روايات

فارس بلا مأوى بقلم ولاء رفعت الجزء الأول

_ و بداخل مكان يسوده الظلام سوي بقعة ضوء خافته مسلطة علي هذا المقيد من معصميه لأعلي بسلاسل من حديد صدأ، يذرف د.ماء من أنفه وفمه، يردد بصوت خافت:
_ عطشان، عطشان. توقف عند.ما سمع صوت الباب الحديدي يصدر صريره المزعج وخطوات أقدام تدلف المكان، لم يتمكن من رؤية أصحابها، لكن هناك ما دب في أوصاله الرعب وتمني المــ . ــوت قبل أن يري صاحب ذلك الصفير الذي يدوي صداه في الأرجاء، من سواه له تلك العادة عند لقاء ضحيته!.

دقات قلبه تكاد تصم أذنيه من الخفق بقوة خوفاً قـ,ـاتلاً، يا ألهي فلقد أقترب و وقف أمامه، وقعت عينيه علي حذاءه الأسود يخشي أن يرفع بصره، لكن صاحب الحذاء قال بهدوءه المرعب موجهاً حديثه إلي إحدي رجاله:
_ ها، لسه ما قالكوش مين الي سـ,ـرق البضاعة؟. أجاب الرجل بصوته الغليظ:
_ لاء ياباشا، برغم إننا جربنا معاه كل حاجة. لاحت إبتسامة علي شفتيه فقط، فقال:
_ خلاص كفايه الي عملتوه، هزرنا معاه كتير. أشار للرجل، فأسرع الآخر بإحضار حقيبة كبيرة سوداء و وضعها فوق المنضدة:
_ أتفضل يا باشا.

وما أن فتح الحقيبة ظهر بريق أدوات الجحيـ ـم التي بداخلها، ألتقط منها قفازاً مطاطياً وأمسك بهاتفه وأخذ يضغط حتي صدح صوت موسيقي هادئة، وضعه جانباً ثم ألتقط سـ . ــكين ذو حافة مُدببة وشفرة حادة، وبدون أن ينظر للرجل المقيد المسـ . ــكين قال:
_ زمان في أوروبا لما كانو عايزين يعرفو معلومة صاحبها مُصر علي الكدب زيك كده، فبيلجأو معاه لكذا طريقه يالحــر . ــق يا يحطوه علي أي آلة تعذيب يا.
أقترب من أذنه وقال بنبرة جعلته يتبول رغماً عنه:
_ بيسلخو جلده ولحمه عن عضمه.

وما إن رأي الآخر يده ترتفع وبها السـ . ــكين نحو صدره ، أخذ يصرخ و يقفز برعب في مكانه:
_ هقول علي كل حاجة، هقول علي كل حاجة. وقبل أن تخترق سن السـ . ــكين جلده المتعرق من الخوف، توقف الآخر مستمعاً لأعترافه:
_ رافع القناوي هو الي أمر رجالته بسـ,ـرقة البضاعة من مخازن المينا. تراجع إلي الخلف وترك السـ . ــكين في الحقيبة، أخرج من جيب سترته سيجاره الخاص وقداحة ليشعلها وقام بوضعها بين شفتيه ثم زفر دخاناً كثيفاً، وبنظرات شيطان قد جاء من قاع الجحيـ ـم ردد بتوعد:
_ رافع القناوي!.

#الفصل_الثاني
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي _ يجلس مغمض العينين في محاولة إستيعاب ما يحدث له من مصائب تتوالي فوق رأسه، و عليه بالصبر علي تلك الإبتلاءات. نهض إحدي المساجين بعد أن تأمل ملامحه وعلم بهويته، جلس بجواره قائلاً :
_ فارس ولد الحاچ قاسم؟. فتح عينيه وأستدار له بجسده، مجيباً:
_ أيوه أنا. أنبلجت إبتسامة علي وجه هذا الشاب وقال:
_ أني منصور ولد عمك عبدالفتاح صاحب أبوك، مش فاكرني إياك؟ . صمت لثوان يتذكره، فقال:
_ أيوه أفتكرتك، كيفك وكيف عمي؟ .

أطلق تنهيده ثم قال:
_ أبوي تعيش أنت بجي له سنتين، وأني كيف ما أنت شايف مسچون بجي لي أسبوع وأكتر وباينهم عيعرضوني علي النيابة. _ تهمتك أي؟. أجاب منصور:
_ خايف أجولك تزعل مني. _ وهزعل ليه؟.

حدجه بتوتر وقال:
_ أصل سبب دخولي السچن زكريا واد عمتك الله يحرجه، كنا شاغلين في مخازن الخشب الي نواحي المعبد الجديم، وكنت مزنوج في جرشين لأجل عملية القلب لأمي، وهو كيف الشيـ . ـطان جومها في د.ماغي وخلاني أخد من فلوس العهدة وأرچعها لما نجبض علي آخر الشهر ويدبر لي باجي المبلغ، و حظي المهبب عملو چرد تاني يوم ولاجو الفلوس ناجصة عشرة آلاف جنيه، كنت وجتها مع أمي في المستشفي ودخلت العمليات، أتصلو علي جاله لي تعالي المخازن ضروري، روحت لاجيت الدنيا مجلوبة، وما حستش بحالي غير وأني أهنيه، وخالي وعمي أتخلو عني كالعادة.

ربت فارس عليه بمواساة:
_ ربك كريم وعيفرچها من عنده، بس أنت غلطت لما مديت يدك علي الأمانة، وبعدين من ميتي وبتسمع كلام زكريا!،ما حرمتش من أيام المدرسة لما كان بيعمل مصايب ويوجعك أنت فيها وكانو عيرفدوك لولا أبوي أتوسطلك عند المدير!. زفر بسأم وقال:
_ ياما دجت علي الراس طبول يا واد عمي، سيبك مني دلوق جولي بتُعمل أي أهنيه؟. أجاب بنبرة مليئة بالشجن:
_ لساتني راچع من أمريكا كنت چاي نتچوز بنت عمي، مجرد دخلت الدار لاجيت أبوي تعبان جالي وصيته ومات.

_ واه، حاچ قاسم مات!، لا حول ولاقوةالابالله، البقاء لله. تجمعت عبراته بداخل رماديتيه وأكمل حديثه:
_ مش مصدج لحد دلوق إنه مات، مش عتصدجني لو جولتلك أني محتاچ لحــ . ــضنه جوي. ربت منصور عليه وقال:
_ وحد الله يا فارس، ما يتعزش علي الي خلجه، ربنا يرحمه هو وأبوي وچميع مــ . ــوتانا. _ أنا بدعي ربنا يلحجني بيه. _ تف من خشمك يا چدع، ربنا يديك العمر والصحة، أنشف إكده، أني خابر هو كان ليك كل حاچة لكن ده أمر الله يا أخوي وكلنا هنمــ . ــوت.

_يارب.
أخذ يجفف عبراته ويستعيد رباطة جأشه، فأردف:
_ ملحجتش أفوج من مــ . ــوته، لاجيت البوليس چاي لنا الدار ولاجو شنطة مخدـ . ـرات في أوضتي. صاح الآخر بصد.مة:
_ مخدـ . ـرات!، كيف دي؟. _ كيف ما سمعت، وإحساسي بيجولي إن فيه الي ماصدج أبوي مات وجال يتخلص مني. نظر له منصور يفكر في أمر ما:
_ عجولك وتصدجني؟. رفع وجهه ونظر إليه بترقب:
_ أنت عارف حاچة؟. أبتلع لعابه ثم قال:
_ عجولك، بس بالله عليك ما تچيب سيرتي واصل.

أومأ له فارس وقال:
_ ما تخافش أوعدك ما هاچيب سيرتك. _ في ليلة كنا سهرانين قدام المخازن أنا وزكريا، وچه رافع واد عمك وجعد ويانا وشربو سچاير حشيش لحد ما تسطلو، زكريا كان بيتحدت وياه عنك أنت وأبوك، فجاله رافع أنه محضرلك مصيبة واعرة عتوديك ورا عين الشمس، ومستني إنك ترچع من بره، ولما حسو بيا وأنا جاعد وياهم هددني رافع وجالي لو چيبت سيرة لحد ما عيطلع عليا نهار أنا وأمي، وأنت خابر إحنا غلابة ومالينا غير ربنا، ورافع واد عمك الشر بيچري في د.مه.

عاد بظهره إلي الحائط في صمت يعلم ما قيل له ليس كذباً أو إفتراءً، طالما رافع يكرهه ويكيد له المصائب منذ الصغر، وعند.ما سأله في مرة لما هذا كل الحقد والكراهية، أجابه الآخر لأنه إبن قاسم، لم يفهم مغذي إجابته إلا عند.ما كبر وعلم من الخالة هنادي بأن عمه وعمته أشقاء والده من الأب فقط حيث والدتهما الزوجة الأولي و والده من الزوجة الثانية التي تزوجها جده الحاج قناوي عند.ما سافر إلي المنصورة ورآها هناك في حفل زفاف إحدي معارفه، كانت شديدة الجمال والصبا، لم تتجاوز الخامسة عشر آنذاك ، وبعد.ما تزوجها أنجبت قاسم الذي ورث معظم صفات والده وملامحه، فكان

قناوي ظالماً لزوجته الأولي تركها بمفردها تربي نجلهما وأكتفي بإرسال المال فقط لهم وحرمهم من حنانه وعطفه الذي كرسه لقاسم فقط و والدته، وعند.ما كبر قاسم كان والده يريد تزويجه من بنات العائلة لكنه أحب إبنة خالته التي تشبه والدته كثيراً، تزوجها بعد.ما أنتهي من قضاء خد.مته العسكرية في الجيش وأنجبت له فارس، كان الحفيد المفضل كوالده لدي جده الذي أوصي بأن العُمدية سيتوارثها فارس من بعد والده مما أثار ضغينة خميس وولده وكذلك أيضاً جليلة التي حُرمت من حنان والدها ولم تتلق سوي قساوة وحقد أمها من ما فعله والدها معها من ظلــ . ــم وأنانية.

فلم يتعجب فارس عند.ما يعلم بأن من زج به إلي السجــ . ــن رافع الذي ورث الكراهية والضغينة من والده وجدته. _ فارس قاسم القناوي.
نادي بها العسكري الذي دلف للتو، لكزه منصور عند.ما لم يجب:
_ كلم يا فارس، بيناد.م عليك. أنتبه فارس وصاح:
_ أيوه. أشار له الآخر:
_ جوم يا ولدي، عبد المچيد المحامي مستنيك في مكتب المأمور. نهض فارس وذهب معه، داعياً ربه بأن يظهر براءته. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ تجلس خلف القضبان الحديدية التي قام بوضعها شقيقها علي نافذة غرفتها بعد.ما علم كيفية هروبها، تنظر إلي السماء و الكروان يحلق مُغرداً وكأنه يطمأن قلبها علي من يتلوع ألماً من القلق عليه، رفعت كفيها لأعلي وقالت:
_ يارب نچيه كما نچيت سيدنا يونس من بطن الحوت، فارس غلبان وملهوش غيرك وأنا، وأني ما رايدشي غيره يكون زوچي وأبو عيالي. طرقات علي الباب يتبعه صوت زوجة أخيها:
_ زينب أنتي صاحية؟. _ ما واكلشي يا نوارة، رچعي الصينية المطبخ.

فتحت نوارة الباب ودلفت تحمل صينية الطعام وضعتها علي المنضدة القريبة من التخت، ثم ذهبت وجلست بجوارها قائلة:
_ أني حاسه بيكي وبالنــ ــار الي في جلبك وجلجك علي فارس، أصلي زيك إكده عاشجة لكن الفرج الي بينتنا إن الي بتحبيه بيحبك ويمكن أكتر كمان، لكن أني الي بحبه جلبه كيف الحچر جاسي، يمكن الحچر حنين عنيه. تنهدت زينب وقالت:
_ رافع أبوي ملي جلبه جسوه ومن إحنا لسه عيال صغيرين، غرس چواه إن الحب ده للنسواين والي جلبهم ضعيف لكن الراچل لازم يكون جلبه جوي وميهزوش حاچة واصل.

_ إكده كيف الي معندوش جلب عاد. _ وطالما أني معنديش جلب، أتچوزتيني ليه؟.
أنتفضت نوارة تنظر إلي صاحب الصوت، فوجدته واقفاً يرمقها بنظرة توعد، أزدردت ريقها بخوف، وقالت بتوتر:
_ أني، أني كنت بحط الواكل لزينب. لم تجد مبرر لجملتها التي سمعها، فغادرت الغرفة تحت نظراته، زفر بملل وهو ينظر إلي الطعام الذي لايمس فقال:
_ إحمدي ربك إني كنت ماسك نفسي عنيكي، لولا أمك حلفتني أني ما أچيش چمبك كان زمانك مرميه في المشتشفي بين الحياه والمــ . ــوت.

رمقته بإبتسامة ساخره وقالت:
_ الي عيسمعك ميشوفش وأنت حابسني في أوضتي وحاطط حديد علي الشُباك وموجف رچالتك بره كمان. تقد.م عدة خطوات حتي وقف أمامها وبكل قسوة وجبروت ينظر لعينيها التي تتجمع بها عبراتها، فتحدث بفحيح :
_ عتبكي عليه!، وفري د.موعك لأن عخليكي تجري الفاتحة علي روحه وتبكي بدل الد.موع د.م.

جزت علي فكها تحاول أن تتماسك، تشد علي قبـ . ــضتها حتي أبيضت مفاصل أناملها:
_ ياه، للدرچدي!، حارجك جوي وعايز تجتله!، سوي فيك أي عشان تكرهه إكده؟، ده أنت حتي ماشوفتش منيه غير كل خير، ياما وجف وياك لما كان أبوي بيجسي عليك ويطردك بره الدار من غير خلچات، كان بياخدك علي دارهم ويعطيك خلچاته وينيمك في فرشته، نسيت كل ده يا ولد أبوي؟.

لم تلمس كلماتها قلبه بل زادته حقداً ، كشر عن أنيابه بملامح مخيفة، قبـ . ــض علي عضدها بقوة ومن بين أسنانه زمجر قائلاً:
_ بكرهه لأنه السبب في كل الي چرالي علي يد أبوي، أيوه مانسيتش وجفته چمبي لكن مانسيتش أني كنت بتضــ . ـرب وبتطرد بسببه، عشان أكون كيف فارس ولد زهرة متعلم و بجي مهندس وأني الچاهل الفاشل، عرفتي بكرهه ليه!. حاولت جذب عضدها من قبـ . ــضته لكنها فشلت بسبب قوته، فلاحظ علي ملامحها الألم، ترك زراعها.
_ ما أنت بجيت تاچر حديد كبير في السوج وعنديك مصنع ماشاء الله من أكبر المصانع في جنا كليتها.

صاح بإمتعاض:
_ خردة، جصدك تاچر خردة، الحاچة الوحيدة الي فلحت فيها بعد ما كل البيبان أتجفلت في وشي، حتي البنت الوحيدة الي كنت رايدها ما أتچوزتهاش. _ ومالها الخردة، مش عيب ولا حـ ـرام، وبالنسبة لحبك الجديم فاطمة، أنت الي خسرتها لما مشيت ورا أخوها الفلتان زكريا وتروحو تسهرو ويا الغوازي وبنات الليل، فاكر بعد ما تعيش دنيتك في الحـ ـرام عتوافج تتچوزك !، أني لو منيها كنت عاعمل زيها وأكتر، لأن دي إسمها خيـ ـانة.

شعر بغليان د.ماءه في عروقه عند.ما واجهته بالحقيقة التي ينكرها دائماً، فأراد أن يقلب دفة الحديث عليها، قال:
_ ومين جالك إن حبيب الجلب ماكنش عايش حياته ويا الخواچات هناك في البلد الي كان فيها!، معجول عيشوف حريم من غير خلچات وخمر كيف الرز و ما عيغلطش!، ملاك نازل من السما إياك .

نظرت له بتحدي وقالت بثقة تُحسد عليها:
_ فارس ما عيملش إكده واصل، خابر ليه؟، لأنه راچل و چدع وما يجبلش الحـ ـرام ولا يجرب له، وعارف ربنا وبيخافه، مش كيف واحد كان عايش وغرجان في الحـ ـرام.
أمسك برسغها يعنــ . ــفها قائلاً:
_ أسمعي يابت أنتي، لو سمعتك تچيبي سيرته تاني علي لسانك، عخليكي تحصليه ولا يهمني حد واصل. أستشفت من كلماته إنه بالفعل ينوي التخلص منه، أتسعت عينيها بخوف، كاد يذهب من الغرفة فأوقفته:
_ رافع؟.

ألتفت إليها قائلاً:
_ أي؟. أقتربت منه وتنظر له بتوسل ورجاء تثنيه عن ما ينوي عليه من شر نحو فارس، أمسكت يده وبترجي قالت :
_ لو ليا عنديك خاطر أبوس يدك هملو لحاله، ماتچيش چمبه، كفايه المصيبة الي واجع فيها، غير مــ . ــوت عمي الي ملحجش ياخد عزاه. ظل صامتاً يحدق في داخل عينيها ويري صورة ألد أعدائه، ومدي خوفها وحبها له، قال لها:
_ موافج. تنفست الصعداء ولكنه أكمل قائلاً:
_ بشرط تنسيه واصل.

رمقته بصد.مة وقالت:
_ كيف أنساه؟. بسمة دهاء أعتلت شفتيه ولم تصل لعينيه، أجاب:
_ تنسي خطوبتك منيه. أرادت أن تساير طلبه المجــ . ــنون هذا، فهو أكثر الأشخاص يعلم بمدي حبها إلي فارس قلبها، فكيف يطالبها بنسيانه!. _ أني موافجة. _ وعتثبيتي لي موافجتك دي بالفعل مش بالجول، أني مش عيل صغير تتضحكي عليه. خفق قلبها بخوف، فتساءلت:
_ وعايزني أثبتلك كيف يعني؟. أمسك طرف ذقنها يرمقها بنظرة زادت من خوفها أكثر:
_ عاتعرفي لما تبدلي خلچاتك وتيچي وياي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ كيف يا عبد المچيد الي عتجوله ديه؟ .
قالها فارس بغضــ . ــبٍ، فأجاب عليه محاميه قائلاً :
_ إهدي بس يا فارس بيه وأسمعني، دلوقتي أطلعت علي المحضر بالكامل مكتوب فيه ضبط شنطة المخدـ . ـرات من أوضتك ومن تحت سريرك وكمية مش هينه، ده حوالي عشر كيلو كوكايين بودرة، يعني أقلها تأبيدة والمصيبة إن فيه تلاته من المساجين الي تهمتهم حيازة مخدـ . ـرات شهدوا إنك بتاجر فيها وبيتعاملو معاك بقالهم أكتر من سنة، وعشان أقدر أطلعك من كل البلاوي دي أقلها شهر، ده غير المفروض إعلان الوراثة بتاع الحاج قاسم الله يرحمه وكونك وريثه.

زفر فارس وقال بصوت مختنق :
_ خد كل الفلوس بس خرچني من إهنه، ده أني ملحجتش أخد عزا أبوي، ملحجتش أبكي عليه. حدجه بنظرة شفقة لايدري ماذا يفعل، قال:
_ وحد الله يا فارس يابني، دي إبتلاءات من ربك إستغفره وأدعي يفك كربك ونلاقي مخرج من القضـ ـية الصعبة دي. ردد الإستغفار بصوت منخفض، و جلس علي أقرب كرسي له يزفر مابين كفيه. _ عايز أعرف الي عيحوصل دلوق؟ . أجاب الآخر بقلة حيلة:
_ دلوقت هاتفضل محبوس لحد ما تترحل علي النيابة، يعني حوالي عشرة ل 15 يوم.

_ نيابة!.
ردد الكلمة غير مصدق و زم شفتيه يشعر بالألم، ليس ألم جسدي بل نفسي معنوي، وكأن روحه تزهق من الشعور بالظلــ . ــم وحزنه علي والده، الآن أصبح وحيداً شريداً، فماذا تخبئ له الأيام من مصائب جماً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ عاد من عمله بعد غياب يومين، فتوقف بسيارته أسفل بناء مسكنه الذي يقع في حي المعادي، نزل من السيارة يحمل أكياس مليئة بالطعام الجاهز والفاكهة، أستقبله حارس العقار بترحاب يحيه:
_ حمدالله علي السلامة يا أكرم باشا، هات عنك.
وحمل منه الأكياس، فأجاب الآخر:
_ تسلم يا عم خضر.

و ولج إلي داخل الفناء، سبقه الحارس وفتح له باب المصعد ليدلف بداخله وتبعه بالدخول معه قائلاً:
_ الحاجة كوثر عاملة أي، أمانة عليك سلملي عليها كتير. أبتسم أكرم وقال:
_ الحمدلله بخير وبتسألني عليك ديماً. _ الله يبارك لها ويديها الصحة والعافية يارب. ربت أكرم عليه وقال:
_ الله يخليك، هات الحاجه بقي خلاص وصلت. توقف المصعد فخرج كليهما، قال خضر:
_ عيب ياباشا. والله لهوصلهم لك لحد الشقه. ضغط زر جرس منزله ثم وضع المفتاح وقام بفتح الباب، فقال له الحارس:
_ أي خد.مات يا باشا؟ .

هم بأخذ الأكياس منه وقال:
_شكراً ياعم خضر.
وأخرج من جيب بنطاله مبلغ من المال و وضعه في جيب قميص الآخر:
_ حاجة بسيطة كده للأولاد. أرتسمت سعادة عارمه علي ملامح الرجل البسيط، فهلل بفرح:
_ الله يباركلك ويعمر بيتك يارب، وأشوفك لواء أد الدنيا. رحل الرجل، و دلف أكرم إلي الداخل، وضع الأكياس علي الطاولة الرخامية المطلة علي الردهة الشاسعة، يبحث عن زوجته وإبنته الصغيرة، فأخذ ينادي علي صغيرته:
_ لارا ، لارا.

ذهب إلي غرفتها و دخل فوجدها تغط في النوم ويبدو من ثيابها كانت مع والدتها بالخارج في مناسبة أو حفل زفاف، دثرها جيداً وقام بتقبيل وجنتها، ثم غادر الغرفة وذهب نحو غرفة النوم فوجدها تخرج من باب المرحاض المجاور للغرفة ترتدي معطف قطني، أنتفضت حين رأته ولكن تجاهلته وتابعت سيرها نحو غرفتهما، دلفت و وقفت أمام مرآة الزينة، أمسكت بفرشاة الشعر لتصفف خصلاتها الكستنائية.
تبعها و وقف خلفها محاوطاً خصرها ويضمها إلي صدره، ذقنه فوق كتفها، ينظر إليها عبر المرآة قائلاً بنبرة إشتياق ولهفة:
_ وحشاني أوي.

تركت الفرشاة علي الطاولة وأبعدت يديه بتأفف قائلة:
_ لو سمحت يا أكرم إبعد عني. جز علي أسنانه يحاول أن لايغضــ . ــب كعادته معها ويفسد محاولة إعتذاره لها، فقال:
_ والله كان غصب عني يا حبيبتي، كانت مهمة صعبة أوي ومينفعش نأجلها عشان دي تعليمات من الوزارة نفسها. رمقته بإمتعاض وقالت:
_ وأيه الجديد! ، من ساعة ما أتجوزنا هو يا دوب أسبوع أجازة وقضيناه نستقبل فيه الي جاي يبارك و كنا لسه هنسافر نقضي الهني مون زي أي أتنين عرسان يجيلك تليفون من الشغل تقوم فاصل أجازتك وترميني باليومين والتلاته لوحدي من غير ما تتصل حتي تطمن عليا.

يبدو أن كلماتها لم ترق إليه فزفر بملل كالمعتاد، جلس علي طرف التخت وقال:
_ والله يابنت الناس أنا قبل ما أتجوزك وحكي لك ظروف شغلي وإن وقتي مش ملكي وأنتي عارفه ده من أيام الخطوبة، فملهاش لازمة أسطوانة كل مرة أرجع فيها من مهمة ولا مأمورية بدل ما تخففي عني تعب الشغل وأرفه، تزودي عليا هم أكتر، الواحد فيه الي مكفيه ومش ناقص أرف. ألتفتت له وبصد.مة صاحت:
_ أنا أرف يا أكرم! .

_ أستغفر الله العظيم، مش هنخلص.
قالها بصوت منخفض، ثم أردف بآخر مسموع:
_ ممكن أفهم دلوقتي أي سبب زعلك ولاويه بوزك عليا كأن قــ . ـــتلت لك قـ,ـتيل؟. أجابت بحدية:
_ فيه إن يا حضرة الرائد قايله لك ومأكده عليك علي خطوبة نرمين بنت عمتي من قبلها بشهر، وأتصل عليك من الصبح وقافل موبايلك والكل عمال يسألني فين جوزك. _ والله أهلك عارفين طبيعة شغلي، مش جديد عليهم، و لعلمك أنا كلمت باباكي الصبح وباركت له وأعتذرت ليه إن مش جاي بسبب ظروفي والراجل أحترم وقدر ده.

_ أوك براحتك.
وأستدارت لتكمل تمشيط شعرها، فنهض وأقترب منها، أمسك من يدها الفرشاة وتركها علي طاولة الزينة، فعانقها بحنين وعشق يهمس علي عنقها ويقبله بشغف:
_ مش عايزك تزعلي مني أبداً ، أنا بعشقك أوي يا ندا. رفع وجهه ليحدق بزرقاوتيه في عينيها ذات لون حبات القهوة، ثم أنزل بصره ليهم بإرتشاف قطرات العسل من شفتيها الوردية، لكن غضــ . ــبها منه كان مسيطراً علي مشاعرها، قامت بدفعه في صدره وقالت بتأفف:
_ هو أنت مفيش عندك غير الموضوع ده تصالحني بيه كل ما تيجي تزعلني! .

تعالت أنفاسه بغضــ . ــب، فصاح بصوت مرعب:
_ أنا أبقي إبن…. لو عبرتك تاني، و من هنا ورايح مش هاتشوفي مني غير معاملة زي الزفت. أخذ دثار و وسادة وترك الغرفة، وهي جلست علي الكرسي أمام المرآة وأجهشت في البكاء. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ وصل بسيارته الفارهة أمام مقر الشركة التي يعمل محامياً لدي صاحبها وليس هذا فقط بل هو صديقه وشاهد علي كل ما يقترفه، ترجل من سيارته ودلف إلي الداخل، يبتسم لكل الموظفين والموظفات كعادته، ولج إلي المصعد و ضغط علي الزر، وصل بعد عدة طوابق، وسار في رواق طويل ثم دلف غرفة كبيرة فأستقبلته تلك الحسناء ذات الشعر الأحمر النــ ــاري وعدسات لاصقة باللون السماء:
_ أهلاً وسهلاً يا صلاح بيه، عاش من شافك. بادلها بإبتسامة ماكرة و أنحني إليها يتفوه بنبرة لعوب:
_ أي؟ ، وحشتك يا ماجي؟.

ضحكت بدلال سافر وقالت:
_ الي يسمعك وأنت بتقولي أنك وحشتني، يفتكرني واحدة من عـ,ـشيقاتك. مد يده بخفة ممسكاً بإحدي خصلاتها وقال:
_ وافقي بس وأنا هعيشك معايا أجمل أيام حياتك. _ ما لسه بدري يا متر!.
صاح بها صديقه بعد أن فتح باب مكتبه الداخلي، أبتعد صلاح عنها وأبتسم له قائلاً :
_ ديماً بتيجي في الوقت الغلط.

رمقه الآخر بنظرة تحذيرية بدون أن يتفوه، فقال صلاح قبل أن يذهب إليه:
_ عن إذنك يا My Love.
وغمز بعينه إليها و دلف إلي الداخل، فوجده ينتظره بملامج متجهمة قائلاً :
_ لآخر مرة بحذرك ياصلاح، حركاتك السخيفة دي أنت حر تعملها برة الشركه لكن جوه الشركة لاء. جلس في الكرسي المقابل له وأجاب بتهكم :
_ أوامرك دي تروح تقولها لواحدة من خاضعاتك يا سليم باشا. ضــ . ـرب سليم سطح المكتب بقبـ . ــضته:
_ أنا مش بهزر ياصلاح.

أجاب الآخر بصياح أيضاً :
_ ولا أنا كمان بهزر ياسليم. تمالك سليم أعصابه وتظاهر بالبرود فهو يعلم صديقه جيداً ، يستمتع بإثارة غضــ . ــب الآخرين خاصة هو.
فقال بهدوء مضاد ما بداخله:
_ عملت الي قولتلك عليه؟ . وقبل أن يجيب عليه، تناول علبة السيجار المصنوعة من خشب الأبنوس ومرصعة بالأحجار الكريمة، قام بفتحها وألتقط منها واحدة وأشعلها، يسحب نفساً عميقاً ثم زفره لأعلي في الهواء:
_ عايزك بس طول ما أنت قاعد تشكر ربنا إنه رزقك بصاحب ومحامي زيي، يقدر يجبلك أي معلومة عن أي مخلوق حتي لو كان عايش في قلب المحيط.

زفر بنفاذ صبر وقال:
_ إنجز ياصلاح. أخرج من جيب سترته علبة مخملية وقد.مها إليه، رمقه الآخر بإستفهام، فأخبره:
_ أفتحها وهاتعرف. قام بأخذها من يدها وفتحها فنظر لما تحتوي قائلاً :
_ للدرجدي الجربوع ده عامل لي فلاشه! .

قهقه صلاح وهو يزفر دخان السيجار:
_ الجربوع ده صاحب مصنع أكبر مخازن خردة في الصعيد وده الظاهر، إنما الي في الخفاء وعرفته بمصادري السرية، عنده مصنع في الجبل لإنتاج السـ . لاح بس ده غير يملك حوالي فدان بيحول يزرعو كوكايين لكن الحكومة كل مرة تيحي تعمل كبسة علي الأرض وتحــر . ــقها ويخلي واحد من رجالته يقول إنه صاحبها ويشيل الليلة، يعني من الآخر أدامك خصم مش سهل. _ ولما هو طلع شبـ . ــح وجامد أوي كده، أي الي خلاه يسـ,ـرق شحنة الكوكايين من المينا؟ .

رفع كتفيه دليلاً علي عد.م معرفته:
_ السؤال ده بقي تسأله ليه، بس بعد ما تعزيه في عمه العمدة الي مات.
زفر بأريحية ثم دفس السيجار في المنفضة، نهض وقال:
_ دلوقتي مهمتي أنتهت، أسيبك أنا عشان عندي ميعاد مهم مع عميلة أهم.
و أنهي جملته بغمزة من عينه، عادة ملازمة له.

وبعد مغادرته، فتح سليم حاسوبه الخاص وأدخل الجهاز الألكتروني في الفتحة الخاصة به، أرتدي نظارة طبية وبدأ في تصفح المعلومات ليجد في أول صفحة صورة لرجل ذو ملامح صارمة برغم وسامته، بشرته تميل إلي قليل من السمرة وعينين حادتين يعلوها حاجبان كثيفان، وأنف مستقيم حاد كصحابه، يمتلك شارب ولحية مشذبان وخصلات شعرها سوداء كثيفه.
بجوار الصورة مدون:
_ رافع خميس القناوي.
_ ٣٣سنة.
_ حاصل علي شهادة الإعدادية.
_ متزوج من إبنة خالته وليس لديه أبناء.
_ مقيم في محافظة قنا بنجع الشيخ نور الدين.

أخذ يقرأ بقية المعلومات و وجدها كما أخبره صديقه، وظل يكمل قراءة باقي الصفحات حتي توقف لدي صورة فتاة محجبة ذات بشرة حنطية و وجه ملائكي مستدير وعينيها بللون الذهب، ملامحها المنمقة تجعل كل من يراها يقع أسير سحر جمالها برغم بساطته، وما زادها جاذبية ذلك الحجاب الذي يخفي خصلاتها، مما أثار فضوله علي معرفة كيف يكون شكلها بدون هذا الوشاح. ذهب ببصره نحو المعلومات المدونة بجوار الصورة.
_ زينب خميس القناوي.
_ ٢٦ سنة.
_ خريجة نظم وحاسبات.
_ تعمل في مركز تكنولوجيا المعلومات التابع لمحافظة قنا.
_ مخطوبة لإبن عمها فارس قاسم القناوي.

ظل يقرأ تلك الجملة ويرددها مراراً وتكراراً، ونظرات عينيه الحادة مليئة بالغموض. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انت في الصفحة 3 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى