_ في منطقة نائية خارج النجع تشبه الصحراء توقف رافع بسيارته ذات الدفع الرباعي ومن الطراز القديم، ترجل منها آمراً رجاله:
_ يلا هم منك ليه وأحفرو أهنه بسرعة. قال دبيكي:
_ أمرك يا كبير. أخرج سيجارة وقداحة من جيب جلبابه ليشعلها، دلف برأسه إلي داخل السيارة ليجده ما زال يرتجف ويبكي في مكانه.
_ واه، لساتك عتبكي كيف النساوين، ما خلوصنا بجي، الرچالة بيحفرو وهنتاويها لامن شاف ولا من دري، أي لازمته حرجة الد.م الي عايش فيها دي عاد.
رد زكريا من بين بكائه:
_ يا أخي أرحمني، خابر الي سويته!، أني جتلتها، جتلتها.
صرخ بها، قفز الآخر بجواره ليوبخه:
_ أكتم الله يحرجك عتفضحنا، علي رأي المثل ما شوفهمش وهم بيسرجو، خد السوچارة دي وأنت هاتروج. أخذها وألقاها بعنــ . ــف من النافذة:
_ معوزاش حاچة، وأنزل وهملني لحالي. قهقه رافع بسخـ ــريه، لم يهتم لحالة إبن عمته فهو معتاد علي تلك الأمور وقلبه من فولاذ لايتأثر بقــ . ـــتل نفس أو بغيرها.
_ خلاص بعد ما الرچالة تخلص تعالي نطلعو علي الكباريه نجضي ليلة عنب ويا النسوان الي كيف المهلبية هناك، عينسوك إسمك واصل.
أتي صوت دبيكي في الخارج:
_ خلصنا حفر يا كبير. أخرج رأسه وقال لهما:
_ خدو الحاچة من الصندوج وتوها بسرعة. وحين فتح الرجال صندوق السيارة لأخذ جـ . ــثه ورد الملقاه بداخل زكيبة من الخيش ومغلقة بحبل غليظ، ألتف زكريا برأسه ليلقي عليها نظرة أخيرة يقول في نفسه:
_ سامحيني يا ورد، سامحيني.
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يتمدد علي الأريكة منذ البارحة، فبعد أن طلبت منه إنتظارها بعد إنهاء فقرتها، عادت لتجده ثمل كثيراً ولم يعِي إلي أي شئ من حوله، شعرت نحوه بالشفقة فأخذته معها إلي منزلها وأسنده حارسها ودلف به إلي الداخل فوضعه أعلي الأريكة ورحل.
سطع ضوء شمس الظهيرة فتسلل الشرفة وتسلط علي عينيه، فتحهما ببطئ ونهض جالساً يضغط علي أعلي أنفه بإبهامه وسبابته، يداهمه ألم الرأس بسبب ما أحتساه البارحة من الخمر. جال بعينيه متعجباً من المكان حوله، فوجدها قاد.مة إليها تحمل صينية كبيرة عليها أطباق من الطعام الذي أعدته للتو.
_ صباح النور يا لول، ناموسيتك كحولي.
رفع عينيه ليجد تلك الجميلة، ترتدي عباءة قطنية تصف منحنياتها بدقة تصل إلي ركبتيها وتكشف عن زراعيها، وقفت أمامه لتضع الصينية علي الطاولة أمامه، حك فروة رأسه يحاول أن يستعيد ذاكرته فقال:
_ أنا فين؟ وأنتي مين؟. أطلقت ضحكتها التي لاتفارقها وقالت:
_ ليك حق متفتكرش يا قمر، أصلك كنت سكران طينه ليلة إمبارح وصعبت عليا فجبتك هنا عندي، أنا ياسيدي أبقي سمر وشهرتي في الكباريه والمجال سماره، وأنت في شقتي المتواضعة الي مدخلهاش راجل غيرك أنت والبودي جارد بتاعي وسي زيكو جوزي.
عقد مابين حاجبيه:
_ جوزك!. أبتسمت حتي ظهرت أسنانها ناصعة البياض:
_ أيوه جوزي، بس عرفي أصله ملهوش في الرسمي، وأنا مليش في الحـ ـرام فشرطت عليه نكتب حتي ورقتين عرفي، أومال أي يا أخويا، الشمال أخرته وحشه وأنا ست دوغري وليا سمعتي، والواحده فينا ليها أي غير سمعتها وشرفها. ضحك علي من كلماتها وأسلوبها العفوي، فأردفت:
_ آراك بتضحك علي كلامي ياسي لول، هو أنا كنت بقولك نكت ولا أي؟. _ لاء لاسمح الله، أنا بس عجبني مبدأك وطريقة تفكيرك، واضح إنك طيبة خالص وغلبانة.
شهقت وهي تتشدق:
_ ها، أي غلبانة دي، شايفني قاعده علي باب الجــ ـامع بشحت وبقول لله يا محسنين. قهقه وقال بإستنكار:
_ لاء والله ما قصدي، أنا كل الي أقصده إنك جدعة وبنت بلد، مهونتش عليكي تسبيني سكران وجبتيني علي بيتك وبتضايفيني وأنتي متعرفيش عني غير أسمي بس. _ هو أنا مقولتلكش!، أنا خليت الواد تايسون جابلي تاريخ حياتك كله وبعدين أنا ليا نظرة في الي أدامي متخيبش أبداً، أول ما شوفتك قولت الولاه ده إبن ناس وطيب وشكله مجروح جامد وحكايته كبيره وراها واحدة ست.
تبدلت ملامحه من الضحك إلي الضيق، فنهض وبحث عن متعلقاته:
_ طيب يا مدام سمر، أحب أشكرك علي جدعنتك معايا، معلش أستأذنك بقي يا دوب أروح وأغير وهطلع علي الشغل. _ أي ده يقطــ . ــعني، شكلي عكيت في الكلام ولا أي، حقك عليا، أقعد بس كولك لقمة ده أنا عملالك أكل هتاكل صوابعك وراه، أمي طول عمرها تقولي بت ياسمر ده الي هيتجوزك هيمــ . ــوت فيكي بسبب أكلك بس. أومأ لها بإحراج يحك ذقنه:
_ معلش خليها مرة تانية، وأنا الي هعزمك.
رأت إصراره علي الذهاب فقالت:
_ علي راحتك يا سي علي، البيت بيتك وأهلاً بيك في أي وقت، وأبقي أسأل عليا. _ حاضر.
_ طيب خليك عندك ثواني وجاية. دلفت إلي غرفتها، وهو أخذ أشياءه من فوق الطاولة وهم بالذهاب.
_ أتفضل.
جاءت إليه تحمل بطاقة ورقية:
_ ده الكارت بتاعي علي كل أرقام تليفوناتي. أخذه منها و وضعه في جيب سترته:
_ خدي بالك من نفسك، سلام. ذهب، سارت خلفه لتغلق الباب خلفه، تنهدت وأسندت ظهرها عليه:
_ الله يسلمك يا سي علي.
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وقفت الخالة هنادي أمام منزل خميس القناوي، طرقت الباب، فتحت لها زينب فكانت في إنتظارها حيث هاتفتها وطلبت منها المجيئ لإخبارها بأمر هام.
_ يا أهلاً ومرحب بيكي يا خالة.
قالتها زينب وعانقتها بترحاب وحبور _ حمدالله علي سلامتك يا غالية، كنت هاتچنن عليكي لما سمعت بالي چري وياكي. أمسكت زينب بيدها وهي تنظر في أرجاء المنزل فقالت:
_ تعالي چوه في أوضتي نجعدو ونتــ. ــحدتو علي راحتنا.
وبعد أن دلفت الخالة إلي غرفتها قامت الأخري بمضايفتها ثم جلست معها وبدأت تتحدث:
_ معلش يا خالة عارفة أني مجصره وياكي أنتي وعمي چابر، ربنا عالم الي كنت فيه الأيام الي فاتت. ربتت عليها الخالة:
_ عارفة يا بتي وعذراكي، دي أني كان جلبي واكلني عليكي لما عرفت الي حوصل معاكي وآخرها إنه أنكتب كتابك علي الراچل إياه غصب عنك ، الله يسامحه أخوكي ويهديه. تنهدت زينب وقالت:
_ يارب، ماكنش بيدي يا خالة، هربت منيهم لآخر الدنيا ووصلو ليا وهددوني يا أرچع وياهم ويعجد عليا يا إما يأذو الناس الي كنت حداهم ويجتل فارس.
شهقت هنادي وضــ . ـربت علي صدرها:
_ الله يحرجهم ما كفهمش رميتو في السچن وبهدلته!، عايزين منيه أي تاني، ربنا علي الظالم والمفتري. _ ما أني لأچل إكده جولتلك تعالي، بالله عليكي يا خالة إياك فارس يعرف أني أتچوزت مين، وأكدي علي عم چابر، هو بالتأكيد هيعرف لكن متجولوهوش مين هو، سليم الزفت دي راچل خطير جوي وليه سلطة ونفوذ ملهمش حدود، خايفه فارس لما يخرچ من السچن بإذن الله ويعرف يسوي حاچة إكده ولا إكده والتاني المحروج ما هيصدج يمسك له غلطة ويتخلص منيه.
زفرت بحزن وبعينين يملؤها الآسي والشفقة قالت الخالة:
_ وأي الي رماكي في طريج الشيـ . ـطان دي يابتي. _ النصيب يا خالة، نصيبي يكون أخوي رافع، ويچيلي من وراه وجع وقهرت جلبي. _ ربنا يبعد عنك كل شر ويخلصك منيه ويچمعك بفارس ويبعد عنكو ولاد الحـ ـرام. رددت زينب وعينيها تنظر نحو النافذة شاردة في السماء:
_ آمين، زيدي من دعواتك يا خالة، وأدعيلي بالصبر جبل ما أتچن. _ چن ما يلهف كل عدوينك والي يأذيكي يابتي، بعد الشر عليكي، خلي توكلك علي الله وبإذن الله هيسعد جلبك أنتي وفارس ولد زهرة يارب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الهاتف ربما يكون مغلقاً أو غير متاح، هذه رسالة مسجلة.
تلك المرة المائة التي يسمعها عند مهاتفته لها، يريد سماع صوتها والإطمئنان عليها، لم يتجرأ بالتحدث إلي إحدي والديها، يخشي من ما سيتلقاه من كلمات ستزيده ألماً أكثر من مايشعر به. طرق الباب ودلف زميله وصديقه طارق قائلاً:
_ فاضي ولا أجيلك في وقت تاني؟. أشار له وقال:
_ تعالي يا طارق، أنا كنت لسه هجيلك أصلاً. جلس طارق أمام مكتب الآخر يحملق في ملامح صديقه المهمومة والمليئة بالحزن والآسي.
_ مالك يابني في أي بقالك فترة مهموم ومبتتكلمش، هو فيه حاجة عندك حصلت، المدام ولارا كويسين؟.
من طباع أكرم الكتمان لايحب أن يحكي ما بداخله لأحد، فقال بإقتضاب:
_ بخير الحمدلله. _ أومال مالك، لو شوفت شكلك بقي عامل إزاي هاتعرف أنا قصدي أي. تنهد أكرم بحزن دفين، فتذكر الأمر الذي يريده من صديقه فسأله:
_ أنا كنت عايز أسألك عن صاحبك الي اسمه علي الحسيني. رمقه بتساؤل:
_ هو فيه حاجة ولا أي؟ . أجاب محاولاً أن لايظهر ضغينته:
_ كنت عايز أعمل معاه واجب، أردله وقفته معانا في الساحل.
_ يعني أنت قعدت يومين علي بعض حتي، ده أنا أستغربت لما رجعت فجاءة، علي العموم ياسيدي علي ده شاب جدع جداً وطيب بعد ما أتخرج من الجــ ـامعة سافر بره إيطاليا تبع شركة منتجات تجميل صاحبتها أتعرفت عليه من خلال رحلة ليها هنا في مصر، بعتتلو وسافرلها ماسكته إدارة الشركة الي قدر يكبرها لها وفتحو فروع كتير، فجاءة تعبت وعرفت إنها مريضة لوكيميا مرحلة متأخرة، مكنش ليها حد غير علي الي كان زي أخوها برغم إنها عرضت عليه الجواز بس هو رفض لأنه بيحب واحدة تانية ومش قادر يتجوز ولايحب غيرها.
أنتبه أكرم لتلك الجملة الأخيرة فجز علي فكه بقوة وعروق عنقه برزت بشدة، أكمل إنصاته إلي طارق:
_ المهم لما ماتت أكتشف من المحامي بتاعها إنها كتبت له كل ممتلكاتها بإسمه، قعد فترة هناك عقبال ماصفي الشركة وفروعها كلها ورجع مصر، وزي ماعرفت كده داخل شريك بنسبة أسهم 70٪ في القرية الي نزلته فيها، ده غير الشركة الي ماسك إدارتها حالياً أشتري أسهمها بالكامل، بتهيألي الشركة دي الي بتشتغل فيها مدام ندي. تفوه أكرم من بين أسنانه بإستنكار:
_ كانت بتشتغل فيها.
رمقه طارق بإستفهام:
_ أوعي تكون أنت الي خلتها تسيب الشغل، أصل أنا عرفك لما بتطلع حاجه في د.ماغك لازم تنفذها. _ هي الي سابت الشغل من نفسها، قالتلي عايزه تتفرغ لتربية البنت. _ والله وحشاني الكتكوته الشقيه، ماتجبيهم وتعالو قضو معانا يوم، المدام كل شويه تسألني عليكو حتي الأولاد، مازن إبني بيقولي يا بابي قول لأونكل أكرم يدينا لارا تعيش معانا. إبتسم أكرم وقال:
_ قولو متغلاش عليك يا حبيب عمو، ده أنا أجبهالك لحد عندك بشنطة هدومها.
_ ربنا يخليهالكو وتفرحو بيها، شوفت كنت هتنسيني جايلك في أي، لسه عارف لك أخبار طازه، سليم العقبي. أنتبه أكرم بكل حواسه، فمشاكله العائلية جعلته يغفل أمر هذا المجرم الذي يترصد له كل تحركاته حتي يوقعه ويزج به في السجــ . ــن. _ البيه كتب كتابه علي بنت من نجع في محافظة قنا، وبعد فرحه هياخدها ويسافرو علي أمريكا، تحديداً في ولاية لاس فيجاس. عقب أكرم قائلاً:
_ وإشمعنا لاس فيجاس، مش هيروح كاليفورنيا زي كل مرة ليه؟.
أجاب طارق بتفكير:
_ ما هو ده المغزي، كل أعماله وبلاويه في كاليفورنيا، ومعني إنه هيغير خط سيره المرة دي في ولاية جديدة يبقي ليه مصلحة فيها، خاصة لاس فيجاس مشهورة بالكازينوهات وعصابات المافيا والسـ . لاح والقمار والدعارة، ومليون في الميه عنده صفقة من إياهم. أطلق زفرة عميقة وقال:
_ والله يا طارق أنا د.ماغي واقفه حالياً، والي بتتكلم فيه ده موال كبير والأنتربول علي يدك آخر مرة شال إيده ومرضوش يساعدونا إننا نمسكه متلبس، وطلع إن فيه حد فيهم شغال لحساب الطرف التاني شريك سليم وبيبلغهم بكل تحركاتنا.
حدجه طارق بدهشة متعجباً:
_ غريبة، ده أنا قولت هتتحمس أكتر لما أقولك وهنفكر مع بعض هنعمل أي، خاصة ياسر مدكور واخد أجازة مرضي، كان في مهمة بيقبـ . ــض علي شوية عيال ديلرز فواحد منهم كان ليه تار عنده أداله بالحديده علي قصبة رجله عمله كسر مضاعف. تنهد وقال:
_ اللهم لاشماته، من أعمالكم سلط عليكم. نهض طارق ونظر في ساعة هاتفه:
_ أسيبك أنا يا أبو المكارم، أصلي هخلع بدري عشان رايحين أنا والمدام والأولاد نزور حماتي، عايز مني حاجة قبل ما أمشي؟.
أبتسم له:
_ تسلم يا طروق. ذهب طارق وترك الآخر في براثن أفكاره، يمسك بالقلم ويدون في ورقة ما علمه عن علي الحسيني. _ مبقاش أكرم عمران لو ما مخلتكش تيجي تبوس رجلي عشان أرحمك يا علي الكلـ. .ب.
#الفصل_الخامس_عشر
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_ يقود سيارته ويستمع إلي إحدي الأغاني بإستمتاع ويردد معها، توقف أمام متجر لبيع الورود وأشتري باقة كبيرة من الچوري الأحمر، وأنطلق مرة أخري حتي توقف أمام محل لبيع الحلويات والشيكولاتة فأشتري قالب حلوي كبير وأوصي البائع بكتابة عبارة المعايدة بإسمها، فهذا اليوم عيد مولدها كان علي علم به من بطاقتها الشخصية، وأراد أن يفاجئها بإحتفال صغير.
وقبل أن يذهب إلي المنزل ذهب إلي متجر المجوهرات و أشتري لها سلسلة من الذهب الأبيض يتوسطها دلايه من الماس علي شكل قلب.
وصل أخيراً أمام البناء ويحمل الباقة والقالب والبسمة لا تفارقه، متشوق لرؤية وجهها عند.ما يُهديها هديته ويهنئها بعيد مولدها.
لكن تأتي الرياح بما لاتشتهي السفن، لم تتم فرحته، فحين خرج من المصعد وجد باب شقته مفتوحاً ومكان المفتاح مكسوراً أو مهشماً تماماً. تسمر في مكانه يدرك ما قد حدث، فجاء في ذهنه أمر آخر، يخشي أن هناك لصوص أقتحمو المنزل وقامو بأذيتها، دلف وألقي ما بيديه وأخذ ينادي عليها والخوف يتملك قلبه:
_ سمية، سمية.
لا إجابة
ركض في كل الأرجاء باحثاً عنها، لاحظ أول شئ أن المنزل مرتب وليس به آثار إعتداء، قام بمهاتفة حارس العقار الذي أجاب عليه وأخبره إنه لايعلم شيئاً فاليوم غادر مبكراً وأتي بدلاً منه شقيقه الأصغر فأوصله به وكانت أجابته أيضاً إنه لايعلم شيئاً فلربما غادرت المبني وهو كان في المرحاض.
زفر بغضــ . ــب عارم يردد الكثير من اللعنات، جلس علي الأريكة ليفكر كيف سيبحث عنها، فأنتبه إلي ورقة أعلي الطاولة فوقها قطعة ديكور خزفية، جذب الورقة ليجدها رسالة قد تركتها له قبل أن تهرب، فكان محتواها كالآتي:
_أولاً حبيت أتشكرك علي حسن معاملتلك ليا وكرمك معاي ده غير إنك أنقذتني من الشيـ .
ـطان صاحبك، عشان إكده هملتلك چواب لأچل أطمنك علي أني بخير، ماريداش تكون زعلت مني بسبب أني كسرتلك الكالون وهربت، جعدتي وياك ملهاش لازمة بعد ما لاجيتو زينب وصاحبك كتب عليها، ماتستغربش أني عرفت من اللاب توب بتاعك الي نسيته في أوضتك والي عرفت منيه كيف أكسر كالون الباب المصفح ، وبعتذر مرة تانية أني فتحته من غير علمك وشوفت رسالة علي الماسنچر كان بعتهالك المخفي سليم بيأكد عليك تستناه ويا المأذون في القصر، ربنا ينچي زينب منيه ومايلحج يتهني ويدوسه جطر يهرس چتته حتت وبدل ما يدخل دنيا يدخل چهنم وبئس المصير، معلش بجي متزعلش من كلامي عليه أصلي مغلولة
منيه جوي جوي ولد الفرطوش من الي سواه فيه.
وجبل ما انهي كلامي عايزة أجولك إن أحلي أيام جضتها حداك بس يا خسارة أني مابحبش الحبسة و معرفاش ليه مكنتش عايز تهملني.
وفي الختام أتمني لك كل خير وربنا يتوب عليك من شغلك مع سليم وتشتغل ويا ناس أنضف وأحسن لأنك چدع وچواك طيب وزين.
يلا كفاية إكده الجلم شكله عيشطب ومفيش غيره.
آه صح نسيت أجولك بلاش تدور عليا لأنك ماهتلاجنيش واصل ولا عند أبوي ولا خالة أمي الي في سوهاچ.
سلام يا صلاح بيه، جصدي يا صلاح وبس.
_ ظل يقرأ الرسالة أكثر من مرة ف تارة يضحك من كلماتها وتارة يعتريه الغضــ . ــب كلما يتذكر إنها هربت.
نهض وترك الرسالة في مكانها علي الطاولة، أخذ يفكر كيف سيبحث عنها وأين يجدها، وعند.ما عجز عن التفكير أمسك بباقة الورود وألقاها بكل قوته علي الأرض و قام بدهسها، غادر منزله وهبط إلي الحارس وطلب منه إحضار النجار لتصليح الباب، بينما هو أستقل سيارته ليتجول في الشوارع لعله يجدها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــ
_ و ها قد جاء يوم ترحيل فارس إلي النيابة العامة، فمازال محاميه الجديد يبحث عن أي ثغرة أو شاهد يشهد في صالحه لكن لا جدوي وكأن الأبواب موصدة بأقفال يستحيل فتحها.
تُحلق الطيور في كبد السماء متجهة إلي أعشاشها الواهنة ، فالشمس أنذرتهم بالمغادرة وهي تلملم أشعاتها الذهبية، فتنعكس حُمرة الشفق علي عيون بللون الغيوم المُلبدة، تراقب السرب المُحلق من بين قضبان نافذة شاحنة الترحيلات، بداخلها الظالم والمظلوم ولكل منهم حكاية، ومن بينهم هذا الذي ما يزال يحدج في الخارج من النافذة، يستمع لإحدهم وهو يغني بكلمات قد زادت علي جرح فؤاده أكثر ليزداد النزيف ويذرف القلب د.ماء الحزن والشجن.
_ آه يابا… آه يابا
ليه سبتني يابا في وسط الدنيا الغابة
تفتكر الي من د.مك حبايب ويطلعو ضباع وديابة
عاشق بس الزمن رماني بكل قسوته في النــ ــار
إكمن قلبي الطيب مديله الأمان ونسيت إنه غدار
آه يابا… آه يابا يبدو إحدهم قد مل وتملك منه الإنزعاج المنبلج علي ملامحه الإجرامية، فصاح فيمن يُغني:
_ ما كفايه إكده يا أبو عمو، مش ناجصين ولوله وعويل عاد. صمت الذي يغني وقال له بتهكم:
_ لو مش عايز تسمع يا بلدينا عندك صوابع يدك حطها في ودانك.
حدجه الآخر بشرٍ وبتهديد قال:
_ ما أنا بدل ما أحط صوابعي في وداني أرشجها في خشمك وأطلع حنچرتك في يدي! . أندفع نحوه في وضع الهجوم لكن دفعه العسكري يصيح فيهما:
_ چري أي منك ليه؟ ، جسماً بالله لو ما أتلميتو لأفرغ رصاص البندجية ده فيكم چتكم البلا. أجاب الشخص الأول:
_ د.ماغنا مصدعه والباشا مفِكر إننا في رحلة مش رايحين نتعرضو علي النيابة. _ واه! ، ما خُلصنا يا جنيدي، وخليك في حالك.
عاد هذا الجنيدي بجوار المُكبل معه يتأفف من الضجر، فوقف بجواره وقال:
_ أنت يا أبو عمو، شايفك عتبحلج من الشُباك و واجف أكتر من ساعة، شكل حكايتك واعرة جوي. ألتفت له و نظر إليه بصمت ثم عاد ببصره نحو النافذة بدون أن ينبس بحرف واحد، فأردف الآخر بضيق:
_ بس أني خابرك زين، شكلك واد ناس مش وش إچرام عاد. تنهد وأستدار له قائلاً بسخـ ــرية:
_ وعتفرج أي، واد ناس ولا ولد غلابة، أني في نظر الجانون تاچر مخدـ . ـرات، دليل وشهود وأديني مترحل علي النيابة.
تعجب الآخر وقال:
_ واه يا أبوي! ، تاچر مخدـ . ـرات مرة واحدة! ، طب لافيني سوجارة وحياة أبوك، صاحبك خرمان و ولد الصرمة الي كان بيغني هناك ده چابلي صداع في نفوخي . أرتفعت شفتيه بسأم وقال:
_ مليش في الدخان. رمقه عاقداً حاجبيه بسخط فقال:
_ عچيبة، ملكش في الدخان وتاچر مخدـ . ـرات ده حتي عيبة في حجك يا چدع، ولا كيف ما بيجول المثل باب النچار مخلع. أجاب بأقتضاب وبدأ ينبلج علي ملامحه الملل:
_ مبحبش السچاير.
لم يكُف عن طرح أسألته المزعجة:
_ مجولتليش إسمك أي؟. زفر وأخذ يستغفر ربه في نفسه، فأجاب:
_ فارس، في أي أسئلة تاني يا أخ….. قاطعه قائلاً بإبتسامة سمجة:
_ چنيدي، محسوبك چنيدي الدوكش.
جلس فارس بعد أن شعر بالتعب من الوقوف، فتبعه چنيدي وجلس بجواره ليكمل ثرثرته:
_ أني خابر إنك مش طايجني، بس أني أستريحتلك لله في لله، أصل صاحبك خبرة وبعرف الواحد كيف هو من نظرة واحدة، عندك مثلاً الي جاعد هناك.
أشار نحو الجالس مقابلهما وأردف:
_ ده تهمته الجتل، أني عارفه أصله من عيلة أبو حطب كان حداهم تار من عيلة چبلاوي، و ولد البومة وهو بياخد بتاره، كان معدي مأمور القسم بتاع بلدهم چت الرصاصة فيه و ملحجش التاني يهروب والعساكر جبصته من جفاه.
_ و الي هناك ده تجدر تجول عليه خُط الصعيد، كان عايش في الچبل ويا المطاريد ولما الحكومة طاردتهم هو والي معاه، أتدلي علي بلد و دخل بيت عيلة وجتل كل الي فيه رچالة وحريم حتي معتجش الأطفال، وأجطع دراعي لو كان الواد ده بيشرب أو مچذوب. رد فارس بسخـ ــرية معقباً علي حديثه:
_ وليه متجولش إنه شيطان والإچرام بيچري في د.مه. ضحك الآخر قائلاً:
_ الشيـ . ـطان جاعد هناك علي شمالك، خابر ده تهمته أي؟.
نظر له منتظراً فأردف:
_ الله يحرجه كان عاشج مرات أخوه الكبير، وهي طلعت مره خاينة وخسيسة إتفجت وياه يجتل أخوه ويمثلو إنه مات في حـ .ــادثة قضاء وقدر، يجوم ربك كاشف سترهم والواد الصغير إبنها كان سامعهم وفتن عليهم للبوليس لما راحو يحججو، دنيا غداره ومتچيكش الضــ . ـربه غير من الأجرب ليك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ربما تكن مصادفة من القدر فاليوم الذي رحل فيه فارس عن النجع هو ذاته يوم زفافها، تجلس في غرفتها ومن حولها فريق من الفتيات جلبهن سليم إليها من أكبر مراكز التجميل حتي يزينن عروسه، فكانت في عالم آخر لم تشعر بما يحدث معها ومن حولها، عينيها ثابتة نحو الفراغ كالمــ . ــوتي، إحساسها كان كالذي يعدونه لتنفيذ حكم الأعدام وليس إلي حفل زفافها.
وفي الخارج تطلق نوارة الزغاريد تحمل مع النسوة صواني الطعام ويعطونها إلي رجال رافع ليذهبوا بها إلي داخل السرادق المنصوبة أمام المنزل حيث يتجمع رجال أهل النجع ويأكلون الفتة واللحم ويباركون لرافع ويهنئونه هو وسليم العريس الذي يقف بكل هيبته ومن خلفه يقف أربعه من رجال حراسته، يرتدي حُلته السوداء وفوقها عباءة سوداء مطرزة أطرافها بشريط ذهبي، أهداه رافع إياه وأخبره بإرتدائها فهذه عادات وتقاليد أسرتهم.
تعالت الأغاني من السماعات المنتشرة في كل مكان، أغاني من الفلكلور الصعيدي وبعض من أغاني المهرجانات يصاحبها أصوات زغاريد وتهليلات النساء.
وهناك فروع المصابيح الملونة تتخلل جميع الشوارع والحواري.
أقترب سليم من أذن رافع :
_ أي الأخبار يا رافع، وقفت الرجالة علي مداخل ومخارج النجع زي ما قولتلك؟. أجاب الآخر:
_ حوصل يا عريس، أطمن مفيش دبانه تجدر تخرچ ولا تدخل من غير ماتمر علي الرچالة، إلا جولي محدش شافلك جرايب ولا معارف چم يباركولك، ولا أنت ما عزمتش حد منيهم؟. أرتسم إبتسامة مصتنعة قائلاً:
_ عايزني أعزم رجال أعمال وصفوة المجتمع في فرح جوه نجع في الصعيد الجواني!. حدجه رافع بإمتعاض وسـ . خط:
_ مش أد المجام ولا أي عاد!.
_ لاء يا رافع الحكاية مش كده، أنا كنت ناوي نعمل الفرح في القاهرة في أكبر وأرقي الفنادق، وأنت و والدك أصريته نعمل الفرح عندكو في النجع والناس الي أعرفها مبتروحش أفراح في شوارع وشوادر، وكلها ساعتين وهاخد أختك وهنمشي عشان مسافرين. _ ما كان علي يدك الي حوصل، هروبها جلب الدنيا وخلي الي يسوي وميسواش يتحدت ويچيب في سيرتها فلازماً كنا نعملو الفرح أهنه ويحضرو كل كلـ. .ب منيهم، خلي خشمهم يتكتم، وأديك شايف جاعدين علي الأكل نازلين فيه كيف المنشار بالسم الهاري علي چتتهم.
ضحك سليم من حديث رافع ومدي كراهيته لمن حوله.
وجاء إحدي رجال رافع ليخبره بأنهم أنتهو من تزين العروس، فقال رافع لسليم:
_ عن أذنك يا عريس هاروح أچيب لك عروستك. تعالت الزغاريد وموسيقي المزمار فبدأت مراسم الزفاف، وقف رافع أمامها يبتسم قائلاً:
_ أعطيني يدك يا عروسة لأچل أزفك لعريسك. رمقته بإزدراء في صمت، و وضعت يدها علي ساعده، دنا من أذنها وقال:
_ أفردي خلجتك كل الناس عتبحلج فيكي، كفياهم حديت عنك. أجابت بوجه متجهم:
_ لو ماعچبكش خلجتي أنت والبيه بتاعك يبجي تفضو كل حاچة وكل واحد يروح لحاله.
لكزها بمرفقه في كتفها:
_ طب لمي لسانك بدل ما ألمك، أستحليتي الفضايح والچورس، وحياة أبوكي ما هعديلك الي سويتيه ده، أبجي أستلجي وعدك. وقفت في مكانها ورمقته وبداخلها يتأكلها الخوف من ما قاله لها:
_ تجصد أي بالحديت دي؟. كان يبتسم إلي المعازيم، فقال لها:
_ كل حاچة هاتعرفيها في وجتها.
_ ألف مبروك يا عروسة.
قالها سليم التي لم تنتبه لوقوفه أمامها، يبتسم لها لكنها تري إبتسامته ليست سوي تعبير يدل إنه يخبرها بإنها أخيراً وقعت بين يديه و دلفت إلي عرينه التي لم تخرج منه أبداً.
لكزها رافع في خصرها يدفعها نحو سليم:
_ واجفة ليه إكده، ما تمسكي بيد عريسك. أطلقت النساء الزغاريد وتهليلات المباركة، وقف رافع أمام العروسين وأخرج سـ . لاحه ورفعه لأعلي وأطلق الأعيرة النــ ــارية في الهواء ليتبعه رجاله ورجال سليم بالإطلاق أيضاً.
ذهبت الفتيات والنساء إلي زينب يباركن لها و تقوم نوارة بنثر ذرات الملح في الهواء وتردد ذكر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وعبارات تحصين من الأعين الحاسدة. أقترب خميس من إبنته وشبه إبتسامه علي وجهه، أحتضنها بحنان:
_ ألف مبروك يابتي، ربنا يسعدك ويهنيكي، خدي بالك من نفسك ومن چوزك الي يجولك عليه سويه تكسبي راحة بالك.
حاولت منع عينيها من البكاء، فقالت له:
_ هاتوحشني يابا جوي.
وأرتمت علي صدره، فربت عليها:
_ لاء يا جلب أبوكي، ماتبكيش الله يرضي عليكي.
جاء صوت والدتها من خلف أبيها:
_ حقك عليا يابتي، سامحينا أنا وأبوكي، أديكي كيف ما أنتي شايفة مكنش بيدنا حاچة، كل الي طلباه منكي أنك تحاولي تتعايشي مع چوزك وأتجي شره. أومأت لها زينب وهي تشعر بالخزي من أهلها، يلقون بها إلي الهلاك ويطلبون منها أن تتحمل فكيف هذا!.
ــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــ