روايات

فارس بلا مأوى بقلم ولاء رفعت الجزء الأول

_ زين جوي. أوقفت سعاد سيارة أجرة وأخبرت السائق بعنوان الدجال التي أخبرتها به جارتها، كان في قرية نائية يسودها الجهل والفقر، يسيطر فيها هذا الدجال علي سكانها بالخرافات والشعوذة مستخد.م السحر والنصب غالباً. وبعد مرور وقت وصلت السيارة أمام منزل ينقبـ . ــض منه صدرك بمجرد النظر إليه من أول وهلة، ترجلت سعاد وإبنتها التي تشبثت بخوف بها:
_ أنا خايفة ياماه ومش مطمنه واصل. قالت سعاد وهي تجذبها من يدها:
_ أچمدي يابت وماتبجيش كيف العيل الصغير، وأهه علي يدك روحنا لكذا حكيم وحكيمة وكلاتهم جالو لك مافيكيش حاچة تمنع أنك تحبلي، يبجي العيب منين بجي!.

_ جصدك سي رافع؟. _ هو ليكي چوز غيره!، أمــ . ــوت وأعرف ماله رافض يحلل ليه إلا وإذا فيه حاچة ومخبي عليكي، و خالتك وچوزها ملهمش كلمة عليه. صاحت نوارة:
_ تفي من خشمك ياماه، سي رافع راچل ولا سيد الرچالة، لسه ربنا مش رايد أحبل دلوق. دفعتها والدتها بحنق وقالت:
_ يلا يا حيلة أمك قدامي بدل ما أولع فيكي وأرتاح منك. وبالداخل توجد ردهة كبيرة لإستقبال زوار هذا الدجال، أغلبهم من النساء، كل منهن تنتظر دورها لايعلمن أن مايفعلونه من اللجوء لهذا الساحر المشعوذ هو من أكبر الذنوب والخطايا، التي تُعد شركاً بالمولي عز وجل.

وقفت سعاد أمام مكتب صغير تجلس خلفه سيدة ترتدي عباءة و حجاب لونهما أسود، قالت لها:
_ أؤمري يا حاجة. أجابت سعاد:
_ الأمر لله يابتي، أنا الي أتحدت وياكي في المحمول إمبارح وحچزت بإسم نوارة بتي. قالت السيدة:
_ أيوه حضرتك الحاجة سعاد، أتفضلي أستريحي أنتي وبنتك، أدامكو حالتين وأنتو بعديهم، بس تدفعو قبل ما تتدخلو. _ كام يابتي؟. رمقت السيدة نوارة بتفحص فوجدت مظهرها مهند.ماً وتبدو ميسورة الحال، فقالت بمكر:
_ ألف جنيه.

أخرجت نوارة من حقيبتها المبلغ و وضعته أمامه قائلة:
_ علي الله يچي بفايدة والشيخ بتاعك دي يحقق لي الي ريداه. أخذت السيدة المال و وضعته في درج المكتب وقالت:
_ ده سيدنا الشيخ برهوم بركة وبكرة هاتشوفي لما يتحقق مرادك ياشابة. قالت سعاد:
_ يسمع من خشمك ربنا يابتي. وبعد إنتظار نصف ساعة، خرجت السيدة من غرفة الشيخ الدجال منادية عليها:
_ مدام نوارة. أنتفضت الأخري وتشبثت بيد والدتها، ربتت سعاد عليها تطمأنها:
_ أهدي يابتي وماتبجيش چبانة عاد.

ردت بخوف جلي:
_ جلبي مش مطمن ياماه، وحاچة چوايا بتجولي أمشي من أهنه. دفعتها سعاد أمامها بضجر:
_ همي قدامي بكفياكي دلع ماسخ. طرقت السيدة الباب وقامت بفتحه قائلة:
_ أتفضلو.

دلفت سعاد وإبنتها تتعلق بزراعها مثل الطفلة الخائفة، تتأمل محتوي الغرفة ذات الإضاءة الخافتة ويملؤها دخان البخور الكثيف ممتزج به روائح أعشاب، ينبعث من صحن كبير يتوسط مجلس من الكراسي الخشبية العريضة وأوسطهم يجلس عليه رجل أربعيني يبدو علي ملامح وجهه المريبة المكر والدهاء، منذ دخولهما وعينيه تتفحص نوارة من قمة رأسها إلي قد.ميها.
أخذ يتمتم في سره ببعض الكلمات فأزدادت الجمار توهجاً وألقي عليها القليل من البخور فتصاعد الدخان. قالت سعاد بإجلال وإحترام:
_ السلام عليكم ياسيدنا الشيخ.

أشار إليهما بالجلوس قائلاً:
_ أقعدي يا سعاد يابنت حسنات. قالت بتعجب وهي تنظر لإبنتها:
_ ماشاء الله، خابر كيف إسم أمي الله يرحمها، مش جولتلك يابتي ده شيخ بركة. فقال الدجال لها وهو ينظر إلي الصحن:
_ علتك يا نوارة بنت سعاد هي إنك متجوزة من سنتين ولسه مخلفتيش. أجابت نوارة بتردد:
_ أ، أيوه يا سيدنا الشيخ. صاح وهو يلق بالبخور مرة أخري:
_ كله بأمر الله، كله بأمر الله. وأخذ يتمتم مرة أخري في سره، ثم أردف بصوت مسموع ويرمقها بنظرة دهاء كالذئب:
_ أطمني كلها أيام لحد ما يجي الميعاد وتنولي المراد، وكله بأمره، كله بأمره.

فأشار إلي سعاد قائلاً:
_ معلش يا حاجة هتستنيها بره، لحد ما نخلص الجلسة وهابقي أنده عليكي. نهضت قائلة:
_ أمرك يا سيدناالشيخ. أمسكت نوارة بيدها وهي تنظر نحوه بخوف:
_ خليها معاي يا سيدنا الشيخ. رمقها بتحذير وقال:
_ الأسياد طالبينك أنتي ياصاحبة العلة، وإلا مش هيحققولك مرادك. قالت والدتها لها:
_ إسمعي كلام الشيخ هو خابر شغله وبينفذ طلبات الأسياد، ماتخافيش أنا عستناكي بره ولو فيه حاچة أبجي ناد.مي عليا وأني أچيلك.

تركتها وغادرت الغرفة، فأصبحت الأخري بمفردها أمام هذا الماكر، أخذ من جواره محرمة قطنية بيضاء يقد.مها إليها:
_ خدي المنديل ده وقربيه من شفايفك وأنتي بتدعي في سرك باللي نفسك فيه كذا مرة. تناولت منه المحرمة بتردد، فوضعتها أمام شفتيها وأخذت تدعو بما تريد، كانت دعواتها مابين أن يرزقها الله بالذرية ومابين أن يهدي لها قلب زوجها ويصبح حنون وعاشق لها.
ظلت هكذا لدقيقة، حتي بدأت تشعر بالدوار، تركت المحرمة من يدها وتقول بصوت كالمغيبة:
_ أي ده، أنا، أنا….

وبمجرد أن غابت عن الوعي، أبتسم الآخر وينظر لها بإشتهاء، نهض مسرعاً ليحملها علي زراعيه ودلف بها إلي غرفة داخلية متفرعة من غرفته. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ أستيقظت علي رنين هاتفها المزعج الذي لم يكف عن الإتصالات الواردة إليها منذ الصباح ،  فقامت برفض المكالمة لاتريد أن تتحدث مع أحد،  كما لم تذهب إلي عملها اليوم.
وقبل أن تترك هاتفها لاحظت بوجود رسالة واردة علي تطبيق الرسائل الشهير من رقم غير مسجل،  أنتفضت من فراشها عند قراءة محتواها وكان كما يلي:
( فاكرة إنك لو بعدتي عني هاسيبك في حالك، هابعتلك تذكار صغير يفكرك  بطلبي الي لو منفذتهوش يبقي متزعليش من الي هيحصل )

قامت بفتح محتوي الرسالة من داخل التطبيق لتشاهد الصورة المرسلة إليها، شهقت بصد.مة:
_ يا نهار أسود، يانهار أسود.
ظلت ترددها وهي تضع كفها علي فمها،
فكانت الصورة تجمع بينها وبين علي،  تجلس علي فخذيه وزراعه ملتفه حول خصرها، يحتويها بحميمية، وكانت تبتسم إلي عدسة التصوير،بينما هو عينيه تنظر نحوها بعشق وهيام.

لم يمهلها رؤية الرسالة والصورة حيث ظهرت له علامة رؤيتها لها، فقام بالإتصال عليها،  وعند.ما أتاها الإتصال ألقت بالهاتف أمامها علي الفراش بذعر وخوف،  حتي أنتهي الرنين فعاد مرة أخري ولم تجد سوي مواجهته حتي لايظن إنها تخشاه وتخاف من تهديداته،  أعتدلت وتصنعت القوة في نبرة صوتها:
_ عايز أي يا علي. _ الناس تقول ألو،  أزيك،  عامل أي،  وحشتني. أزدردت ريقها ثم صاحت به:
_ بلاش الأسلوب ده معايا أحسن ل….

قاطعها قائلاً  :
_ ما تهدي علي نفسك وبلاش تهور،  وقبل ما تهددي بكلام عبيط،  خليكي أده الأول،  عشان عارف ومتأكد إنك أول ما شوفتي رسالتي وصورتنا قلبك زمانه وقف من الخضة،  و وشك جاب ألوان من الرعب،  تخيلي معايا كده لو صورة زي دي أتبعتت لسيادة النقيب،  الفضول هيمــ . ــوتني وأشوف وشه وقتها. نبرته الإستفزازية الساخرة أثارت غضــ . ــبها:
_ أنت و….  وقذر وحـيــ . ــوان،  روح ربنا ياخدك. وأغلقت المكالمة بل والهاتف أيضاً  حتي لا يحاول الإتصال بها مرة أخري.

نهضت من فراشها وذهبت إلي المرحاض، فتحت الصنبور وأخذت تغترف المياه بكفيها وتلقي بها علي وجهها المحتقن بالد.ماء،  نظرت إلي صورتها المنعكسة علي المرآه ثم أجهشت بالبكاء،  لم تتحمل ذلك الضغط النفسي الذي يهدد حياتها مع زوجها،  أخذت تفكر كثيراً حتي توصلت إلي قرار  وهو عليها بالمواجهة وأن تخبر زوجها عند عودته من العمل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ وفي غرفة الزيارات بالمخفر التابع للنجع،  دلف فارس باللهفة عند.ما علم بزيارة العم جابر له ليطمأنه عن معشوقته حيث جفاه النوم منذ البارحة عند.ما علم بدخولها المشفي.
_ طمني  ياعم چابر،  زينب بخير؟  .

نظر لأسفل بحزن ما أثار الخوف لدي الآخر، فقال بذعر:
_ زينب چارلها حاچة؟. أجاب العم جابر:
_ النچع كله محدهوش خبر غير سيرة زينب هربت من المشتشفي،  ورچالة واد عمك جالبين الدنيا عليها،  وحديت الناس كيف الرصاص خصوصاً لما عرفو سبب دخولها. كان فارس مستمعاً له بإهتمام بالغ،  فقال:
_ كمل ياعم چابر. فقال الآخر وعينيه يملؤها الحزن:
_ جطعت شرايين يدها. أتسعت عينيه بصد.مة:
_ واه،  كيف حوصل دي!  ، أني خابرها عاد عمرها ما تفكر إكده واصل.

أجاب بتردد فكان لا يريد أن يخبره حتي لايزيد من همه وحزنه:
_ أصل يا ولدي…. صمت،  فقال فارس بتوسل ممسكاً بيده:
_ أبوس يدك ياعم چابر ريح جلبي و جولي علي كل حاچة. زفر بسأم وقال:
_ أمري لله،  ليلة إمبارح الچيران شافو راچل هيبة جوي و كانو وياه رچالة كتير  وجفو برة دار عمك والراچل و واحد تاني معاه دخلو بيسألو عن رافع،  وبعد ما چالهم واد عمك وخلصو جعدتهم بعديها سمعو عويل وصريخ زينب والي فهموه من حديتها إن الراچل دي چاي طالب يدها وهي مش موافجة و عمك و ولده باينهم وافجو وعبيغصبوها توافج هي كمان.

أنتابته رجفة تسري في عروقه يليها شعور بالقهر والذل،  يريد الصراخ بكل ما لديه من طاقة،  لما يحدث معه كل هذا،  ما الذي أرتكبه حتي تتوالي عليه المصائب هكذا بلا هوادة!. أطلق زفرة خرجت من أعماقه قائلاً  وهو ينظر لأعلي:
_ يارب،  أنت الي عالم بالي چوايا،  ألطف بحالي وأرفع عني البلاء. قام العم جابر بمواساته حتي أنتهي وقت الزيارة وعاد إلي خلف القضبان،  منهك القوي والتفكير فيما قيل له،  ذهب لقضاء حاجته في مكان مخصص بإحدي أركان الزنزانة وعاد ليجلس في مكانه لكن خانه جسده ولم يتحمل فسقط مغشياً عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ علي أرض طيبة تشتعل الأضواء الملونة فوق خشبة المسرح،  والذي أنشئ تحت رعاية كبار رجال الأعمال لإفتتاح هذا الفندق المبني علي الطراز الفرعوني القديم،  بدأ الأحتفال وبدأت الموسيقي ليعلن هذا الشاب قائلاً:
_ والآن لنفتتح الحفل بفقرة من الفلكلور المصري ومعكم الراقصة اللولبية سمارة. ظهرت من بين الأضواء إمرأة  ترتدي ثوب الرقص الشرقي مثلما الذي كان يرتدونه الراقصات في حقبة الخمسينات في القرن الماضي،  تتمايل علي أنغام الموسيقي بخصرها المنحني مثل آلة الكمان وخصلات شعرها الكستنائية تتطاير من حولها،  ترقص بإحترافية جعلت كل من يشاهدها يصفق لها بحرارة بعد.ما أنتهت.

عادت إلي الداخل فأستقبلتها مساعدتها تضع عليها رداء حريري:
_ كنتي هايلة يا أبلتي ومولعة المسرح. _ أسكتي يابت يا نواعم أنا أول ما طلعت علي خشبة المسرح وشوفت البهوات أم بدل وأنا قلبي أنقبـ . ــض،  كان عنده حق الولاه زيزو لما قالي هتحسي بفرق رهيب وأنتي بترقصي مابين الكباريه ومابين حفلة معمولة لكبار رجال الأعمال. _ عقبال ما يجيلك حفلات برة مصر بقي يا أبلتي ونسافر ونلف الدنيا وتبقي أشهر من الرقصات الكسر الي طالعينلنا اليومين دول إيشي جوهرة ولا لوردينا ولا بتنجانه دي،  البلدي مفيش أحسن منه.

دلفت كلتاهما إلي داخل الغرفة لتبدل ثيابها،  تفاجاءت بمن يجلس أمامها علي الكرسي ويزفر دخان سيجارته في الهواء.
_ بسم الله الرحمن الرحيم،  خضتني يا سي زيكو.
ألتفت إلي مساعدتها وأردفت:
_ أطلعي أنتي يا نواعم أستنيني بره. فقالت الأخري:
_ حاضر يا أبلتي.
ورمقت زكريا بإزدراء قبل أن تغادر الغرفة. ركضت نحوه بللهفة وشوق لتعانقه:
_ واحشني أوي يا ولاه،  كل ده غياب. أبعدها عنه ممسكاً بعضديها قائلاً بمكر  :
_ أتوحشتك كيف وأنتي فضلتي شغلك عني لما خيرتك مابيني وبينه.

نهضت وقالت بإعتراض:
_ كله إلا شغلي يا روحي أنا،  وقولتلك قبل كده أنا ممكن أبطل رقص في حالة واحدة.
أقتربت منه وجلست أمامه علي ركبتيها ثم وضعت كفيها علي لحيته المشذبة تتلمسها بأناملها :
_ لو كتبت عليا رسمي،  وقتها هاعيش خدامتك العمر كله،  ومفيش راجل هيشوف مني شعرايه واحده غيرك. عاد بظهره إلي الوراء يزفر دخاناً كثيفاً من فمه ولم ينظر إليها،  قائلاً:
_ جولتلك جبل إكده مليش في الرسمي يا بت الناس.

نهضت من أمامه وقالت بصد.مة:
_ ملكش في الرسمي ولا بتستعر مني!،  خايف لأهلك يسألوك مين دي تقولهم دي سمارة الرقاصة!  . زفر بتأفف وقال:
_ ولما أنتي خابره الحكاية زين جوي إكده،  ليه كل ما نتجابل تعيدي وتزيدي في حديت ملهوش عزا،  أنا ما بصدج أچي أجعد وياكي ونتبسط يبجي لازمته أي العكننه دي عاد. أستدارت نحو طاولة الزينة وجلست أمامها تبكي:
_ الحق عليا أنا الي أتشك في قلبي الي سلمتهولك،  قولت يابت ده غير كل الرجالة الي طمعانين فيكي وشايفينك جسم وبس،  لاقيتك الوحيد الي شايفني من جوايا حاسس بيا وحبيت سمر مش سمارة الرقاصة.

شعر بالذنب من حديثه الفذ معاها،  نهض وذهب نحوها،  دنا منها واضعاً يديه علي كتفيها:
_ خلاص كفياكي عويل،  أديكي جولتي أني بحبك،  خابره ليه؟،  لأنك شبهي تمام،  چواتك إنسان ضعيف جلبه كيف العصفور والناس عبتشوفك من بره واحد عايز الحرج. أبعدت يديه عنها وقالت بإمتعاض:
_ مبقتش أكل من كلامك ده،  خلاص حفظتك،  ما أنا الحــ . ــضن الحنين الي بتيجي له عشان تفضفض له بالي جواك،  وأنا الهبلة الي بطبطب وتهون عليك،  متعرفش أنا الي محتاجة الطبطبه دي.

وضع يديه علي خصرها وجعلها تنهض وتلتفت إليه قائلاً  بنبرة تعزف علي أوتار قلبها:
_ ما أني چايلك أهو لأچل أطبطب وأدلع فيكي يا كيف القشطة والمهلبية،  ولا أي يا عروسة. نظرت له من بين عبراتها بخجل،  إحساس لا ينتابها سوي معه فقط،  أقترب منها  ليعانقها وقام بإسدال الرداء من عليها وأحتضنها بقوة قائلاً  :
_ بمــ . ــوت فيكي ياسمارة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ أنتهي لتوه من عمله علي الحاسوب،  حيث يباشر أعماله من خلاله، خرج إلي الشرفة ليستنشق الهواء ورائحة الزهور العطرة التي تملئ حديقة قصره، عاد إلي داخل غرفته بعد.ما سمع طرقات علي الباب،  أرتدي معطفه علي جذعه العاري،  ليفتح ويجد الخاد.مة تخبره بدون أن تنظر له مباشرة:
_ سليم بيه،  صلاح بيه جه ومستني حضرتك تحت. قال لها بأمر:
_ أعملي واحد قهوة سادة و واحد إسبريسو وهاتيهم علي المكتب. أومأت له بطاعة قائلة  :
_ أمرك يا بيه.

عاد إلي الداخل وهو يقول:
_ غريبة جاي من غير إتصال وكمان الوقت متأخر مش عادة صلاح. وذهب ليبدل ثيابه بقميص وبنطال من القطن الأسود،  لونه المفضل كما في الفراش والأثاث وألوان الجدران المطليه بالأسود والرمادي. يقف صلاح منتظراً إياه أمام الدرج بالأسفل،  يزفر بضيق لايعلم كيف يخبره بما لديه،  فهو يخشي ردة فعله وغضــ . ــبه الذي سيحــر . ــقهم جميعاً،  أنتبه إليه يهبط الدرج ويقول بمزاح ليس من شيمه :
_ للدرجدري لحقت أوحشك كده!  .

أجاب الآخر يحاول أن يمهد له الخبر رويداً:
_ أنا كنت هاكلمك فون بس الي جايلك فيه مينفعش مكالمة،  ولازم نفكر بهدوء وعقل ومن غير أي تهور ممكن تند.م عليه. تجهم وجه سليم فقال:
_ أي الي حصل؟. أجاب:
_ أوعدني إنك هاتتصرف بعقل. صاح بزمجرة:
_ أنجز يا صلاح وهات الي عندك. رد قائلاً  :
_ الرجالة الي بتبلغني بأخبار رافع أول بأول،  لسه مكلمني وبلغوني الدنيا كلها مقلوبة في النجع عن الآنسة زينب بعد ما أكتشفو إنها هربت من المستشفي.

يستمع لكلماته وبداخله بركان تدفق حممه شيئا فشيئاً حتي أخترق سمعه كلمة هروبها فأنفجرت وتقاذفت تلك الحمم التي ستحــر . ــق كل ما يقابلها،  صاح بصوت مرعب في أرجاء القصر:
_ فوزي. جاء له رئيس الحرس خاصته قائلاً  :
_ أمرك يا سليم بيه. _ حضر العربيات والرجالة حالاً،  هنرجع علي قنا.
قال فوزي:
_ أمرك يا باشا أعتبره حصل. قال صلاح:
_ سليم،  أستني بس أنا بقولك أخوها مخلي رجالته قالبين عليها الدنيا،  ومينفعش إحنا نتدخل كل الي يربطك بيها قراية فاتحة م…

قاطعه سليم بصوت مخيف وملامح تدب الرجفة في قلوب من يراه:
_ صلاح،  مش عايز كلام كتير،  أنا عارف أنا بعمل أي،  ومحدش هيلاقيها غيري. ظهر بريق في ظلــ . ــمة عينيه وبداخله يتمتم قائلاً  :
_ أهربي علي أد ما تقدري،  شكلك ماتعرفيش لسه مين هو سليم العقبي يا زينب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ قاربت الساعة علي الواحدة بعد منتصف الليل،  لكن ما زالت شوارع القاهرة مزدحمة بالسائرين فمنهم العائد من عمله،  ومنهم من يتجول بلا هدف،  وكان الحال في المنازل،  هناك من يحب السهر أمام التلفاز أو الحاسوب.
وفي هذا المنزل البسيط بحي مصر القديمة حيث المباني ذات الطراز المعماري الإسلامي المنتشرة هناك.

تنتهي تلك الفتاة من جلي الصحون للتو،  وتناولت خاتم الخطبة خاصتها من فوق الطاولة الرخامية لترتديه،  ثم ذهبت لتطمأن علي والدتها فوجدتها تمسك بالمصحف الشريف وتتلو بعض السور كما تفعل كل يوم.
تركتها في خلوتها مغلقة الباب،  وذهبت لتري ماذا يفعل شقيقها الذي يصغرها بثلاث سنوات، وقبل أن تطرق الباب أنتبهت إلي أصوات يبدو إنها صادرة من حاسوبه،  مهلاً تلك الأصوات تعلمها جيداً أستشاطت غضــ . ــباً وفتحت الباب علي مصرعه لتجده كما ظنت.
فصل التيار عن الحاسوب،  صاحت به:
_ مش هتبطل تتفرج علي الأرف ده؟،  هتكبر وتعقل أمتي يا أخي.

نهض وأشاح بيده في وجهها:
_ وأنتي أي الي يدخلك أوضتي وتحشري نفسك في الي ملكيش فيه. _ دخلت عشان أقفشك و أعرفك إنك عمرك ما هاتتغير طول ما أنت بعيد عن ربنا،، لابتصلي ولا بتصوم و عايشها زي ما أنت عايز،  فاكر الدنيا دايمة لك. نهض ليدفعها إلي الخارج قائلاً  :
_ خليكي في حالك يا ست الداعية  ،  أنا الي هتحاسب مش أنتي. وأوصد الباب في وجهها،  صاحت بحنق:
_ لولا بابا الله يرحمه وصاني عليك مكنتش عبرتك وسبتك تولع بجاز،  كتك الأرف عيل فاشل وصايع زي الشلة الفاسدة الي ملموم عليهم.

أنتبهت لصوت والدتها تناديها:
_ ريهام،  يا ريهام. قالت وهي تذهب:
_ حاضر يا ماما جاية. ذهبت إليها فقالت لها والدتها:
_ ينفع كده صوتكو جايب آخر الدنيا والجيران زمانهم سمعو بينا!. زفرت بضيق وقالت:
_ يا ماما غلبت مع إبنك ده،  كليته ومش عارفه يخلصها وعمال يدبلر كل سنة والي أده بيشتغل وبيبني مستقبله وده مورهوش غير إنه ينزل طول النهار مع أصحابه الصايعين ويجي بالليل يترزع أدام الكمبيوتر والبلاوي الي بيتفرج عليها. _واحدة واحده وهيتغير،  أنصحيه براحه وبلاش أسلوب الزعيئ والسخـ ــرية منه،  ما أنتي عارفاه عنيد ود.ماغه ناشفه ولو ناوي يتغير هيعند ويسوء في الغلط.

_ يا أمي أنا والله خايفة عليه عايزه أشوفه أحسن واحد في الدنيا وأتباهي بيه،  يعني عاجبك لما أحمد خطيبي شافه في النادي عنده قاعد مع بنات شكلهم مش تمام وفي أوضاع زي الزفت وبتوع الأمن مسكوهم وكانو هيطلبولهم البوليس،  لولا أحمد تدخل ليهم كان زمان المحروس مشرف في القسم،  خلاني في نص هدومي أدامه وهو بيحكيلي.
تنهدت والدتها بحزن وقالت بقلة حيلة من هذا الأبن العاق والفاسد:
_ حقك عليا يابنتي،  أنا هاقعد معاه وهافهمه،  وأحمد أبقي خليه يكلمني عشان أعتذر له.

كادت تتحدث فقاطعها رنين جرس المنزل،  فقالت:
_ ده مين ده الي جاي في نص الليل. أرتدت إسدال الصلاة وذهبت:
_ حاضر،  ثواني.
نظرت من العدسة فوجدت سيدة منتقبة،  شعرت بالقلق وقالت:
_ مين حضرتك؟  . أجابت السيدة المجهولة وهي ترفع غطاء وجهها:
_ أني زينب القناوي يا ريهام.

انت في الصفحة 9 من 9 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى