#الفصل_الثاني_والأربعون #فارس_بلا_مأوي #بقلمي_ولاء_رفعت بعد.ما ودع العروسان أهليهما و معارفهما، ركب كليهما السيارة و أنطلق بهما السائق نحو منطقة يبدو من مبانيها إنها حديثة المنشأ. مالت نحوه لتسأله بصوتها الهادئ:
-إحنا رايحين علي فين؟ أمسك بيدها و قام بتقبيل ظهرها و قال:
-رايحين علي دارنا يا قمري. تلاقي حاجبيها من أسفل غطاء الوجه الأبيض الحريري، فقالت بتعجب:
-أومال الأوضة اللي چهزناها في دار أهلك دي تبجي أي! نظر إليها مُبتسماً و أخبرها بسلاسة:
-ما أني جولت أسويهالك مفاچاءة.
و بعد.ما وصل كليهما أمام الشقة، فتح لها الباب و قال:
-ثواني. و إذا به يحملها فأطلقت ضحكة رغماً عنها:
– واه يا سي بكر هاجع منك. دلف إلي الداخل و أغلق الباب بقد.مه قائلاً:
– هاتجعي كيف يعني، متچوزة عيل فرفور إياك! و ظل يحملها إلي أن وصل إلي داخل غرفة النوم، فأنزلها برفق و كأنها قارورة يخشي أن يحدث لها شيئاً، وقف أمامها مباشرة و قام برفع النقاب الحريري،و ما أن وقعت عيناه علي وجهها ردد بصوت خافت:
-بسم الله تبارك الرحمن، اللهم صل و سلم على سيدنا محمد، اللهم بارك و يبارك لي فيكي.
أسبلت جفونها بخجل شديد و رجفة يديها من فرط التوتر حيث تذكرت الحديث الذي دار بينها و بين فاطمة من قبل عن أن ما قبل الزواج يختلف كثيراً عن ما بعد الزواج و لأنها خجلت أن تخوض في تفاصيل كثيرة لأنها بنت لم يسبق لها الزواج من قبل فأعطتها كتاب بعنوان «جرعات من الحب» للكاتب كريم الشاذلي، و أخبرتها ستجد به كل الإجابات المبهمة لديها و تجعل علاقتهما الزوجية و الحياتية ناجحة دون اللجوء لنصائح الأصدقاء و المعارف الغير موثوق بها، كما أخبرتها بما يحبه شقيقها من المأكل و الملبس و أمور أخري ربما قد انتبهت إليها منذ معرفتها به.
أفاقت علي صوته و يسألها بنبرة زادت من رجفة جسدها ليس خوفاً بل بسبب خفقات قلبها التي تزداد من التوتر و القلق:
– مالك بتترعشي ليه إكده، خايفة إياك؟ أجابت بصوت يكاد يسمعه بصعوبة:
– لاء، جصدي يعني متوترة تجدر تجول مكسوفة. أمسك بطرف ذقنها و رفع وجهها ثم حدق في فيروزتيها بنظرة تبث بداخلها الشعور بالطمأنينة و الراحة كما تزيل القلق الذي يختلج صدرها و يبدله إلي السـ . ــكينة.
– أنا خابر خوفك و توترك يبجي من أي، و أني بجولك ما تجلجيش أني بحبك و بخاف عليكي أكتر من حالك، رايد منك تطمني و أنتي وياي لأن كيف ما جولتلك و لساتي علي وعدي ليكي هاتجي الله فيكي و هاشيلك چوة عيني و مقامك فوج راسي، و حابب أجولك علي حاچة أخيرة. رمقها بابتسامة و عيناه لا تحيد عن خاصتها فأردف:
– عمرك ما هاتحسي بالأمان غير في حــ . ــضني و بس، ها لساتك خايفة؟
هزت رأسها بالنفي فقال لها:
– رايد أسمع صوتك اللي كيف صوت الكروان لما يغرد، فأجابت بصوت يذوب له قلبه من نعومته و دلاله:
– مش خايفة. أبتسم بمكر و أراد أن يبدد توترها:
– طب يلا نغيرو خلچاتنا و نروحو نتوضو الأول لأچل نصلي ركعتين شكر للرحمن أنه رزجنا ببعض و بعدها رايدك تثبتي لي مش خايفة كيف. نظرت إليه بعد.م فهم و سألته:
– أثبت لك كيف يعني؟
ازدادت ابتسامته لاسيما بعد ما نوي علي ما سيفعله، نظر إلي السقف و تصنع رؤية شيء ما مما جعلها تفعل المثل فأجفلها علي حين غرة باختطاف قبلة من شفتيها المكتنزة!
ــــــــــــــــــــــــــ
و بعد أن انتهت من التسوق و جلبت كل ما أرادت شرائه ساقتها قد.ميها إلي متجر الحاج نعمان، لديها مئات من علامات الاستفهام ودت معرفة إجابتها من شهد فـ قررت الذهاب إلي متجر والدها لتأخذ منه رقم هاتف ابنته، لم يكن لديها علم إنه إذا ولجت ستجد من يقتصر عليها درب الأسئلة.
-سلام عليكم الحاج نعمان موجود؟
أنتبه إليها المدعو حمودة و أجاب:
-لاء مش موجود، أتفضلي حضرتك أؤمري. أشارت بيدها و قالت:
-شكراً، أنا خلاص ممكن أجي له في وقت تاني. و في تلك الأثناء خرج من غرفة تخزين البضاعة و تلاقت عينيها بـ عينيه، رمقته بازدراء و همت بالمغادرة فأوقفها مُنادياً بتوسل:
-ريهام ممكن نتــ. ــحدتو شوية؟ و دون أن تنظر إليه قالت بـ تهكم:
-عايز مني أي يا باشمهندس. ثم جالت ببصرها علي محتوي المتجر و أردفت بتهكم و حديث ذات مغزي:
-باشمهندس برضو و لا حتي دي كمان غيرتها!
أدرك ما ترمي إليه و هو إنه قد نسي حب عمره و تزوج من أخري، و قبل أن يُعلل لها ما فعله ألقي نظرة من حوله وجد حمودة يتظاهر باللعب علي هاتفه لكنه يُراقب كل شيء، يبدو أن شهد تكلفه بتلك المُهمة و هو نقل أخباره إليها، أشار إليه بأمر صارم:
-جوم يا حمودة هات لنا واكل من محل الكشري اللي في الشارع اللي ورانا. نظر إليه الأخر بتردد و تفهم إنه لا يرغب بوجوده، أخذ يُتمتم:
-معايا رقم المحل أتصل يجيب لنا دليفري.
صاح به غاضباً و عينيه ترمقه بتهديد:
– جوم فز بدل ما أخليك ما تعتبهاش تاني. نهض علي مضض و خوفاً من تهديد الأخر إليه فقال بانصياع:
-حاضر يا سطا قاسم هاروح أهو. بينما هي لاحظت نطق الشاب لهذا الاسم الزائف، و بعد مغادرته للمتجر نظرت إلي فارس و سألته:
-واضح إن كل حاجة أتغيرت حتي اسمك! عقد حاجبيه مُشيراً إليها للذهاب إلي المكتب:
-تعالي بس أتفضلي و أني هاحكي لك عن كل حاچة من الأول.
تنهدت ثم ذهبت بعد.ما رأت إصراره في عينيه، و بعد أن جلست جلس هو علي المقعد الأخر مقابلاً لها أمام المكتب.
-أني هحكي لك كل حاچة و ياريت تفهميني جبل ما تحكمي عليا.
يقع في حيرة من أمره و كأنه من أين سيبدأ لها من رحلة عذابه، فبدأ يسرد لها منذ وصوله إلي مصر و وفـ . ـاه والده و عند عودته من مراسم الدفــ . ــن تم القبـ . ــض عليه ظُلماً و زيارة زينب له و شعوره حينها إنها تمُر بضغط من شقيقها و إجبارها علي الانفصال منه و فسخ الخطبة، و كيف مرت عليه تلك الليالي الحالكة خلف قضبان الزنزانة و محاولة قــ . ـــتله بداخلها.
كما سرد لها محاولة هروبه هو و من معه من شاحنة الترحيلات بعد.ما تعرضت لهجوم مُسلح من مجموعة رجال يتبعون إلي إحدى المتهمين الخطيرين، لم تكن لديه فرصة حينها سوي الفرار أو تسليم نفسه ليستمر سجــ . ــنه ظُلماً، ظل يخبرها بما تعرض له من صعاب و انتهت بمجرد مُقابلة الحاج نعمان الذي مد يد العون إليه لكن لكل شيء ضريبة و هي الزواج من شهد حفاظاً لهذا العرفان و ذلك بعد.ما تبين رابط عـ ـلاقة الحاج نعمان بوالده، لكن تلك الجزئية لم تقتنع بها كفاية، فقامت بالتعقيب:
-بغض النظر عن كل المعاناة اللي مريت بيها و طبعاً دي مصيبة لوحدها لأنك كده في نظر القانون كدة أنت هربان، بس اللي مش قادرة أقتنع بيه هو جوازك من شهد، كان ممكن ترفض بأي حجة و ما تورطهاش معاك، أنت دلوقت واقع في مصيبة و لازم حل يا إما هاتفضل عايش هربان طول عمرك ضايع و مشتت و بهوية غير هويتك الحقيقية، مش ده فارس اللي كانت بتحكي لي ديماً عنه زينب!
و علي ذكر اسم معشوقة قلبه أنحني إلي الأمام و أخبرها برجاء:
-بالله عليكِ أني خابر اللي هاطلبه ده ما يصحش و ما ينفعش أني رايدك توصليني بيها بأي طريجة، رايد أطمن عليها.
ترددت هي الأخرى في أن تخبره بكل ما مرت به صديقتها من أهوال علي يد الطاغية سليم العقبي، لكن وجدت لا مفر من ذلك، بدأت تسرد إليه منذ لجوء زينب إليها بعد.ما فرت من ذلك الزواج الإجباري و شقيقها علي وجه الخصوص هو من أرغمها عليه و أخبرته عن وصوله إليهم و برفقته من أصبح زوجها الآن تحت التهديد:
– إياك تفتكر أنك لوحدك اللي عايش في عذاب، زينب يمكن مُصيبتها أكبر. تحفزت كل حواسه و نظرة القلق و الخوف علي صديقتها بداخل رماديتيه أخبرتها بما يدور في دواخله.
-كملي يا ريهام و جفتي ليه!، يبجي مين سليم العقبي ده و سوي فيها أي!
أجابت بحذر:
-أنا هحكي لك بس بالله عليك بلاش تهور، لأن أي حاجه هتحاول مجرد المحاولة تعملها هتأذيها هي قبل ما هتأذي نفسك. بدأت تخبره من هو سليم داغر العقبي و مدي نفوذه و جانبه المظلــ . ــم و من يقترب منه أو يقف نداً له يحترق أو ينتهي مصيره إلي هلاك محتوم، فما بال من يقترب من ممتلكاته و خاصة زوجته!
أجفلها بضــ . ـرب قبـ . ــضته فوق سطح المكتب مما جعلها انتفضت:
-أهدي يا فارس ماتخلنيش أند.م حكيت لك حاجة، أنا اللي خلاني أقولك و أحكي لك عشان تعرف و تفهم زينب ضحيــ .ــة زيك بعد ما شوفت نظرة إتهامك ليها و إحنا في النادي. شد علي قبـ . ــضته و جز علي أسنانه، فما أصعب شعور العجز هذا!، يريد إنقاذ مُهجة فؤاده من براثن هذا الوحش حتي إذا لم تكن له في النهاية.
– يا ريهام أنتي ما خابراش أي اللي أني حاسه دلوق،أنا رايد أروح و أخدها منـ…. قاطعته بتحذير شديد:
-أوعي، ده مجرم مش بعيد يقــ . ـــتلك و يقــ . ـــتلها و إنها ما تفكرش حتي تبعد عنه، سليم شخصية سادية لدرجة عمرك ما تتخيلها، كل اللي أقدر أنصحك بيه بلاش السلبية اللي أنت فيها و أسعي لبرائتك و بالنسبة لزينب ما تقلقش عليها. توقفت عن الحديث لاسيما عند.ما سألها:
– ما أجلجش ليه عاد؟، أنتِ خابرة حاچة؟
عم الصمت بينهما و إذا به صوت رنين هاتفها يقطعه، أخرجت الهاتف من الحقيبة فرأت المتصل زوجها:
-معلش يا فارس مضطرة أمشي جوزي بيتصل عليا. نهضت فتبعها بالقيام و قال:
-معلش لو أخرتك بس كل اللي رايده منك تعطيني رقم تليفونها و ما تخافيش… و قبل أن تقاطعه بالرفض التام:
-أنا كل اللي أقدر أعمله أخليك تكلمها من علي موبايلي و بالله عليك ماتضغطش عليا أكتر من كده خوفاً عليها و عليك.
تفهم توسلها هذا، فالنظرة التي رمقه بها سليم بالأمس بجانب ما أخبرته به منذ قليل كافياً بمعرفته من هو الوحش التي تقع معشوقته في عرينه و لكي ينقذها منه عليه بالتأني و التفكير الجيد دون تهور أو ارتكاب حماقة. قامت بإجراء الاتصال و أشارت إليه بالصمت و انتظرت حتي أتاها صوتها الذي يشوبه النعاس:
-ألو يا ريهام. أجابت و عينيها لا تغفل عن نظرة فارس الذي يود اختطاف الهاتف من يدها:
-أزيك يا حبيبتي عاملة أي دلوقتي؟
أخبرتها بنبرة تحمل في طياتها الكثير من الآسي و الحزن:
-أني بمــ . ــوت يا ريهام. نهضت لتبتعد قليلاً عنه و سألتها بصوت خافت بقلق:
-هو المجــ . ــنون ده عمل فيكي حاجة إمبارح بعد ما روحتو؟ أجابت بنبرة وشيكة علي البكاء:
-لاء،الموضوع أكبر من إكده. قطبت ما بين حاجبيها بعد.ما داهم القلق قلبها،أرتفع صوتها دون قصد :
-ما تحكي يا بنتي كده قلقتيني عليكي أكتر، سليم عمل معاكي حاجـ…
لم تستطع إكمال سؤالها حيث أختطف الأخر الهاتف من يدها و بلهفة عاشق ثائر تملأ نبرة صوته عدة مشاعر متضاربة من الخوف و القلق يتخللهما الشوق و اللوعة و قلب ينزف حتي المــ . ــوت يتفوه بحروف اسمها المحفور بين ضلوعه:
-زينب، كيفك يا جلبي؟
لحظات من السكون و الهدوء التام حتي ظن أنها ربما أنهت المكالمة، أبعد الهاتف عن أذنه و نظر إلي الشاشة فوجد ما زالت المكالمة مستمرة، ألتقط أنفاسه و تحدث بشق الأنفس، يذكر حروف اسمها التي تروي حلقه الذي جف عند.ما وصل إلي مسامعه صوت أنفاسها:
– زينب،رايد تسمعيني زين و تعرفي إن اللي شوفتيه ده كله مش حجيجي.
عقبت بصوت يبدو عليه الضيق أدرك مدي كم الاختناق الذي تشعر به و كأنها تريد الصراخ و البكاء:
-كيف و أني شايفة يدها في يدك!، كيف و أني شايفة الفرحة مالية عينيها و هي بتجول أعرفكم بچوزي!، كيف لما چت لك فرصة تهُرب بدل ما تيچي لي تروح لواحدة غيري و تستخبي في حــ . ــضنها!
ألجمت كلماتها لسانه و كأنه فقد الحركة للنطق كما أصابته غصة في حلقه جعلته عند.ما أستطاع الإجابة أخيراً صوته يكاد يخرج بصعوبة بالغة مع تكون عبراته كالضباب علي رماديتيه:
-قسماً بالله بحب و لا هاحب غيرك أنتِ، أني أتچوزتها كرد چميل مش أكتر، أني بحبك جوي يا زينب، أنا ما بشوفهاش غيرك أنتِ، صوتك في وداني و صورتك بشوفها في كل واحدة عيني بتيچي عليها.
صمت و ولي ظهره إلي ريهام حتي لا تري د.موعه التي تساقطت للتو، تلك الد.موع التي انسدلت من فرط الشوق و اللوعة التي تحــر . ــق صدره و قلبه العاشق، حاول كبت نشيج بكائه ليستطرد حديثه:
-أني معاها بچتتي لكن روحي و جلبي وياكي أنتِ، كل نفس بتنفسه أنتِ السبب فيه، عايش علي حبك اللي بيچري في عروقي، زينب أني كل يوم بمــ . ــوت و لما شوفتك وياه جلبي أندبـ . ح و عمال ينزف من وجتها، المــ . ــوت عندي أهون من إنك تكوني مع غيري.
و ها هي قد خارت قواها و أصبحت علي حافة الانهيار و قد قذفت بها الريح إلي وادي الشجن فأطلقت عبراتها بغزارة كالذي تم نفيه من أحضان الوطن، أخبرته من بين أنينها:
-و أني مُت خلاص يا فارس، من وجت ما أخوي هددني بحياتك يا إما أهملك، من وجت ما چبرني أتچوز واحد الشيـ . ـطان چاره ملاك، من وجت ما خدني الشيـ . ـطان ده بالغصب و كل ما يجرب مني و أني جلبي يناد.م عليك و بفوج و أني بندبـ .
ح في كل مرة، خابر اللي كان بيصبرني أنت، عمرك ما فارجتني لحظة، عمري ما نسيت حــ . ــضنك ليا لما چيت لك القسم. أعتصر عينيه بألم فها هي لا تقل عنه ألماً بل حياتها أكثر جحيماً، أطلق لسانه بأمر:
-و أيه اللي چابرك عليه لدلوق أتطلجي منه. صدر من شفتيها ضحكة باكية بل و ساخرة من حالها البائس فأخبرته:
-تمن الكلمة دي دفعته غالي جوي، و بجي استحالة بعد…..
صمتت بعد.ما كانت علي وشك أن تخبره بأمر حملها.
-بعد أي؟، كملي وجفتي ليه؟ مسحت بأناملها د.موعها المنهمرة و أستعادت رباطة جأشها و قالت:
-فارس أني لازم أشوفك ضروري، أول ما هظبط أموري هابلغك عن طريج ريهام، و لحد ما أشوفك بالله عليك خلي بالك من حالك و إياك تسوي حاچة و لا تتهور حياتي و حياتك و حياة أهلي كلها في خطر لو حوصل حاچة و سليم شم خبر. رد بغيظ و غضــ . ــب من بين أسنانه:
-واه، رايدني أتفرچ علي اللي بيحوصل وياكي و أسكت إياك!
– لو ليا خاطر عندك بالله عليك أسمع كلامي، أني خابرة بسوي أي زين، و أطمن عن جريب هخلص منه و أخلص الدنيا من شره.
انتفضت عند سماع طرقات علي باب الغرفة فأردفت بصوت خافت:
-سلام دلوق. أنهت المكالمة علي الفور و ألتفتت و نظرت نحو الباب و قالت:
-أتفضل. ولجت الخاد.مة إليها بصينية فوقها أقراص مكملات غذائية و كوب ماء:
-أتفضلي يا زينب هانم الفيتامينات. أشارت إليها نحو المنضدة و أمرتها:
– همليهم علي التربيزة عندك.
– تحت أمرك.
فعلت كما أمرتها و كادت تذهب فأوقفتها:
-وجفي عندك. ألتفتت إليها الفتاة فسألتها الأخرى:
-سليم رچع؟ – سليم بيه من الصبح في مكتبه، أي أوامر تانية؟
أشارت إليها أن تذهب:
-لاء، روحي أنتِ. تنفست الصعداء و ما لبثت سوي ثوان فصدح رنين هاتفها، انتفضت بفزع عند.ما رأت ذلك الاسم الذي جعل قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها من الوجل و الرعب، أجابت:
-نعم؟ أتاها صوته الذي يدب الرعب في فؤادها:
-عايزك، أنا في المكتب تحت.
ازدردت غصتها و قالت بطاعة لا تملك سواها الآن:
-حاضر چاية.
ــــــــــــــــــــ
_ السلام عليكم و رحمة الله، السلام عليكم و رحمة الله.
رددها بكر بخشوع في ختام صلاته فأتبعته قمر بترديدها أيضاً، رفع يديه في وضع الدعاء و ظل يدعو ربه و يحمده حمداً كثيراً. و بعد.ما أنتهي ألتفت إليها فوجدها تجلس علي عقبيها ساكنة، أقترب منها و وضع يده علي رأسها قائلاً بصوت خافت:
اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ خيرَها وخيرَ ما جبلتَها عليهِ وأعوذُ بِكَ من شرِّها ومن شرِّ ما جبلتَها عليهِ.
و بعد ذلك عانقها و ظل يردد أدعية أخري فوجدها تسكن بين ذراعيه بطمأنينة فسألها:
– چعانة يا قمري؟ ردت بصوتها الناعم و الذي يثير مشاعره و يجعلها كالعاصفة:
– بصراحة لاء و لو چعان هاجوم أچيب لك الواكل، فاطمة جالتلي التلاچة مليانة من خيرات ربنا. أبعد رأسها عن كتفه ليتمكن من النظر إليها وجه لوجه و قال :
– أچوع كيف و كل حاچة حلوة بحبها واجفة جدامي. انسحبت بهدوء و خجل ثم نهضت قائلة بتوتر جلي :
– أني هاروح أحضرلك الواكل، خمس دجايج و راچعة لك.
لم تنتظر رده و اطلقت ساقيها نحو المطبخ، وقفت تلتقط أنفاسها و وقفت أمام الطاولة الرخامية وجدت صينية كبيرة مغطاه، أزاحت الغطاء فوجدت كثير من الأطباق و كذلك الأصناف التي تفضلها من الطعام، تناولت قطعة مثلثة محشوة باللحم المفروم و كادت تأكلها، فوجدت من يمسك برسغها و يضعها بفمه لكن يضع نصفها بفمها و النصف الأخر مازال بالخارج، أشار إليها بأن تشاركه أكلها لكنها أكتفت بالنظر إلي أسفل بخجل، أمسك القطعة بيده و أخبرها:
– علي فكرة أني چعان و ما هاحطش حاچة في خشمي غير و هتشاركيني فيها و لو جعدتي تتكسفي إكده ماواكلش حاچة و خليني انام و أني چعان و ذنبي يبجي في رجبتك، و لا أجولك علي حاچة احسن هاتصل بأمي و اجولها مارتي ماعوزاش توكلني و أنتي خابرة حماتك هاتسوي فيكي أي. كتم ضحكاته و لم يستطع أن يكبتها أكثر من ذلك و هذا بعد أن قالت له بتوسل ما بين الجد و المزاح:
– خلاص خلاص هاواكلك بس بالله عليك بلاش خالتي چليلة.
أطلق قهقه جعلتها استشاطت غيظاً، لكزته في كتفه فجذبها بين ذراعيه و توقف عن الضحك قائلاً:
– أني بضحك وياكي، و رايدك تعرفي حاچة زين، طول ما أني عايش و فيا النفس محدش يجدر يجرب منك واصل و لو بنظرة تأذيكي، أني منك و أنتي مني، فاهمة يا قمري؟ أومأت له و أجابت:
– فاهمة يا سي بكر، يا حبيبي يا چوزي. همس أمام شفتيها:
-چوزك چعان هتواكليه كيف! و أمسك القطعة و وضعها بين شفتيها قائلاً:
– ممكن تخليني آكل كيف ما أني رايد و لا حداكِ مانع؟
هزت رأسها بالنفي و القطعة بفمها و ضــ . ـربت حُمرة الخجل وجنتيها مما جعلته هيئتها المثيرة تلك لمشاركتها في التهام القطعة التي سرعان ما أبتلعها دون أن يقطع قبلته، أُضرمت نيران العشق بينهما من خلال تلك القبلة التي استمرت لدقائق جعلتها بين يديه كقطعة الثلج وضعت في وهج الشمس، انهارت كل مخاوفها و ها هي تتشبث به لا تريد أن يتركها بعد.ما أذاقها من العشق طعمه الحلو. أبتعد حينما وجد كلاهما يحتاج إلي التنفس:
– علي فكرة الچو حر جوي.
و مد يده إلي طرف وشاح الإسدال الذي يغطي رأسها و بمجرد خلعه عنها انسدلت خصلاتها ذات اللون الذهبي الاصطناعي و الذي أضاف إلي جمالها الطبيعي جمالاً مُثيراً جعله يشتهي تذوقها بشدة، مد أنامله لمؤخرة رأسها حيث تخلل خصلاتها بأنامله و في لحظة عاد يقبلها بقوة عن ذي قبل و يتقد.م بها إلي خارج المطبخ و هي كالتائهة في ربوع مروجه الساحرة، لمساته و همساته تأسر فؤادها و تسلب الوعي من لُبها.
توقف أمام الفراش و مد يديه بجرأة ليخلع عنها هذا الإسدال فاتسعت عيناه عند.ما رأي ما ترتديه أسفله، ثوب أبيض حريري مند.مج مع لون بشرتها الكريمي، يجسد منحنياتها حيث يمكنه رؤية معالم و قسمات جسدها و خصرها المنحوت مثل الساعة الرملية. فهو الآن يقف أمام أيقونة و آية من الجمال، تحركت تفاحة آد.م جراء ابتلاعه للعابه، و حين اقترب منها و أدركت وصولهما إلي ساعة الصفر لبدأ ملحمة قوية، تحمحمت و قالت:
– يا خبر أني نسيت أحط لك الواكل ثوانـ…
قاطعها بقبلة أفاض بها كل ما يشعر به للتو من العشق و الهيام، و عند.ما شعرت بملمس الفراش الناعم أسفل جسدها الممدد عليه همست إليه بدلال:
– الواكل يا سي بكر. أبتسم و مسح بلسانه علي شفته السفلي و يتأمل ملامحها الصارخة بالجمال فألقي عليها ارتجاله :
– دعِني ارتشف من عسل شفتيكِ
و ألقِ بي في عمق بحور عينيكِ
و أغمريني بالدفء بين نهديكِ. صمت و عند.ما وجدها إنها علي استعداد أردف:
– رددي ورايا يا قمري، اللَّهُمَّ چنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وچنِّبِ الشَّيْطَانَ ما رَزَقْتَنَا.
رددت الدعاء مباشرة و هنا توقف الحديث و بدأ قرع الطبول مُعلنة عن الحرب التي ستبدأ، أسلحتها قُبلات بمثابة رصاص متطاير و لمسات كتأثير قيظ الشمس الحارقة علي المحاربين في الصحراء فتجعلهم كالوحوش الثائرة في أرض المعركة، و آهات تنتهي برفع راية الاستسلام و بذلك أصبحت ملكاً له قلباً و قالباً و أنــ ــارت قمره لياليه المظلــ . ــمة كالسراج المُنير الذي يتوسط سماء الليل الحالكة.
ـــــــــــــــــــــــ
تُقد.م قد.م و تُأخر الأخرى قبل أن تولج إلي مكتبه لاسيما بعد سماعها صوته الثائر كالعاصفة الهوجاء، يوبخ أحدهم في الهاتف
-أنت هاتستعبط عليا و لا أي، فاكرني هاصدق الهبل ده كله، اسمعني لأن مش هاكرر كلامي تاني إلا و أنت عارف هاعمل فيك أي كويس.
…..
– تروح أنت و الرجالة تجيبوه من قفاه حتي لو لاقتوه نايم في حــ .
ــضن مراته تاخدوه و تجروه من قفاه علي أي مخزن و تخليه يقول مين اللي وراه و لو ما نطقش تليفون صغير و هتلاقيني عندك تسيب لي أنا المهمة دي، و ياريت ما أسمعش حسك غير لما تقولي كله تم يا باشا غير كده هايبقي مصيرك زيه بالظبط و أنت عارف لما سليم العقبي يحط حد في د.ماغه ممكن يعمل فيه اي.
كانت تقف تستمع و تراقب ملامحه الغاضبة، تراجعت خوفاً من التحدث أو التعامل معه و هو في تلك الحالة المرعبة، ألتفتت و اتجهت نحو الباب لتغادر، أوقفها بأمر و صوت جعل قد.ميها تسمرت في مكانها:
– أقفي عندك رايحة فين؟ ابتلعت ريقها بخوف و بتوجس اجابت:
– لاجيتك بتتحدت في التليفون جولت أچي لك في وجت تاني أحسن. ألقي الهاتف علي الأريكة الجلدية و سرعان تحولت ملامحه من الغضــ . ــب الكاسر إلي ابتسامة مُرعبة زادت من خوفها أكثر:
– أقفلي الباب و تعالي.
فعلت ما أمرها بها و عادت إليه بخطي وئيدة و تشعر بالبرودة تضــ . ـرب أطرافها من الخوف المسيطر عليها الآن.
أشار لها بإصبعه:
– قربي. اقتربت منه و تركت مسافة قليلة بينهما، كان هدوئه يرعبها حتي قطعه بقوله:
– لما اقولك قربي القرب ما يبقاش كده.
و قبل أن تسأله كان قد جذبها من يدها فارتطمت بصدره و هنا الوضع كان أقل ما يقال عنه مُخيف، تشعر بحرارة جسده الناتجة عن حالة الغضــ . ــب المسيطرة عليه و أنفاسه التي من فرط حرارتها كادت تحــر . ــق بشرتها الشاحبة، سألها بترقب و كل كلمة تخترق أذنيها:
-مش هتسأليني أي اللي مخليك عامل كده؟ رفعت كتفيها كدلالة علي عد.م المعرفة قائلة:
-أني ما بحبش أتدخل في حاچة ما تخصنيش عاد.
لوي شفتيه جانباً بابتسامة غامضة ثم أخبرها و هي ما زالت بين يديه:
– ده واحد كان من رجالتي و كنت مخليه من المسئولين علي حماية عمليات البيع اللي الدبان الأزرق ما يعرفش عنها حاجة، و المغفل كان فاكرني بثق فيه و فيهم كلهم ثقة عمياء ما يعرفش إن النفس اللي بيتنفسه بيكون عندي علم بيه، تخيلي كان بيشتغل لحساب لواحد من ألد أعدائي، علي أي حال هو اللي قرر مصيره ما يزعلش بقي لما أخليه عبرة لكل واحد يفكر بس في يوم من الأيام يقف ند لسليم العقبي.
ضــ . ـربات قلبها ارتفعت حتي شعرت إنه كاد يتوقف و ستكون نهايتها لا محالة، هيهات و أنتشلها من هذا الشعور حين أمرها:
– نسيني، نسيني اللي حصل يا بيبي.
فهمت ما يقصده فترددت عن فعل ما ينتظره و هذا بسبب رائحة عطره القوية و يشوبها رائحة السجائر مما أدي إلي ارتفاع الدوبامين لديها و شعورها بالرغبة في القيء أصبح في ذروته، لكن تلك النظرة القاتمة التي يحدقها بها الآن جعلتها تفعل ما يريد، بدأت بتقبيله و لم تمر سوي لحظات، ابتعدت فجأة و ركضت إلي أقرب حاوية مهملات و أفرغت ما بجوفها، جلس بجوارها و اخذ يمسد علي رأسها و أمسك بإحدى يديها:
– أتصلك بالدكتور؟
انتهت و اعتدلت ثم أخبرته:
– مفيش داعي، اللي حوصل ده من أعراض الحمل. فسألها مرة اخري باهتمام بالغ:
-يعني مفيش ضرر علي البيبي؟ رأت في عينيه مدي خوفه المبالغ علي ما بأحشائها، ردت و صوتها يبدو عليه الإعياء و الوهن:
– أطمن ولدك بخير، خايف عليه جوي إكده! أخذ يمسح قطرات العرق من علي وجهها و إذا به يفاجئها بالقول الحاد و التهديد المرعب:
– ما أنا قولتلك قبل كده يا بيبي، حياة إبني اللي في بطنك في كفة، و حياتك أنتي و كل اللي تعرفيهم واحد واحد في كفة تانية، Take care يا بيبي Take care.
يكفيها إرهاباً و حرب الأعصاب التي تد.مرها ببطيء شديد فسألته:
– أنت بعت لي ليه، فيه حاچة؟ أستند بجبهته علي خاصتها و قال لها:
– كنت هقولك جهزي نفسك عشان مسافرين بكرة. تذكرت أمر ما تخفيه في مكنونها فأخبرته:
– ممكن تأچل السفر لحد ما أبجي زينة، أديك شوفت اللي بيحوصل معاي. فكر بالأمر ملياً و تذكر نصائح الطبيب من اجل سلامتها و سلامة الجنين و هي الراحة ثم الراحة:
– أوك، نأجله بعد ما تعدي التلات شهور و بعد كده نسافر بالطيارة.
تنفست الصعداء بعد.ما وافق علي طلبها فوجدت أن الفرصة تلك لا تتكرر، فأخبرته بما تريد:
– كنت رايدة منك طلب لو سمحت يعني. أبتسم و قال:
– أطلبي. ازدردت ريقها و تخشي الرفض:
-أني كنت رايدة أتابع ويا دكتور أو دكتورة أطمن علي صحتي و علي ولدك. رفع إحدى حاجبيه و أخبرها:
-أنا هحجزلك عند إستشاري نسا و ولادة بس استني هاظبط أموري عشان هاجي معاكي. ابتسمت لتخفي توترها و قالت:
– خليك أنت، أني هاخد ريهام صاحبتي أحسن، المشاوير دي بتبجي عايزة حريم.
تصنع التفكير ثم تنهد و قال لها:
– أوك موافق، بس علي شرط السكيورتي هيبقو معاكم. نظرت إليه و تومأ له بنعم فبادلها بنظرة لم تستشف منها ما بداخله أو ما يدور برأسه و هذا أكثر ما يربكها و يجعلها تتراجع عن قرارها الذي ستقد.م عليه.