روايات

فارس بلا مأوى بقلم ولاء رفعت الجزء الأول

_ و في دار القناوي تقف الخالة هنادي مع الخاد.مة يعدان عدة أصناف من الطعام من أجل هذا القاد.م.
وفي إحدي الغرف يقف الحاج قاسم أمام صورة زوجته المتوفــ . ــية يتأملها بشوق وحنين قائلاً :
_ عتوحشتيني يا غالية يا أم الغالي، كان نفسي تكوني عايشة وتشوفي ولدك بعد ما بجي مهندس أد الدنيا في بلاد الخواچات، و كمان عيبجي عريس، ومارته عتكون كيف ما وصيتيني يتچوز زينب بت عمه وكأن جلبك كان حاسس إنه ولدك عيعشجها.

زفر بأريحية وتمدد علي تخته وهو يشعر بالدوار فجاءة، مد يده نحو الكمود وتناول علبة دواءه ليأخذ قرص صغير الخاص بعلاج القلب، كانت يديه ترتجف ولم يستطع بإمساك العلبة فوقعت من يديه. رن جرس الباب ويتبعه طرقات متتالية، فقالت الخالة هنادي:
_ عتلاجيه الواد حسنين چاب اللحمة المفرومة للرجاج. قالت لها الفتاة:
_ عروح أخدها منيه أني يا خالة؟. أجابت الخالة:
_ لع، عاروح أني وأنتي روحي طُلي علي الحاچ. و قامت بمسح يديها في المنشفة وذهبت لتفتح الباب، وجدت الغفير حسنين ذو الضحكة البلهاء:
_ أتفضلي يا خالة المفروم كيف ما طلبتيه.

أخذت الكيس من يده وقالت:
_ تسلم يدك يا حسنين. _ أي خد.مات يا ست الكل؟ . _ متشكرين، لو أحتاچت حاچة عناد.م عليك. _ ألحجيني يا خالة، دخلت علي سيدي قاسم لاجيته واجع علي الأرض ومبينطجش .
صاحت بها الفتاة بملامح مذعورة خائفة، شهقت الخالة بخوف قائلة:
_ ياستير يارب. وذهبت مسرعة إلي الغرفة فوجدت الحاج قاسم متمدد علي الأرض في حالة إغماء، صاحت في الفتاة:
_ بت يا ورد، أخرچي بسرعة جولي للغفير حسنين يتدلي علي الحكيم بسرعة.

أجابت ورد:
_ أمرك يا خالة. وذهبت مسرعة لتخبر الغفير الذي أنتفض خوفاً علي رب عمله، وذهب إلي الطبيب وجلبه علي الفور.
دلف الطبيب فوجد الخالة هنادي تجلس بقلق و خوف، بعد محاولات عديدة لإفاقة الحاج قاسم.
فقال:
_ السلام عليكم يا خالة. أجابت و الخوف يعتري ملامحها:
_ وعليكم السلام، ألحجنا يا دكتور، كنا مهملينه الصبح زين ويا دوب ساعتين وجولت للبت ورد تطمن عليه، دخلت لاجته واجع علي الأرض وعلبة دوا الجلب جاره واجعه، شكلها وجعت منيه وملحجش ياخدها.

أخرج الطبيب أدواته الطبية من الحقيبة وقال:
_ إن شاء الله خير يا خالة. قام بفحصه لمدة دقائق، ثم غرز في ظهر كفه إبرة الكانيولا وقال:
_ أنا هعلقله محاليل، عشان واضح عنده هبوط فلازم يفوء الأول وبعد كده ناخده علي المستشفي. قالت الخالة وهي تنظر للحاج بحزن:
_ مشتشفي! ، چيب العواجب سليمة يارب. – و بخارج الدار، تحديداً في الخلف تتلفت الخاد.مة ورد يميناً ويساراً حتي تأكدت من خلو المكان من أي شخص ما، فأخرجت هاتفها من طيات جلبابها لتهاتف إحدهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ وفي منزل آخر، فوق السطح تحمل تلك الفتاة وعاء مليئ ببواقي الطعام وتلقيه إلي الدجاج والبط، و ملأت لهما أوعية الفخار بالماء، وبعد.ما أنتهت من عملها كادت تلتفت لتهبط الدرج فتفاجأت به واقفاً خلفها، شهقت بخوف:
_ بسم الله الرحمن الرحيم. حدجها بنظرة سخط تحولت إلي أخري ماكرة:
_ شوفتي عفريت إياك؟ . قالت وهي تتراجع إلي الخلف:
_ مجصدش ياسيدي، أني بس معرفاش إنك أهنه، فأتخضيت.

أقترب منها ونظراته تتجول علي جسدها قائلاً :
_ معلش، المرة الچاية عبجي نكح لأجل متتخضيشي.
انهي كلماته واضعاً يديه علي خصرها يجذبها إليه وهم بتقبيلها فأوقفه صوت والدته التي صاحت:
_ زكريا؟ . أبتعد عن الفتاة التي قامت بصفع وجنتها وبخوف قالت:
_ يا مُري ستي چليلة. رمقتهما جليلة وبغضــ . ــب قالت:
_ واجفه عندك بتهببي أي؟. أبتلعت لعابها وأجابت بتوتر:
_ والله ياستي كنت بواكل الطير كيف ما جولتيلي و….. قاطعتها الأخري بصرامة:
_ خلاص يلا أتدلي من أهنه وچهزي الواكل.

أومأت لها متجنبة نظراتها الحادة:
_ أمرك ياستي.
و ذهبت مسرعة، فألتفتت جليلة إليه فوجدته يقف ينظر لأسفل، فقالت بحده:
_ كم مرة نبهتك وحذرتك عن عمايلك العفشه دي؟. أجاب بإستنكار:
_ معملتش حاچة. _ واه!، والي حوصل دلوق كان أي يا ولد بطني؟. تحمحم وحك ذقنه قائلاً:
_ كنت بجولها حاچة.

قالت بسخـ ــرية:
_ أوعي تكون يا واد فاكرني داجة زرازير إياك!، أني خابرة زين الي بتعملو سواء مع البت عبير ولا ورد الي بتجابلها في السر، وبجول بكره يعجل وربنا يهديه ويتچوز لكن لساتك كيف ما أنت و….. وعتفضل إكده، ولأخر مرة بحذرك يا زكريا لأن المرة الچاية عيكون ليا تصرف معيچبكش واصل. وقف أمامها بتحدي وقال:
_ الحديت ده تجوليه لبكر أخوي الصغير، لكن أني راچل وحر أعمل كيف ما أني رايد و مفيش مخلوج في الدنيا يجولي تعمل ولا ما تعملش.

هوت بكفها الغليظ علي وجهه:
_ بتعلي صوتك علي أمك! . تابعت بللهجة حادة:
_ياريتك كنت كيف أخوك في أخلاجه، لكن أنت كيف الشيـ . ـطان ڤاچر ولا تعرف عيبة ولا حـ ـرام. حدجها بنظرات نــ ــارية فهم بالذهاب قائلاً:
_ و الڤاچر عيهمهلهالك وما عتشوفي خلجتي واصل. وتركها ورحل، بينما يهبط الدرج جاءه إتصالاً هاتفياً، أنتظر حتي أصبح خارج المنزل، فأجاب:
_ عايزة إيه أنتي كمان؟. _ أتصلت عليك كتير جوي، كنت عايزة أجولك فارس بيه راچع من السفر وچاي في الطريج، وسيدي قاسم تعب فچاءة وعنده الحكيم.

وقبل أن يجيب لمح المقبل عليه فقال:
_طيب أجفلي دلوق وهبجي أتصل عليكي، سلام. _ أي الي موجفك إكده في عز القياله؟.
قالها رافع، فأجاب الآخر:
_ أني رايح علي المطُرح بتاعي نواحي المعبد الجديم. قهقه رافع وقال:
_ عمتي عملتها معاك وطردتك إياك؟. زفر بحنق وقال:
_ أني الي مهمل الدار. أقترب رافع و ولكزه في كتفه وسأله بخـ . بث:
_ ليكون جبصتك مع البت عبير الخدامة؟. أشاح بيده و بضيق قال:
_ وهي أول مرة عاد!، شكلها حاطني في د.ماغها لأچل تچوزني لبت عمتي الي لساتها عيله صغيره.

_ وماله يا أخوي، ماتتچوز وأعمل الي أنت رايده، كيفي إكده. _ أني كيف الطير بيحب يحلج ويعيش حر، بلا چواز بلا هم. زفر رافع بتأفف:
_ علي جولك، لسه مهمل نوارة و زينب ماسـ . ــكين في خناج بعض، والأولي كيف تنتجم مين خايتي چاية تخبرني إنها سمعتها بتتحدت ويا فارس واد عمك وبتجول راچع و خيتي عتروح تجابله. أبتسم زكريا واضعاً كفه علي كتف الآخر، فقال:
_ ما أني كنت عخابرك نفس الحديت، لساني عارف من البت ورد، وكمان عمك قاسم تعبان جوي والحكيم عنده شكله والله أعلم بيودع.

ضيق رافع عينيه وقال:
_ ياريت الي في بالي يوحصل، وجتها هيكون الوجت مناسب جوي. رمقه الآخر بعد.م فهم وسأله:
_ تجصد أي؟. صوب بصره نحو الفراغ وقال بنبرة ذات مغذي:
_ عتعرف كل شئ في أوانه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ وبعد مرور عدة ساعات، مازال الحاج قاسم ممدد علي فراشه بعد.ما أستيقظ من إغماءه، حاول الطبيب إقناعه بالذهاب إلي المشفي لكن الآخر أصر علي بقائه في الدار ولم يغادر فراشه سوي علي قبـ . ـره. توقفت السيارة بالخارج، ترجل منها فارس بللهفة يطرق الباب، فتحت له ورد:
_ حمدالله علي السلامة يا سيدي.

نظر لها مبتسماً:
_ الله يسلمك يا ورد، فينها خالة هنادي والحاچ. أجابت:
_ الخالة عند سيدي قاسم چوه.
وطأطأت رأسها بحزن، مما دفعته قائلاً :
_ ماله أبوي؟ . وركض إلي غرفة والده بقلق وخوف، فوقعت عينيه عليه راقد علي مضجعه في حالة يرثي لها من التعب والوهن، يتصل بيده أنبوب المحلول.
أبتسم والده حينما رآه مقبلاً عليه:
_ حمدالله على السلامة يا ولدي. أنحني فارس علي يد والده وقبلها:
_ مالك يابا؟. تحدثت الخالة هنادي:
_ تعب فچاءة والحكيم جال لازم يتنجل علي المشتشفي، وهو معاند ومش رايد يتحرك من السرير.

رمقه فارس بعتاب:
_ ليه إكده يا أبوي؟ . تفوه بصعوبة قائلاً:
_ خلاص يا ولدي، شكلها هي دي نهاية رحلتي في الدنيا، كنت بدعي ربنا إن عشوفك جبل ما أروح له. أزدرد الآخر ريقه ويمنع عبراته فقال:
_ بعد الشر عليك يابا، متجولش إكده، أني هاخدك علي المستشفي الدكتور يطمن عليك ونعاود علي الدار، أني خابر كرهك للمستشفيات. رفع يده المرتجفة علي وجه نجله يلمس ذقنه بحنان وكأنه يتأمل ملامحه:
_ ريح جلبي يا فارس، وأسمعيني زين.

ألتفت برأسه نحو الخالة وتابع قائلاً :
_ جربي يا هنادي. أقتربت ووقفت بجوار فارس:
_ أمرك يا حاچ؟ . أشار بيده إلي الدورق:
_ لافيني بوج ميه. أسرعت بسكب الماء في الكوب، فحاول فارس مساعدته في نهوض جذعه قليلاً ليتمكن من إرتشاف الماء حتي أنتهي وعاد إلي التمدد مرة أخري، تابع وقال:
_ الي هجوله دلوق وصيتي ليك يا ولدي، أولاً الخالة هنادي وكل الي بيخد.مو في الدار أمانة في رجبتك. أندفعت الخالة وبدأت تبكي:
_ متجولش كده يا حاچ، بعد الشر عل…

رفع يده وقاطعها:
_ متجاطــ . ــعنيش جلبي مش حمل مناهده عاد، خليني أكمل وصيتي لأجل أكون مرتاح. عاد بالنظر إلي فارس وأردف:
_ عمك خميس وعمتك چليلة، أني خابر كرههم وحقدهم ليا وليك وعذرهم الله يسامح چدك معاملته الجاسيه ليهم والتفرجه بيني وبينهم ، خلت جلوبهم مليانة سواد ومع إكده عمري ما أتخليت عنيهم لأنهم أخواتي مهما سو، متجطعش الود وياهم يا ولدي و أتچوز زينب وأعملها فرح يتحاكي بيه النچع كلاته، وحطها چوه عينيك، ثاني هام وهي وصيتي ليك في أهل البلد أحكم بينتهم بالعدل ولو چالك مظلوم أنصفه وچيبلو حجه، وإياك والظلــ . ــم يا ولدي.

أنسدلت من عينه عبرة فقام بإزاحتها وقال:
_ كفياك حديت يا أبوي، وغلاوتي عندك تعالي نروحو المستشفي. أعتدل في نومه وينظر إلي شئ ما لايراه سواه قائلاً :
_ أني شايفها كيف البدر، عتستناني، وأنا رايح لها. أغمض عينيه في سلام وطمأنينة، أنتفض فارس وأتسعت حدقتيه بشدة غير مصدق، وضع يده علي عنق والده:
_ أبا؟، أبا؟ . أخذت الخالة تبكي وتعالي صوت بكاءها بنحيب:
_ سيدي قاسم. صاح فارس بصراخ:
_ أبا! .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ في مشهد تد.مع له العيون وتد.مي له القلوب، يقف أهل النجع جميعاً في المقابــ . ـر، الرجال في المقد.مة يشاهدون مراسم الدفــ . ــن والنساء خلفهم بين صراخ وعويل علي مــ . ــوت هذا الرجل الذي كان محبوباً من أكبرهم لأصغرهم.
بينما كان حال نجله المسـ . ــكين تنتفض له خلايا الجسد، يحمل مع الرجال كفن والده ليضعوه بداخل المقبـ . ـرة التي تعلو التربة، فالمقابــ . ـر لديهم أعلي سطح الأرض ويعلوها قباب أو شواهد.

وهناك يقف رافع وبجواره زكريا يتصنعان الحزن علي عمهما، لكن في صدورهم كانت تتراقص السعادة، فأخيراً ستكون العُمدية من نصيب خميس القناوي لكن كيف وهناك فارس! . تقد.م رجل ضخم البنية ذو ملامح مخيفة، أقترب من رافع وأنحني نحو أذنه وأخبره شيئاً ما، فربت الآخر علي كتفه وقال:
_ عفارم عليك يا ديبكي، روح أنت وحضر للعزا مع الرچالة. رحل ديبكي، فأقترب زكريا من رافع هامساً:
_ سويت أي يا واد خالي، أنا خابرك لما بيظهر دبيكي بيكون وراه مصيبة واعرة.

أجاب الآخر بنبرة إنتصار مليئة بالسعادة:
_ كلها ساعتين وعاتيعرف، ولو الفضول جاتلك جوي أبجي أسأل عشيجتك ورد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ وفي منزل القناوي، تلملم أشياءها بداخل تلك الحقيبة المتهالكة، وقبل أن تغلقها أمسكت بظرف أبيض وقامت بفتحه لتطمأن علي المال وتحدق فيه بفرح، سمعت بأصوات في الخارج يبدو أنهم قد أنتهو من مراسم الدفــ . ــن، أسرعت بدفس الظرف بين ثيابها وأغلقت الحقيبه مسرعة.
ألقت وشاحها الأسود علي رأسها وركضت إلي الخارج ثم غادرت من الباب الخلفي قبل أن يراها أحد، فكما أمرها هذا الديبكي بأن ترحل من النجع بأكمله وإلا سوف يقــ . ـــتلها ويرمي جـ,ـثتها في الصحراء إلي الذئاب الجائعة.

دلفت الخالة هنادي تبحث عنها تنادي بصوتها الباكي الحزين:
_ ورد؟، بت يا ورد.
لا إجابة، جففت ماتبقي علي وجنتيها من عبرات وقالت:
_ راحت فين البت دي؟ . وذهبت نحو غرفتها لعلها تكن بالداخل، فأوقفها صوت الغفير حسنين قائلاً :
_ خالة هنادي، سي فارس بيجولك أفتحي الدار لأچل الحريم الي چايين يعزو. _ و في دار خميس القناوي، تصرخ وتبكي:
_ آه يا عمي، كنت ليا الأب والسند ياعمي. في ذلك الحين ولج رافع يخلع عباءته قائلاً :
_ كفاياكي عويل و ولوله، أبوكي وأخوكي لسه عايشين، عتبكي علي مين إياك.

رفعت وجهها وحدجته بنظرات كراهية:
_ ملكش حديت معايا واصل، تجفل عليا باب الأوضة بالجفل لأجل ما أروحش الدفــ . ــنه. قال بتهكم:
_ عتروحي الدفــ . ــنه ولا عتشوفي حبيب الجلب وتواسيه!، حطي الكلمتين دول حلجة في ودانك فارس ده صفحة وأتجفلت أو نجول أتجطعت. نهضت وباغتته بهجوم صارخه في وجهه:
_ ليه بتكرهه جوي إكده! ، إكمنيه أحسن منك، چدع ومهندس والناس كلاتها بتحبه وأنت كيف الشيـ . ـطان لو حد شافك يستعيذ بالله منك ومن شرك.

لم يتحمل كلماتها القـ,ـاتلة، فلم يشعر بحاله وهو يهوي علي وجهها بكفيه، فكانت تتهاوي يميناً ويساراً من قوة صفعاته، وفي تلك الأثناء عاد والديهما ونوارة، صاحت السيدة رسمية وهي تمسك به تمنعه عن صفع شقيقته:
_ عتعمل أي يا واكل ناسك. توقف عن صفعها ويلتقط أنفاسه يرمقها بشر ولم يحيد بعينيه عنها قال:
_ بترفع صوتها وتجل أدبها علي أخوها الكبير، وجسماً بالله ما أنتي عتعتبي باب الدار واصل.

_ والله عال يا ولدي، بتضروب خيتك وتجمر وتنهي وأني لساتي عايش.
صاح بها خميس، ألتفت له رافع وبخجل تطأطأ رأسه قائلاً :
_ حجك علي يا أبوي، مجصديش، كل الحكاية الهانم خرچتني عن شعوري لما غلطت فيا. نظر نحوها والدها ليجدها ترتجف وتبكي بين زراعي نوارة التي تربت عليها، فبرغم خلافتها معها لكنها شعرت بالشفقة فهي تعلم قسوة زوجها عند.ما يفقد أعصابه وتثور أغواره.
قال خميس:
_ صوح الي جاله أخوكي يا زينب؟. أجابت ببكاء و ترمق شقيقها بكراهية شديدة:
_ أيوه، جولت له إن فارس برجبته و الكل شايفه شيطان رچيم.

زجرها رافع بنظرة مرعبة قائلاً :
_ سامع يا ابوي! . رمقتها والدتها بإمتعاض وقالت:
_ كيف بتجولي علي أخوكي الكبير شيطان! . صاح خميس بأمر:
_ إعتذري لأخوكي يا زينب. صاحت برفض تام:
_ لع يا أبوي. زفر خميس بغضــ . ــب وقال:
_ إكده عتكسري كلامي؟، يبجي منك ليه والي عيجولك عليه أخوكي عتنفذيه بالحرف الواحد، أني رايح العزا، أبجي حصيلني يا رافع. فقالت رسمية:
_ وأني رايحة ويا چليلة خيتك دار القناوي.

_ خديني وياكي يا خالتي.
قالتها نوارة، فقال رافع بأمر حازم:
_ مفيش مرواح، عتقعدي ويا المحروسة عجبال ما نيچي، ولو خطت خطوة برة الدار عتكوني أنتي المسئولة قدامي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ بعد أن عاد من المقابــ . ـر ولج إلي غرفة والده يتأمل كل ركن وكل أثاث تحتويه، فهنا علي الكرسي المقابل للتخت كان والده يجلس ويتلو آيات القرآن الكريم و في ركنٍ آخر كان يؤدي فريضته، وأسفل التخت كان ملاذه عند.ما يخطأ ووالدته تركض خلفه وتريد معاقبته فيختبئ بالأسفل ويأتي والده يقول له:
_ ما تخافش يا فارس، أطلع من عندك.

يخرج وينظر ببراءه إلي والده ويقول:
_ أني معملتش حاچة يا أبوي، رافع واد عمي هو الي جص حبل الخلچات الي أمي لساتها غسلاهم وراح جالها فارس الي عملها. جذبه والده بين زراعيه وأحتضنه بحنانه الذي يغمره به دائماً وقال:
_ مصدجك يا ولدي، هو طالع كيف أبوه يعملو المصيبة ويلزجوها لغيرهم، ربنا يهديهم. أشتد الصغير من عناق والده وقال:
_ أنا بحبك جوي يا أبوي. أجاب عليه بعناق أقوي:
_ وأنا كمان يا غالي يا ولد الغالية.

_ تذكر ذلك المشهد وكأنه حدث للتو، لم يشعر بالعبرة التي أنسدلت منه رغماً عنه، أتجه إلي الخزانة ففتحها وأخذ جلباب والده الذي ما زال متعلق به رائحة عطره المكون من المسك والعود، أستنشقه بشده وأجهش بالبكاء كطفل صغير و أخذ يردد:
_ ليه سبتني لوحدي يابا! ، ملحجتش أترمي في حــ . ــضنك وأتحدت وياك، أحكي لك عن أيامي في الغربة، آه يابا، آه يابا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ تخطو غرفتها ذهاباً وأياباً تريد أن تذهب وتلقاه، تعلم كم يحتاج إليها في هذا الوقت، لابد إنه يحتاج إلي عناقها ويفيض ما بداخله من حزن وآسي علي فقدان والده.

خرجت من غرفتها بدون أن تصدر أي صوت تبحث بعينيها عن نوارة فوجدتها تجلس علي الكرسي أمام التلفاز وتغفو رغماً عنها، فها هي فرصتها في الهروب لدقائق فقط، أرتدت الحجاب علي عجلة من أمرها وذهبت لكي تفتح باب المنزل فوجدته موصداً من الخارج بالمفتاح، زفرت بتأفف، حتي توصلت إلي فكرة الهرب من نافذة غرفتها التي تطل علي حديقة فلم تكن بالإرتفاع الذي ستتأذي إذا قفذت منها. وبالفعل نجحت في القفز، وتسللت إلي الخارج عبر بوابة الحديقة التي يبدو أنهم قد نسو إغلاقها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

– ظل هكذا لدقائق حتي بدأ يهدأ، طرقات علي باب الغرفة فقال:
_ أتفضلي يا خالة هنادي. دلفت هنادي تحدجه بحزن علي حالته، فقالت بصوتها الحنون الهادئ:
_ لساتك عتبكي يا ولدي؟ . أجاب وهو يواري وجهه عن عينيها:
_ لاء مفيش حاچة يا خالة. أقتربت منه وربتت عليه بحنانها المعتاد وقالت:
_ طب يلا أخرچ فيه ناس رايدين يجبلوك. قال برفض تام:
_ وأنا ما رايدش أجابل حد عاد. فجاء صوت أنثوي رقيق يقف لدي باب الغرفة:
_ حتي أني يا فارس! .

ألتفت لصاحبة الصوت فها قد جاءت في أشد الأوقات إحتياجاً لها، رمقها بنظرات حزن وألم وهي كذلك بل كانت نظراتها مليئة بالشوق الجارف، خرجت الخالة هنادي لتتركهما في هذا اللقاء القوي، وبالفعل لم يشعر بساقيه وهو يركض نحوها ليرتمي بين زراعيها وقال ببكاء مرير:
_ أبوي مات يا زينب، الحب والحنية وكل حاچة حلوة راحت ومش راچعة. ربتت عليه وقالت:
_ متجولش إكده يا واد عمي، أني وياك.

نظر في وجهها وملامحها التي يحفظها عن ظهر قلب ويعشق كل تفاصيلها الدقيقة، كم أغرقت ذهبيتيها لُب فؤاده عند التحديق بداخلهما، رفع يده وأخذت أنامله تلامس وجنتها المياس، تلاقي إبهامه عبره تنحدر ببطئ، فقام بإزالتها وقال:
_ المفاچاءة الي كنت عجولك عليها، هي إن عنتچوز في خلال أسبوعين، وبعد الفرح اخدك وياي ونسافرو علي أمريكا، لكن كيف ما أنتي خابره وشايفه.

بداخلها يتراقص من السعادة لكن لم تظهر ذلك مراعاة لمشاعره، فقالت:
_ ولا يهمك يا حبيبي، عمي قاسم الله يرحمه كان عمي وأبوي ما في حد في حنيته وطيبته، و مفيش مشكلة لو أچلنا جوازنا لحد الأربعين، بعدها نكتبو الكتاب و نسافرو وياك، معوزاش فرح، فرحتي هي أكون حدك وچمبك ولا حاچة تفرجنا.

ومن شيمه التي تعلمها لم يستطع الرد علي كلماتها التي تأسر حواسه بل كان يجيب عليها بأفعاله، فجذبها إلي صدره وعانقها بقوة لايعلم ما ذلك الشعور وتلك الإنقباضة التي تسري بداخله، يخبره حدسه بأن هذا العناق ربما لم يتكرر، وكلما زاد إحساسه بالخوف كلما يشتد من إحتضانه لها وتفوه بكل ما يُكن إليها من مشاعر عشق و تيم:
_ بعشجك جوي يا زينب. دفــ . ــنت وجهها في عنقه، تشعر بالخجل وتختبأ بين زراعيه، وما لبثت تلك المشاعر الجامحة إلا دقائق معدودة ليقاطعها طرقات قوية علي باب المنزل، أنتفضت مُبتعده عنه وبخوف فقال لها:
_ مالك خايفه إكده؟ .

تمسكت في زراعه كالطفلة وقالت بملامح مرتجفة:
_ عتلاجيه رافع أخوي، لو خابر أني إهنه ممكن يجطــ . ــعني. قطب حاجبيه بضيق فقال وهو يربت عليها:
_ متخافيش وخليكي أهنه، محدش يجدر يجربلك وأنا وياكي. خرج من الغرفة وأغلق الباب وذهب ليري من الطارق، فوجد الخالة أقبلت عليه بتوتر قالت:
_ ده، ده. _ في أي يا خاله ماتنطجي؟ . أتاه صوتاً غليظ من خلفها قائلاً :
_ حمدالله علي السلامة يا باشمهندس فارس. كان ضابط المخفر التابع للنجع، أجاب فارس:
_ الله يسلمك يا حضرة الظابط، أتفضل.

تحمحم الضابط بإحراج وقال:
_ أنا عارف الظرف الي عندك، والحاج قاسم الله يرحمه كان عزيز علينا كلنا، بس للأسف ده شغلي، جايلي أوامر بتفتيش البيت. رمقه فارس بإمتعاض وقال:
_ كيف يعني تفتشوه، چري أي يا مچدي بيه! . أخرج الضابط من سترته ورقة و أعطاها له:
_ ده أمر من النيابة يا باشمهندس. ألقي فارس نظرة علي محتواها، زفر بضيق وأعطاها له قائلاً :
_ أتفضلو. أشار الضابط إلي العساكر ليدلفو إلي الداخل وأنتشروا في أرجاء المنزل، كاد إحدهم يفتح باب غرفة والده، صاح به فارس:
_ وجف عندك.

فأنفتح الباب وخرجت زينب تنظر لهم بقلق، ركضت نحو فارس وتشبثت به كطفلة صغيرة وقالت :
_ الي بيُحصل يا فارس؟ . حاوطها بزراعه ليطمأنها وينظر إلي الضابط في آن واحد، قال:
_ مفيش، الظاهر إكده حد مجد.م بلاغ كيدي. خرج عسكري من غرفة فارس يحمل حقيبة جلدية:
_ تمام يا مچدي باشا، أني لاجيت الشنطة دي تحت سرير الباشمهندس.
وضعها أعلي المنضده وقام بفتحها فظهرت أكياس تحتوي علي المخدـ . ـرات، شهقت زينب و ضــ . ـربت كفها علي صدرها بصد.مة:
_ يا مُري.

وكانت الصد.مة تلجم لسان فارس الذي يحدق في محتوي الحقيبة غير مصدق، فقال الضابط بتهكم:
_ أي ده يا باشمهندس؟، واضح الي قد.م فيك البلاغ كان متأكد. هز رأسه بالنفي وقال:
_ مليش صالح بالي قدامك ده، ولا أعرف كيف وصلت لأوضتي. فقالت الخالة بدفاع:
_ يا حضرة الظابط، جسما بالله فارس ما خطاش أوضته عاد، كان راچع من السفر وأتدلي علي أوضة الحاج قاسم الله يرحمه وملحجش حتي يغير خلجاته و يا دوب لساته راچع من دفــ . ــنة أبوه.

رد الضابط بحزم:
_ الكلام ده يبقي يقوله في المحضر. صاحت زينب بتوسل:
_ فارس عمره ما يعمل إكده، ده بالتأكيد حد دسله الشنطه تحت سريرو. لم يكترث الضابط لكلماتها بل أعطي أمره إلي العساكر:
_ هاتو معاكو الحرز وهاتوه علي البوكس. أمسكو به وأتجهو إلي الخارج في ظل صرخات الخالة وزينب التي تركض خلفهم، صعدوا إلي داخل صندوق السيارة، وقبل أن تذهب صاح فارس:
_ خدي زينب يا خالة هنادي و روحيها علي بيت عمي.

أجابت وهي تبكي علي إبنها التي لم تنجبه:
_ أطمن يا ولدي، عاتصل بعبدالمچيد المحامي وعجوله يحصلك علي القسم. _ فارس برئ يا حضرة الظابط، فارس برئ.
أخذت زينب ترددها وتتلوي بين يدي الخالة التي منعتها من الركض خلف السيارة وهي تنطلق.
لم تتحمل ما حدث وفـ . ـاه عمها الذي كان بمثابة والدها وأكثر أم ما حدث للتو، تلفتت من حولها وجدت أهل النجع يتجمعون مرددين بعض عبارات الأسف والحزن علي ما يحدث.
ما زالت تبكي وتنادي بأسمه:
_ يا فارس، يا فارس.

وقعت جاثيه علي ركبتيها وعبراتها تتساقط علي الأرض، فتوقفت عن البكاء عند.ما وجدت حذاء صاحبه يقف أمامها بطوله الفارع، رفعت رأسها لتري آخر وجهه تتمني رؤيته الآن.
جذبها من زراعها بعنــ . ــف وقال من بين أسنانه:
_ أي الي خرچك من الدار يا فاچرة؟. حاولت التملص من قبـ . ــضته وهي تضــ . ـربه بكفيها:
_ بعد عني.

_ حجك علي أني يا رافع بيه، هي چت تسألني علي حاچه وكانت راچعه لكو تاني.
قالتها الخالة فأجاب الآخر بحديه:
_ أخرسي أنتي يا وليه، محدش جالك تدافعي عنها، وأنا خابر أعلمها كيف متسمعش كلامي وتكسرو لأجل عيون حبيب الجلب الي هيشرف السچن. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انت في الصفحة 2 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى