روايات

فارس بلا مأوى بقلم ولاء رفعت الجزء الثامن

أقتربت منها الخالة و قالت بصوت خافت:
– تعالي أوصلك للحمام تغسلي وشك و تفوقي. و عند.ما تذكرت أحداث الكابــ . ــوس الذي راودها عند نومها أثناء حديثها مع فارس، هزت رأسها بالرفض التام:
– لاء، قصدي ما ريداش، تسلمي يا خالة. أراد فارس أن يعانقها و يربت عليها لعلها تهدأ لكن مبادئه و أخلاقه لم يسمحا بذلك، فنهض من جوارها و أشار للخالة:
– تعالي يا خالة أقعدي چارها.

نهضت الخالة و جلست بجوارها ثم حاوطت ظهر زينب التي مالت برأسها علي صدر الخالة التي أخذت تمسد فوق وشاحها و تتلو بعض الآيات و الأذكار، بينما أحتضنت زينب المصحف بين يديها و قامت بضمه إلي صدرها و بدأت تتلو أيضاً ما تحفظه من آيات الله تعالي. و ذلك تحت بصر فارس الذي لا تحيد عيناه عنها بل كان يتأمل ملامحها التي أصبحت كالزهرة في موسم الخريف حينما تجف أوراقها و تذبل، يتخيل كم المعاناة و العذاب التي تعرضت إليه علي يد هذا الشيـ . ـطان، مما يجعله أكثر إصراراً علي ما ينوي فعله، مجرد أيام تفصله عن إنتقامه المحسوم.

※ــــــــــــــــــــــــ※
عاد فارس إلي مسقط رأسه بعد رحلة عذاب دامت لشهور، عاد و قلبه ينبض من جديد، يدرك ما هو مُقبل عليه الأيام القاد.مة و عليه أن يتحلي بالصبر حتي يظفر بالفوز العظيم، فوز فؤاده الذي عاد إليه عشقه و فوز ظهور براءته و ذلك بعد أن أخبره العم جابر بعلم أهل النجع بهذا الخبر الذي جعلهم سعداء من أجله، فهم يحبونه كما أحبوا والده، فالنبات الطيب لا يطرح سوي الثمار الطيبة و العكس صحيح.

و بمجرد أن وطأت قد.مه أرض النجع بعد.ما ترجل من السيارة التي أخذتهم من أمام محطة القطار حتي منزل عائلة القناوي، أُطلقت زغاريد النساء يصاحبها تهليل و ترحاب و سرور من أهل البلدة، أقترب كل منهم يصافحه و يعانقه بحفاوة و الجملة الشائعة التي تكررت إليه من الجميع
« حمدالله علي سلامتك يا غالي يا ولد الغالي» بدأت فرقة القرع علي الطبول و المزمار يعزفون من موسيقي الفلكلور الصعيدي، أقترب العم جابر من فارس و أخبره:
– أهل البلد أول ما خابروا أنك معاود بقت الفرحة ما سعياهمش عاد، الكل بيحبك كيف ما بيحبوا أبوك الله يرحمه.

ربت فارس علي كتف الأخر و قال بنظرة مليئة بسعادة تنبع من القلب:
– الله يرحمه، أهو اللي أنا شايفه دلوق خلاني أتأكد أبوي مامتش، ده عايش في كل واحد من أهل البلد، و أنت يا عم چابر فيك حنية أبوي و طيبة قلبه، ربنا ما يحرمني منك و لا من الخالة هنادي. – و ربنا يسعدك يا ولدي و ينصرك ديماً علي من يعاديك. تقد.مت منهم الخالة هنادي و قالت:
– يلا يافارس يا ولدي، تعالي أحضر الدبيحة، دي فرحة رچوعك بالسلامة و من خير قاسم بيه الله يرحمه.

كانت زينب منذ أن وصلت ألتزمت الصمت، أنتبه فارس إليها فسألها:
– سرحانة في إيه إكده؟، أنا كنت فاكر إنك هاتكوني فرحانة أول ما نرچعو علي أهنه. رمقته بنظرة ضائعة كالشريدة تجوب داخل أرض التيه:
– لو قاصدك لأچل أهلي، أني لحد دلوق ما خابرش هاشوفهم كيف بعد اللي حوصل و اللي چرالي و هم السبب في كل ده. – ألف حمدالله علي السلامة يا ولد أخوي.
ألتفت كليهما إلي صاحب الصوت، فقال كل منهما:
– أبوي!
– عمي!

لم تشعر زينب بحالها و تقفز نحو والدها ترتمي بين ذراعيه، تدفــ . ــن وجهها في صدره، تخبره بصوت يختبئ خلفه شجن دفين:
– أتوحشتك جوي جوي يا أبوي. عانقها بشوق و حزن و هذا بعد ما علمه من العم جابر عبر الهاتف، شعرت بقطرات دافئة تتساقط من عينيي والدها الذي يبكي قائلاً:
– حقك علي يا بتي، ياريتني ما وفقت و لا فرطت فيكي و لا سمعت حديت أخوكِ منه لله.

ثم رفع بصره إلي فارس و أردف:
– حقك علي يا ولدي، مكنتش خابر اللي سوي فيك المغرس ده ولدي، عمري ما فكرت أنه يوصل بيه سواد قلبه و يسوي فيك إكده. – الحقد  يا عمي لما بيدخل للقلب  بيخلي صاحبه كيف الكفيف ما بيشوفش غير السواد، و بيبجي أعمي البصر و البصيرة. تدخل العم جابر قائلاً:
– بزيداكم حديت عاد، الچزار واقف مستنيك يا ولدي.

ذهب جميعهم ليشاهدوا العجل و الجزار يسمي الله ثم بدأ الذ. ب . ح، في تلك اللحظة داهم زينب مشهد د.موي رأته من قبل و هو ما حدث للرجل الذي وقع ضحيــ .ــة في يد سليم و قام بسلخه حياً، لم تتحمل أكثر من ذلك، يكفي تلك ما نالته اليوم من ضغوط نفسية ناتجة عن الهلاوس التي يبدو إنها سوف تلاحقها الأيام القاد.مة، أستسلمت إلي فقدان الوعي لعلها تهرب من ذلك الكابــ . ــوس المظلــ . ــم.

أنتبه الجميع إلي صياح خميس والد زينب:
– بتي.
هرع إليه فارس ليحملها  علي ذراعيه و أتجه بها إلي منزل عمه كما طلب منه الأخر.
※ــــــــــــــــــــــ※
تسمع تكرار صوت نداء والدتها، خيل لها إنها في حلم، لكن لمسات والدتها الحانية و هي تمسد يدها بين كفيها و صوتها الدافئ يقول لها بحنان غادق:
– قومي يا بتي، طمني جلب أمك عليكي، الله يسامحه اللي كان السبب. فتحت عينيها فوجدت والدتها تجلس بجانبها و الخالة هنادي تقف بجوارها:
– قومي يازينب، قلوبنا أنخلعت عليكي تو ما وقعتي من طولك.

وضعت الأخري يدها علي رأسها و الإمتعاض يختلج ملامحها، فقالت و الوهن يداهم جسدها الذي أصبح هزيلاً:
– أني فين؟ أجابت والدتها و الحزن جلي في صوتها:
– أنتِ في دار أهلك و علي سريرك يا ضنايا، تو ما أبوكِ جالي أنك چاية، وضبت لك أوضتك و خليتها كيف لما كانت وقت فرحك. يا ليت ما تفوهت والدتها بتلك الذكري السوداء، مجرد رؤيتها لكل ما في الغرفة من أثاث و فراش و جميع الأركان، كل ذلك كافياً بإستعادة أسوأ مشهد لها علي الإطلاق:

«مشهد سابق»
” روحي يا بتي ويا چوزك أرتاحوا،  لساتكم وراكم سفر و طريج طويل،  و أنتي بجي لك يومين ما نعستيش عاد. قلبها يخفق من شدة الخوف لاسيما بعد تلك الإبتسامة التي ما زالت في أعين شقيقها، أنتبهت إلي ضغطة قبـ . ــضة سليم القوية علي أناملها:
– يلا يا زينب. و في ثوان كانت داخل الغرفة و دلف خلفها،  أغلق الباب بقوة مما جعلها أهتزت بوجل و أعتصرت عينيها تردد بداخلها بعض الأذكار.

خلع العباءة و يليها سترته و ألقاها علي أقرب كرسي ثم جلس فوقه، لم تبرحها نظراته:
– واقفه عندك ليه كده؟ و بدون أن تنظر إليه حيث تتجنب النظر في عينيه ذات النظرات المرعبة، قالت:
_ أني مرتاحة إكده،  رايد أنت ترتاح لك شوي، عندك السرير أهو أرتاح كيف ما أنت رايد. خلع ربطة عنقه ثم  ساعة يده و وضعهما علي المنضدة التي أمامه في صمت رهيب زاد من خوفها لكنها تظاهرت بالثبات. قطع صوته بهدوء الذي لا يقل رعباً عن نظرات عينيه:
_ ما إحنا مش داخلين الأوضة عشان نرتاح.

رفعت عينيها لترمقه بصد.مة و إستفهام، فهذا الصوت الذي بداخلها ينذرها بالخطر،  نهض متقد.ماً نحوها بخطي في ظاهرها هادئ لكنها عكس ذلك:
_ شكلك فهمتي سبب وجودنا هنا،  و لا أي يا عروسة؟ أزدردت لعابها و بمجرد وقوفه أمامها مباشرة أبتعدت إلي الخلف متجهة نحو الباب لكنه سبقها إليه و أوصده بالمفتاح الموجود به. ركضت إلي إحدي الأركان تمسك بثوب زفافها في وضع الدفاع:
_ لو اللي في د.ماغي ده صوح،  أحب أفكرك بوعدك ليا،  أن چوازنا علي الورج.

يبتسم و بداخله مُنتشي من السعادة، فتلك نظرة الرعب بداخل عينيها تغذي وحش ساديته و ترضيه.
و في لحظة غافله منها وجدته أمامها يمسك برسغيها:
_ أنا ما وعدتكيش يا زينب،  أنتِ وقتها كنتِ بتملي شروطك و ناسية إنك هاتتجوزي مين،  تحبي أعرفك مين هو جوزك،  مين اللي المفروض ما تنطقيش غير إسمه علي لسانك!،  مين اللي عينيكِ مش هاتشوف غيره!،  مين اللي نسيتي إنه جوزك و روحتي القسم عشان تشوفي إبن عمك و ما خوفتيش لما يعرف هيعمل فيكي أي!

و مع كل جملة يتفوه بها كانت قبـ . ــضتيه تزداد ضغطاً حتي ظنت عظام أناملها سُحقت،  تأوهت من الألم الغير محتمل،  فقال بفحيح يلفح شفتيها:
_ صرخي، محدش من أهلك بره يقدر يدخل ينقذك من أيدي،  عارفة ليه. أردف و يدفعها علي الحائط بجسده ملتصقاً بها:
_ تحبي أجاوبك عملي زي ما أخوكي طالب مني و مستني إثبات شرفك؟ جحظت عينيها مُتناسية ألم أناملها،  أستعادت رباطة جأشها و قوتها برغم د.موعها التي أنسدلت للتو:
_ بعد عني،  علي چتتي اللي عتجوله دي، و روح جول للحـيــ . ــوان أخوي خايتك أشرف منك و من أمثالك كيفك إكده.

ضغط بجسده عليها بقوة قائلاً:
_ و لما أخوكِ من لحمك و د.مك يشكك فيكِ و يطلب مني دخلة بلدي،  منتظرة مني أي عشان أتأكد، ها؟ رأت بداخل ظلام عينيه شيطان مارد لم يهدأ إلا عند.ما يكسر كبريائها و يجعلها ذليلة أمامه،  فهي الآن تلعن شقيقها بكل اللعنات علي منح هذا الوحش الذي يسحق جسدها حق سلب عذريتها قهراً و رغماً عنها، فلا تجد سوي تلك الفكرة التي أتتها للتو فقالت بتأوه من بين أسنانها:
_ لو رايد إثبات خدني عند الحكيمة في الوحدة الصبح و هي تكشف عليا و تجولك إني.

أغلقت عينيها بخجل و أردفت:
_ إني بت بنوت و لا لاء. قهقه و تعالت ضحكاته المخيفة، حتي توقف و عادت ملامحه الوحشية مرة أخري:
_ عايزاني أخدك عندك الدكتورة يا زوزو،  أومال أنا لزمتي أي يا حبيبتي. ترك يديها حتي عادت روحها لها فأخذت تفركهما من فرط الألم، و لم يمهلها أن تلتقط أنفاسها فجذبها من خصرها و برغم ثوبها المتسع و ذو عدة طبقات شعرت بأنامله و هو يغرزها بقسوة لتطلق تأوهاً نابعاً من أعماقها.

– أهدي كده ده لسه بنقول يا هادي، يقولوا عليكِ أي و أنتِ كل شوية تصوتي. أجابت من بين د.موعها و ألمها:
_ أجتلني يا سليم و ريحني،  أني ما عايزاش أعيش وياك واصل. أبعد يديه من خصرها،  ليعود صوت ضحكاته،  يحاوط وجهها بكفيه يقول بسخـ ــرية:
_ ليه كده يا زوزو،  ده أنا حبيتك من أول ما شوفتك و أقسمت إنك هاتكوني ملكي مهما حصل و بأي طريقة. جذبها فجاءة و دفعها إلي الفراش ثم أعتلاها:
_ أنتِ بتاعتي أنا،  ملكي أنا،  هاتعيشي معايا لحد ما يفرقنا المــ . ــوت،  فاهمة يا زينب.

كانت ملامحه تخيفها أكثر من كلماته،  أقسمت إنه ليس شخصاً طبيعياً بل مريضاً.
باغتها بنزع حجابها بعنــ . ــف حتي تشعثت خصلاتها من أثر ذلك،  أخذت تقاومه و تدفعه لينهض من فوقها،  فكيف لعصفورة صغيرة بأن تدفع بوحش ضخم يريد إلتهامها! أردف من بين أسنانه لاهثاً:
_ ما تقاوميش يا زينب،  عمرك ما تقدري تبعديني عنك،  أستسلمي لمصيرك.

لم تجد رد علي هذيانه من وجهة نظرها سوي تلك الكلمات و يديها تدفعه في صدره:
_ ده في أحلامك يا سليم، و أني لساتني كيف ما جولت لك علي چتتي لو لمست مني شعره،  و چوازي منك مجابل حياة فارس،  غير إكده ملكش حاچة عندي واصل.

من الحماقة أن تكون عاجزاً و في وضع ضعيف للغاية و تتصنع القوة دون إستخدام عقلك و ذكائك بحكمة، فالتفوه بنبرة التحدي و العند لن تأتِ لك سوي بعواقب وخيمة،  و هكذا ما حدث.
ليتها ما تفوهت بحديثها الأحمق هذا، فهي للتو أيقظت جانبه الآخر المظلــ . ــم و الذي كان يحاول كبحه و عد.م إظهاره له حتي الآن.

نهض عنها و هو يجذبها من خصلاتها و حتي لا تصرخ و يسمعها من بالخارج،  كمم فاهها بقبلة وحشية،  ليست قبلة حميمية بين زوجين بل كانت تعذيب و منعها من الصراخ، و لم يكتف بذلك،  أمسك بساعديها و قام بثنيهما خلف ظهرها و بجزء من لفافات حجابها الأبيض قام بتقيد معصميها.

ما زال يُقبلها متذوقاً د.ماء شفتيها بللذة، توقف عن تقبيلها ليتركها تلتقط أنفاسها اللاهثة، ليباغتها بجزء آخر من لفافات حجابها يكمم فاها ثم ألقي بها مرة أخري علي الفراش و الظلام يسود عينيه و شيطانه المسيطر عليه، خلع ثيابه تحت نظراتها التي تتوسله ليتراجع عن ما سيفعله، تتلوي في الفراش مستخد.مة ساقيها في النهوض لكن هيهات، أصبحت مثبتتان بقبـ .

ــضتيه القويتين، و أرتمي فوقها و شرع فيما عزم عليه، لم يرحم صرخاتها المكتومة و د.موعها التي أنفجرت كالأنهار المتدفقة، أنتزع روحها قبل نزع عذريتها بكل وحشية، أبتعد عنها و بنظرة إنتصار حدجها، دنا برأسه نحو وجهها و هي ملقاه كالجسد بدون روح ليقول لها بتهكم:
_ ألف مبروك يا حبيبتي.

و قبلها من وجنتها ثم نهض، أرتدي ثيابه تاركاً قميصه مفتوحة أزراره،أقترب منها فرفعت ساقيها لتكور جسدها في وضع الجنين لتبتعد عنه، جذب الشرشف الملطخ بد.مائها بقوة من أسفل جسدها و أتجه به نحو الباب، قام بفتحه منادياً علي شقيقها الذي لبي نداءه و جاء نحوه فقام الآخر بإلقاء الشرشف في وجهه،  ألتقطه رافع بسعادة عارمة،  و لم يتمهل فخرج و وقف أمام المنزل يخرج سـ . لاحه و أطلق عدة أعيرة نــ ــارية متتالية و تبعه رجاله في الإطلاق كرسالة إلي أهل النجع.

«عودة إلي الوقت الحالي»
أخذت تصرخ و داهمها حالة بكاء هيستري تردد:
– بعدوه عني، بعدوه. دوي صراخها التي تتمزق إليه القلوب جعل فارس الذي كان يجلس مع عمه، يذهب إليها و الخوف و القلق ينهش كليهما صدره قالت والدتها بحزن و بكاء:
– إيه اللي صابك يا بتي، ألحقني يا فارس بتي بضيع.
و بمجرد رؤيته لها في تلك الحالة المزرية أقترب منها و عانقها و أخذ يربت عليها و يتلو بعض الآيات و الأذكار  و يمسد علي وشاحها الغير مُهند.م حتي هدأت قليلاً، أشار إلي والدتها التي كانت تبكي حزناً علي حال إبنتها بأن تكف عن البكاء.

رفعت زينب رأسها عن صدره و أخبرته بتوسل:
– أني ما ريداش أجعد أهنه، الأوضة دي اللي دبـ . حني فيها سليم بأمر من أخوي، خدني من أهنه يا فارس بالله عليك. كان يستمع إليها و قلبه ينفطر كلما تخيل كم ما تعرضت إليه من تعذيب نفسي و جسدي، ربت عليها و أخبرها:
– أهدي يا حبيبتي، ما تخافيش هخلي الخالة هنادي تاخدك أنتِ و مرات عمي و تجعدوا هناك في دارنا.
※ــــــــــــــــــــــــــــــ※
في بقعة متطرفة من البلدة حيث المقابــ . ـر الخاصة بأهل النجع، يجلس فارس أمام قبـ . ـر والده و يحمل في يده جريدة خضراء.

– أتوحشتك جوي يابا، أني من غيرك ما سواش حاچة، تو ما هملتني تو ما تغدر بيا، و الغدر ما يچيش غير من أقرب الأقربين، ضعت وجتها و ضاعت الإنسانة الوحيدة اللي عشقها قلبي قبل عينيا. تجمعت عبراته علي رماديتيه فأصبحت كالغيوم الملبدة التي أوشكت أن تهطل زخات من المطر:
– مرينا بظروف صعبة جوي ما يتحملهاش بشر، و يوم ما تچمعنا بعد فراق…

أثر الصمت رغماً عنه بسبب حالة البكاء التي أنتابته، فأطلق لعبراته العنان:
– بقينا أنا و هي كيف الزجاج المكسور اللي كل ما تيچي تلمه و تچمعه ينكسر و يچرحك، جولي يا أبوي كيف نقدروا نرچعوا أني و هي كيف الأول! أخذ يمسح عبراته بباطن كفه و يردف قائلاً:
– خابر لما أمي ماتت و أنت عوضتني عن غيابها عمري ما حسيت باليُتم، لكن دلوق أني من غيرك يتيم، أني محتاچك جوي يا أبوي. نهض و جثي علي ركبتيه و كأنه يحتضن قبـ . ـر والده المدفون فوق الأرض داخل قبـ . ـر علي هيئة قبة.

أمتدت إليه يد العم جابر يربت عليه بـ مواساة:
– بزيداك بُكا يا ولدي، الحاچ قاسم الله يرحمه مخلف راچل و البركة فيك، شد حيلك عاد، و خليك كيف أبوك كانت الحاچة اللي تكسره بتقويه و كل كبوة يبقي أقوي من المرة اللي قبلها، قوم يا ولدي، قوم يا فارس، خلينا نلحق ندلي علي مصر(القاهرة) بدري قبل ما الليل يليل علينا و أنت خابر ما بعرفش أسوق بالليل.

نهض فارس و ترك الجريدة أمام القبة و ألقي نظرة و إيماءة من عينيه و كأنه يخبر والده بأن يطمئن عليه، سوف يكون بخير عن قريب بإذن الله.
※ـــــــــــــــــــــــــ※
و في اليوم التالي، ينظر في ساعة الهاتف ثم تركه و أتجه نحو المرآة و قام بتمشيط خصلاته بعناية، جاء من خلفه صوت العم جابر:
– لساتك مُصر يا ولدي علي اللي ناوي تسويه؟ رمقه فارس من خلال المرآة بجدية و إصرار قائلاً:
– ما أني لو ما سويتش إكدة يبقي مش هقدر أرفع عيني قدامها، لازم أرچع حقها و أكسره كيف ما كسرها.

و بعد.ما غادر الفندق الذي مكث فيه منذ أمس، قام العم جابر بتوصيله أمام المخفر حيث أنتظره أكرم الذي رحب به و صافحه بحفاوة،  أطلعه علي مطلبه و كان يخشي رفضه، لكن وجده متعجب من هذا الأمر، و قبل أن ينفذ إليه أي شئ سأله أكرم :
– طب ممكن أعرف سبب مقابلتك ليه، أنا خايف عليك، سليم مش سهل، و عمرك ما تتوقع أي ردة فعل ليه، من يوم ما أتحبس و هو في زنزانة لوحده و عليه حراسة مُشددة.

أطلق فارس زفرة من أعماقه فأجاب دون تردد و عيناه يملؤها توعد ثائر:
– خابر، أني ما همنيش اللي سواه فيا و لا اللي كان هايسويه عاد، أني رايد أعيشه اللي باقي من عمره في قهر و ذل. عقد أكرم ما بين حاجبيه بعد.م فهم، فسأله بتوجس:
– أوعي تكون ناوي تقــ . ـــتله! رمقه الأخر بشبه إبتسامة ثم ربت علي كتفه قائلاً:
– ما تقلقش يا سيادة النقيب، ما أضعيش حريتي مرة تانية في واحد كلـ. .ب كيف سليم، أني هاخد حق بت عمي من غير د.م.

و ما لبث الاثنان سوي دقائق حتي توقف كليهما أمام باب حديدي يقف أمامه حراسة من ذوي المهام الخاصة و هذا بناء علي طلب أكرم الذي يعلم جيداً حدوث أي محاولة لتهريب سليم من قِبل رجاله في الخارج. أشار إلي إحدي الحراس بأمر:
– أفتح الباب. نفذ الحارس أمره علي الفور، و قبل ولوج فارس إلي الداخل وضع أكرم يده علي كتفه و قال:
– خد بالك من نفسك. بعد أن دخل جال ببصره أرجاء الزنزانة حيث الإضاءة خافتة، وقعت عيناه عليه و يجلس علي الكرسي مولياً ظهره إليه، يتصاعد دخان السيجارة الذي ينفثه من فمه و أنفه.

– يا تري جاي عشان تاخد حقك مني و لا عشان أطلقها! نظر فارس نحوه بإمتعاض و قال:
– أني مش چاي لأي حاچة من اللي قولتها دلوق، لأن في كل الأحوال زينب بقت حرة سواء لو كنت لساتك عايش أو ميت. نهض بهدوء مع إطلاق ضحكة دوي صداها بين الجدران الأربعة، أستشف منها الأخر بسخـ ــرية أو تهكم من ما تلفظ به للتو. تقد.م سليم نحوه بخطي و ئيدة قائلاً بتهكم جلي:
– شكلك طموح أوي يا أبو الفوارس و بتحب تحلم بأوهام عايشة في خيالك.

وضع السيجارة بين شفتيه و سحب نفساً عميقاً ثم أطلق دخاناً كثيفاً في وجه فارس الذي أغمض عينيه و أخذ يلوح بيده لإبعاد الدخان عن محيط أنفاسه. تبدلت نظرة الإمتعاض إلي أخري يشوبها إبتسامة ظافر بمعركة سوف تنتهي الآن، و قال له بتهكم مثل الذي أخبره به:
– الأوهام دي حداك أنت لو مجرد أن تفكر تُهرب من أهنه. نظر من حوله و أردف بإستهزاء:
– واضح جوي إن أكرم موصيهم عليك، ما يفرجش المكان أهنه عن القبـ . ـر اللي بإذن الله هايتوك فيه بعد ما يعد.موك.

ألقي سليم باقي السيجارة ثم دعس عليها بحذائه:
– ما تفرحش أوي كده، كلها أيام و خارج أي إن كان الطريقة،  بس أوعدك أول حاجة هاعملها أكمل اللي بدأته.
و أشار له بعينه نحو أثر الجرح الذي صنعه أعلي صدر الأخر، و أردف:
– و بالنسبة لزينب أديك شوفت بعينيك لما كنا في الهنجر.

تذكر فارس علي الفور مشهد الإعتداء الوحشي الذي أقترفه هذا الشيـ . ـطان في زينب أمامه، برغم الحالة التي كان بها آنذاك لكن ذاكرة عينيه لم تنس ذلك المشهد الذي حــر . ــق و جرح قلبه بقوة و ما زال كلما يند.مل ذاك الجرح ينفتح من جديد. وضع سليم يده علي كتف فارس الذي قد وصل إلي ذروة غضــ . ــبه رغم السكون الذي يبدو عليه، أقترب من أذنه ليخبره بفخر و تحدي:
– زينب ملكي أنا و بس.

و إذا بفارس يصيح فجأة كالوحش الذي خرج من الكهف لتوه لمهاجمة أعداءه:
– كانت ملكك يا إبن الـ…

دفع يده من فوق كتفه بقوة و باغته بلكمة جعلت سليم تراجع إلي الخلف دون أن يختل توازنه، وضع يده علي فكه أثر اللكمة، لكنه نظر إلي الأخر بإبتسامة و قال بسخـ ــرية أراد بها إستفزازه:
– تصدق معرفش إنك طلعت زي الرجالة و بتضــ . ـرب، و لما أنت شبـ . ــح أوي كده ما روحتش أتشطرت علي إبن عمك اللي أدالك علي قفاك و سجــ . ــنك ليه!، و لا شاطر تهرب زي العاهـ .رة اللي هربانة من بوليس الآداب!

لم يجب فارس عليه سوي أن هجم عليه بلكمات متتالية، يزمجر كاللليث، بادله الأخر مثلها حيث كان سليم يرجع إلي الخلف و يحاول تفادي الضــ . ـربات و الدفاع في آن واحد و لم ينتبه إلي الكرسي الذي نجح في إيقاعه علي ظهره، فأستغل فارس هذا و جثي فوقه علي ركبتيه و أخذ يكيل إليه اللكمات:
– العاهـ .رة دي تبقي أنت يا ولد الحـ ـرام.

حاول الآخر صد الهجوم و بخفة أستطاع إزاحة فارس من فوقه و نهض يمسك بالكرسي و رفعه لأعلي و ينهال به علي فارس، بينما الأخر تمكن من إمساك إحدي أرجل الكرسي و ركل سليم في قد.مه مما جعله يقع إلي الوراء و لم يمهله أن يلتقط أنفاسه، أنقض فوقه و أخذ يضــ . ـربه بكل ما أوتي من قوة،  و كان العجيب في الأمر هي إبتسامة سليم التي تحولت إلي ضحكات ساخرة حتي لو كان في موضع ضعف و الأخر في مركز قوة في تلك المعركة الضارية.

– أنت فاكر لو رجعت لك، هتبقي زينب اللي كنت تعرفها زمان!، حتي لو أتعد.مت زي ما بتقول و أنت أتجوزتها هفضل عايش ما بينكم. كان يتلفظ بالكلمات و يلتقط أنفاسه بصعوبة، أردف:
– اللي معاك دلوقت واحدة شكلتها بإيديا، عمرها ما هاترجع إنسانة طبيعية و بكرة الأيام تثبت لك. نهض من فوقه و يلهث من فرط ما فعله للتو، أخبره:
– هخليها تتعالچ و تعود كيف الأول و أحسن، علي الأقل إنها أتخلصت منك، و رچولتك اللي كنت عتتباهي بيها و تتشطر عليها و إحنا في الهنچر هحرمك منها واصل.

و عند.ما أدرك سليم مقصده، أطلق صرخة قوية لأول مرة و هذا بعد.ما ركله فارس بين ساقيه بلا رحمة.
ضم ساقيه و وضع يديه معاً و يتلوي من الألم، بينما فارس يخبره:
– دي لأچل اللي سويته فيها غصب عنها من أول ما أتچوزتها. لم يمهله تحمل ألم الركلة الأولي، فأمسكه من تلابيب قميصه و سدد له لكمة في وجهه و باغته بركلة أخري بين ساقيه جعلت عينيه كادت تخرج من محجريهما.

في تلك اللحظة فتح الحارس الباب و دخل أكرم، أمسك و أوقفه قائلاً:
– كفاية كده يا فارس ليمــ . ــوت و تودي نفسك في داهية عشان واحد زي ده. و قبل أن يذعن فارس لأمر أكرم ألقي كلماته علي سليم الذي أصبح في حالة لا يرثي لها، فالكل ظالم نهاية مهما طال ظلــ . ــمه، و ما أكثر الظالمين علي مر العصور لكل منهم نهاية عادلة علي ما أقترفت إياديهم من جور و طغيان.

– أظن دلوق يا سليم أنك اللي عتتوهم إن زينب تكون وياك تاني.
أقترب منه و دنا منه و أردف بسخـ ــرية:
– بعد اللي سويته فيك لا هتنفعها و لا تنفع غيرها، هتبقي مجرد ذكر في البطاقة، و كيف ما بيقولوا حداهم في أمريكا
go to hell.

انت في الصفحة 10 من 11 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى