:
– أيوه أني حبلي، يعني دلوق اللي ما بيني و بينك مش مچرد عقد چواز لاء، اللي ما بينا بقي روح بتكبر چوايا لحد ما يچي بالسلامة، هيبقي محتاچ لوچودك وياه، تعطيه حبك و حنانك، تعلمه الصوح من الغلط، و لا رايده يطلع يكمل مشوارك! نزل الخبر عليه كقطرة ماء تسقط من السماء في عز الظهيرة وسط صحراء قاحلة، شق الفرح ثغره و أقترب منها و عانقها و قبل مفترق خصلات شعرها، أغمض عينيه و أخذ يستنشق عطره، يخبرها بـ رجاء عاشق:
– خليكِ جمبي أوعي تبعدي عني، و أوعدك هاعمل اللي يريحك.
رفعت وجهها من صدره لتجد الحزن يتخلل ملامحه و في حالة ضعف لم تراه سوي معها هي فقط،جلست علي طرف الفراش لتخبره:
– اللي يريحني هي راحتك، و أني مش أشوفك ترمي حالك في النــ ــار و أني واقفة أتفرچ عليك، ده أني أرمي حالي في النــ ــار و أشيلك من چواها، أني مش بحبك يا صلاح، الحب كلمة قليلة جوي علي اللي چوايا، أني بعشقك.
في تلك اللحظة داهمه الشعور بالعجز تحت وطأة تلك الكلمات التي تخترق خلايا قلبه النابض بعشقها، جثي أمامها علي عقبيه و لم يشعر بعبراته التي تجمعت كالغيوم وسط السماء الزرقاء و هبطت كالمطر علي وجنتيه. وضعت يدها علي خده تتلمس د.معته لتتأكد من ما تراه، شهقت بصد.مة و شجن:
– عتبكي ليه؟ أجاب بكلمات تخرج من صميم قلبه لتخترق قلبها:
– المــ . ــوت أهون عليا من أنك تبعدي عني، أنا من غيرك يا سمية ممكن أمــ . ــوت.
جذبت رأسه إلي صدرها و عانقته بقوة، تمسد رأسه و بدأت أيضاً تبكي:
– بعد الشر عنك يا حبيبي، ربنا يبارك في عمرك و يبارك لي فيك، بالله عليك ما تقولش إكده تاني. لم يكف عن البكاء فـ لجأت إلي أسلوبها الفكاهي، أردفت:
– ألا جولي يا صلاح هي أم أربعة و أربعين مفيش أخبار عنها؟ توقف عن البكاء و أبتعد برأسه و نظر إليها بعد.م فهم، فأردفت:
– أنا جصدي علي الست صوفيا. – مش متابع، بس أخر حاجة أعرفها إنها اتجوزت من رجل أعمال أسباني عايش في فرنسا.
عقبت بتهكم:
-أحسن ريحت و أستريحت، ملهاش نصيب تشرب المُغات و فاتها طاچن العكاوي اللي سويته لها يوم ما سافرت. ضحك رغماً عنه و يعلم إنها تريده يبتسم، رمقها بنظرة حب و فرح قائلاً:
– أنا بحبك أوي يا سمية. – حاف إكده؟ رمقها بإستفهام:
– حاف إزاي؟ أنحنت للأمام قليلاً لتصبح عيناها صوب زرقاويتيه قائلة بالفرنسية:
je veux un bisou غر فاه فأردفت:
– ما تستغربش أني أتعلمتها من فيلم فرنساوي.
رمقها بإبتسامة حالمة فهي حقاً الوحيدة التي تثير دهشته و تغمره بسعادة لم يتذوقها سوي معها،تغدق عليه بحنانها الفياض و تحتضنه في أصعب اللحظات و تكون اليد الحانية التي تربت عليه،و السعادة التي تمليء قلبه في عز أحزانه، نهض و أنحني عليها فتراجعت بظهرها و تمددت علي الفراش، أقترب بشفتيه من خاصتها و قال:
et moi je te veux. ※ـــــــــــــــــــــــــــ※
قد مضي يومان علي وجود كلا من فارس و زينب داخل المشفي و ذلك تحت حراسة من الشرطة.
– ها يا مدام زينب، حاسة بإيه دلوقت؟
كان سؤال الطبيب و يدون بعض الملاحظات في الدفتر، أومأت إليه و قالت:
– الحمدلله. – يعني مش حاسة بصداع، تنميل في الأطراف؟ هزت رأسها بالنفي و أجابت بإقتضاب:
– لاء. عقب مبتسماً:
– حلو جداً، كده يا ستي أقدر أقولك حمدالله علي السلامة و تقدري تروحي في أي وقت، بس نصيحة لازم تتابعي مع دكتور للأمراض النفسية، عشان ما يحصلكيش إنتكاسة في أي وقت.
– ممكن أدخل و لا أعاود مطرح ما چيت!
ألتفت زينب إليها و أبتسمت، من دونها التي تستطع رسم البسمة و السعادة علي ثغرها، قال الطبيب:
– أتفضلي يا مدام سمية، صاحبتك بقت بخير الحمدلله و هاكتب لها تصريح علي الخروج. جلست سمية جوارها و ربتت علي يدها:
– حمدالله علي السلامة يا بت القناوي. إبتسمت لها زينب و أجابت:
– شكراً علي وقفتك معاي طول اليومين اللي فاتو. رمقتها الأخري بعتاب و قالت:
– أني إكدة أزعل منك جوي، مفيش بنتنا الحاچات دي، يا بت ده أنتِ خايتي اللي ما خلفتهاش أمي الله يرحمها.
نهض الطبيب و أخبرهما:
– عن أذنكم أنا بقي، هاروح أكتب التصريح و أبعته لكم. – أتفضل يا دكتور.
قالتها زينب ثم غادر الطبيب، رمقتها سمية بتوتر فقالت الأخري:
– مالك يا سمية، فيه حاچة و لا إيه؟ – بصراحة أنا خچلانة جوي، بس و الله صلاح طيب و إبن حلال عكس سخام البرك اللي اللهي ما يقوم من رقدته يارب. تنهدت زينب و أشارت إليها بيدها:
– رايد مني إيه، لا يكون رايد مني أتنازل عن اللي سواه فيا الباشا بتاعه إياك!
– أبداً و الله، بالعكس هو چاي و واقف بره رايد يطمن عليكِ و قالي كمان هيسوي لك اللي أنتِ ريداه. رفعت زواية فمه جانباً بسخـ ــرية و قالت:
– خليه يدخل يا سمية. أبتسمت الأخري رغماً أنها تعلم بأن صديقتها وافقت علي مضض، لكن ربما هناك بصيص من الأمل بأن تسامحه بعد.ما يقف بجوارها كما أخبرها من قبل.
فتحت الباب و أشارت إلي زوجها بالدخول، طرق الأخر الباب قبل أن يدخل ثم دلف، يحمل باقة زهور، و حينما رأته زينب شعرت بـ رجفة خوف يكفي إنه يذكرها به، أنتبهت إليه و هو يضع علي الكومود باقة الأزهار و قال :
– حمدالله علي سلامتك. – الله يسلمك.
ردت بإقتضاب و كانت تتحاشي النظر إليه مباشرة، بينما هو نظر إلي سمية و أشارت إليه بحركة من عينيها أن يبدأ بالحديث الذي جاء أن يخبر به زينب.
تنحنح ثم قال:
– أرجو أن حضرتك ما تكونيش شايلة مني أو وجودي ما يكونش مرغوب فيه، أقسم لك إن مكنتش أعرف علي اللي سليم بيه عمله معاكِ سواء أنتِ أو فارس، بس أوعدك هقف جمبك و أي طلب هاتطلبيه أنا تحت أمرك. هزت سمية رأسها بنعم كدلالة علي صدق ما قاله زوجها، فقالت زينب:
– أني كل اللي طلباه أهم من أي حاچة، تطلقني منه، تاني حاچة ياريت و أني خابره صعب عليك لأنك محامي سليم، رايده منك تقف چار فارس لحد ما ياخد براءة، و طلبي الأخير ياريت تهمل العدالة تاخد مچراها ويا الظالم.
كانت إجابته غرار توقعها، إبتسم و قال موافقاً:
– أعتبري كل اللي طلبتيه حصل، بس بالمناسبة أستاذ فارس يعتبر خد براءة، أخوكِ سلم نفسه بعد ما أعترف إنه اللي عمل فيه كده، كل الحكاية أول ما فارس يخرج من المستشفي هيسلم نفسه و مجرد إجراءات روتينية هايعملوها معاه و إحتمال كبير هياخد حكم بكام شهر عشان كان هربان. ضــ . ـرب الحزن قسمات وجهها فأردف:
– ما تقلقيش الأحكام دي بتبقي مع وقف التنفيذ، أنا هخلي واحد من أكفأ المحامين اللي عندي في المكتب هو اللي يمسك له القضـ ـية، أي خد.مة تانية؟
– شكراً.
صدح رنين هاتفه الوارد من مدير المشفي الأخر، نهض قائلاً:
– عن إذنكم، معايا مكالمة و راجع. خرج من الغرفة و أجاب علي الإتصال:
– ألو يا دكتور. أجاب الأخر بصوت يبدو عليه التعب و الإرهاق:
– أنا سليم مش الدكتور. – سليم!، حمدالله علي السلامة. حاول الأخر أن يعتدل في جلسته بصعوبة و قال من بين أسنانه بألم:
– زينب عامله إيه؟ صمت الأخر، يتردد أن يخبره بأي شىء فقال:
– أنساها يا سليم، أنت دلوقت في خطر كبير لو ما سلمتش من الحكومه مش هاتسلم من الجمـ ـاع ة إياها.
– لو قصدك علي محاولة قــ . ـــتلي اللي لسه حكي لي عليها الدكتور، شكله تبع نشأت عزام، خايف لأجيب سيرته بعد ما قبـ . ــضوا عليا. تلفت صلاح من حوله ليتأكد بخلو الرواق من حوله ليخبر الأخر بصوت خافت:
– أنا قبل ما أدخلك بلحظات قبل ما الواد يحط لك السم في المحلول جات لي رساله علي الجيميل غالباً من ريبيكا آد.م لأنها الوحيدة اللي مخلصة ليك باعته فيها بتقول، تحرك أيها الوزير لقد تم صدور الحُكم بالتخلص من الملك.
ساد الصمت و الأخر في صد.مة يحاول أن يستوعبها فقال:
– صدروا الأمر بتصفيتي عشان بقيت بالنسبة لهم كارت محروق. إبتسم بتهكم و أردف:
– خايفين أفضحهم بعد كل اللي قد.متوا ليهم علي طبق من دهب. تنهد صلاح و عقب علي حديثه:
– ياما قولت لك بلاش يا سليم تحط إيدك في إيد الجمـ ـاع ة دول، ملهمش أمان و سكتهم مش سكتك. – أنا ما روحتش لحد، هم اللي أختاروني و قد.مت لهم كتير في مقابل إن يفضل إسم العقبي محدش يتجرأ يجي جمبه.
– و أديهم أستغنوا عن خد.ماتك و بقيت علي القايمة السودة عندهم، تقدر تقولي دلوقت إيه اللي نقدر نعمله! أجاب الأخر بأمر محسوم:
– مفيش غير حل واحد، الهروب!
※ـــــــــــــــــــــــ※
توقف الحاج نعمان بسيارته أمام المشفي، أوقف المحرك و نظر إلي إبنته يسألها بسأم:
– لسه مُصرة تطلعي معايا و تشوفيه؟
رمقت والدها بـ بسمة زائفة، تظهرها علي وجهها تخبىء خلفها حزن مرير إذا رآه والدها سوف يعود بها من حيث جاء يكفيه ما قد عاشه معها من آلام نفسية منذ أيام، كان لأول مرة يراها في تلك الحالة، تصرخ و تبكي كالطفلة التي فقدت والديها، إنه ألم الشعور بالخذلان من كانت تدعوه يوماً بالحبيب و هذا بعد.ما أنقشعت من أمام بصرها غيمة الوهم الكاذب و جعلتها تصل لنهاية واحدة فقط!
– أطمن يا بابا أنا أقوي و أكبر من أن أضعف تاني قدام واحد زي ده، مجرد صفحة و قطعتها و رمتها ورا ضهري، أنا جيت مخصوص عشان أعرفه مين هي شهد بنت الحاج نعمان! و داخل إحدي غرف المشفي، كانت هناك إضاءة من مصباح صغير مُسلطة علي حدقته اليمني ثم أنتقلت صوب حدقته اليسري، ترك الطبيب المصباح و قال له:
– مد دراعك لقدام و التاني جمبه، و أقفل و أفتح صوابعك. فعل فارس ما أمره به الطبيب و رأي سهولة تحريك أنامله بـ حرية فقال:
– تمام، أرفع رجليك علي السرير و حطهم جمب بعض.
أمتثل لأمره، فقام الطبيب بمسك القلم و أخذ يحركه علي باطن قد.مه و بين أنامله، أنتفض الأخر دون إرادة بسبب شعور الدغدغة الذي يسري في قد.مه. – كده تمام أوي، الحمدلله الأعصاب مفيش أي حاجة، ممكن بس من وقت للتاني تصيبك زي لسعه خفيفة من أثر الصد.مة الكهربية اللي أتعرضت لها، و بالنسبة للجرح اللي في صدرك الممرضة هتغير لك عليه دلوقت، و مواظبتك علي الأكل الكويس و العلاج الغرز هتقفل بسرعة.
كان لم يشغل ذهنه سوي هي فقط يريد أن يذهب إليها ليطمئن عليها، رغماً من إنه في ذات الوقت لا يريد أن تراه و هذا بسبب عجزه و ضعفه عند.ما كان مُقيد و لم يستطع الدفاع عنها من بطش سليم. – هو أنا ينفع أخرچ النهاردة؟ أجاب الطبيب:
– الحمدلله حالتك أتحسنت، و هكتب لك علي تصريح الخروج بس طبعاً بعد ما أكرم بيه ما يجي. تذكر أمر تسليم نفسه إلي الشرطة، لكن ما يُطمئِن قلبه هو الخبر الذي علمه قبل إختطافه من رجال سليم و هو إعتراف رافع الذي أدي إلي إظهار براءته للعدالة.
دلفت الممرضة تحمل صينية بها أدوات طبية قائلة:
– دكتور، في راجل واقف بره بيقول إنه حماه أستاذ فارس. أنتبه فارس إلي أمر شهد و والدها و اللذان لم يأتيا في ذهنه علي الإطلاق، فهكذا العشق يجعلك تنسي مَنْ أنت و مَنْ حولك. رد الطبيب:
– ما ينفعـ…
قاطعه فارس و هو ينهض بجذعه و أعتدل قائلاً:
– لو سمحت يا دكتور ممكن تخليه يدخل. وافق الأخر علي مضض:
– طيب بس ياريت بسرعة عشان أنت عارف وضعك ما يسمحش.
أومأ له فارس:
– خابر يا دكتور، مُتشكر. – طيب هاغير لك علي الجرح دلوقت و لا أجي لك في وقت تاني؟
سألته الممرضة، فأجاب:
– خليها وجت تاني. غادر كلا من الطبيب و الممرضة، ملئ الأخر رئتيه بالهواء ثم أخرج أنفاسه بإنتظام لعله يهدأ قليلاً، فالمواجهة التي ستحدث ليست بالأمر الهين. طرق علي الباب، فقال:
– أتفضل يا حاچ. فتح الأخر الباب و دخل:
– السلام عليكم. حاول فارس أن ينهض ليقف فأشار له الحاج نعمان:
– خليك مستريح مكانك، أنا مش هطول عليك.
و جلس علي أقرب مقعد ثم أردف:
– ألف سلامة عليك. – الله يسلمك يا حاچ. تنحنح نعمان و يقبـ . ــض علي رأس عصاه الأبنوسية بكلتا يديه:
– أنا جيت أطمن عليك بحكم العِشرة اللي كانت بيني و بين ولدك الله يرحمه. تأكد فارس من حدسه، فقد علم سبب مجيئه و هو الأمر الذي يخص إبنته:
– اسمعني بس يا….
قاطعه الأخر بإشارة من يده قائلاً:
– مش عايز أسمع أي حاجة، وقت الكلام خلص خلاص، أنا مش هقولك و لا هعايرك بوقفتي جمبك في عز محنتك لأن الحمدلله عمري ما ند.مت علي أي عمل خير لأن كله لله، أنا اللي كنت غلطان، و أكبر غلط يوم ما إديتلك بنتي و أمنتك عليها، الخلاصة زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف.
وجد فارس إنه لا فائدة من الدفاع عن نفسه أو تقديم أي مبررات، فـ يكفي ما أستمعت إليه شهد من تسجيل مكالمته مع زينب، و كلماته عنها التي كانت كالخناجر المسمومة، أخترقت قلبها فجعلته إشلاء يصعب تجميعها مرة أخري، عليه تحمل كم الإهانات الموجهة إليه من والدها. تنفس فارس الصعداء بعد.ما أدرك قرار الأخر و الذي كان يريده منذ زمن:
– حاضر يا حاچ، أنا تحت أمرك. رمقه نعمان بإمتعاض و أخبره:
– هي هاتدخلك دلوقتي، كل اللي هاتعمله هاتقولها كلمة واحدة، و يكون في علمك دي رغبتها هي، أصلها عرفت قيمة نفسها و قدرتها كويس.
أخرج هاتفه من جيب جلبابه و قام بالإتصال علي إبنته المنتظرة في الخارج. و علي مسافة قريبة حيث تقف شهد أنتفضت عند.ما رن هاتفها، فعلمت إنه قد حان الوقت كما أتفق معها والدها.
خفق قلبها بشدة، فبرغم جراح قلبها النازفة لكن ما زال بداخلها جزء يعشقه، و المسيطر الآن هو العقل بعد.ما أفاق من سباته و صد.متها الحقيقة و التي كانت غافلة عنها طوال الأيام المنصرمة.
وضعت هاتفها داخل الحقيبة و سارت بخطي وئيدة بتردد، تخشي عند.ما تراه فتستسلم و تنثر بقايا كرامتها أسفل قد.ميه، فأسعفتها ذاكرة أذنيها حديثه مع زينب و كيف كانت بالنسبة إليه مجرد (رد جميل)، تذكرت أيضاً هي من أخطأت في حق نفسها منذ البداية عند.ما وافقت علي الزواج منه رغم إعترافه لها إنه لا يملك قلبه و لا يهوي سوي إمرأة واحدة. وصلت أمام الغرفة فوجدت حارسين علي جانبيها، طرقت الباب ثم دخلت و تنظر لأسفل، التنفس لديها شبه متوقف في تلك اللحظة العصيبة.
بينما فارس لن يقل حاله عنها، يتحاشي النظر إليها، يخشي أن يواجهها بعد الذي حدث داخل الهنجر!
قطع والدها تلك اللحظات:
– أتفضلي يا بنتي قولي له طلبك خلينا نمشي. أسدلت نظارتها الشمسية من فوق رأسها علي عيناها، لا تريد أن يري الإنكسار و الهزيمة داخل عيناها، وقفت بشموخ و زهو، أبتلعت غصتها المُرة و أطلقت لسانها:
– أولاً أنا مش جاية عشان أقولك ألف سلامة و لا الكلام ده كله لأنك خلاص ما بقتش تفرق بالنسبة ليا، لأن أنا كنت كتير عليك أوي.
– شهد، أنجزي و قولي طلبك.
أمرها والدها بذلك، و بدون أن تلتفت إليه و عيناها ما زالت صوب فارس الذي أثر الصمت و تركها تقول ما تريد:
– لو سمحت يا بابا سيبني أكمل كلامي، و أعرفه إنه لو عاش قد اللي عاشه مرتين عمره ما هيلاقي زيي أبداً، هو تمامه واحدة من عينته،و أحب أعرفه إنه مش هيرتاح أبداً حتي لما يرجع لبنت عمه.