عشـــ,,ـــق بالخطأ بقلم نورهان العشري
ريم كانت واقفة قدام المراية في جناح العرايس، بتبص لنفسها بذهول. الفستان المنفوش المطرز كأنه حتة من السما، والمكياج رقيق ومبين ملامحها الهادية. كانت حاسة إن النهاردة أسعد يوم في حياتها، وأخيراً هتتجوز “ماجد”، الحب اللي حلمت بيه.
مسكت بوكيه الورد، وقررت تروح جناحه اللي في نفس الدور عشان تفاجئه بشكلها قبل ما “الزفة” تبدأ.. كانت عايزة تشوف نظرة الانبهار في عينيه.
وصلت قدام باب الجناح، لقت الباب موارب حاجة بسيطة. لسه بترفع إيدها تخبط، سمعت ضحكة دلع عارفة صاحبتا كويس.. ولاء! صاحبة عمرها.
جمدت مكانها لما سمعت صوت ماجد الواطي وهو بيقول:
“يا بت اهدي بقى، حد يشوفنا.. كلها ساعة والتمثيلية دي تخلص ونبقى في الكوشة.”
ولاء ردت بدلع مستفز:
“تمثيلية؟ يعني هتقدّر تستحملها وهي جنبك بكرة؟ دي باردة ومملة يا ماجد، أنا مش عارفة إزاي هتمثل الحب ده كله!”
ريم حست ببرودة بتجري في جسمها، قربت ودنها أكتر وهي مش مصدقة، فسمعت ضحكة ماجد الساخرة:
“يا روحي، أنا مش شايف ريم أصلاً.. أنا شايف الشيكات، العقارات، والملايين اللي هترسي علينا من ورا باباها. الراجل ده صحته في النازل، وريم هي الوريثة الوحيدة.
يعني جوازي منها هو ‘البيزنس’ اللي هيأمنلي وأمنلك مستقبلك يا لولو. هانت، نتــ,,ـــــحمل الرزالة دي شهرين تلاتة، وبعدين نعيش بفلوسها في تبات ونبات.”
ولاء ضحكت وقالتله:
“ماشي يا نصاب.. بس تفتكر هي هبلة للدرجة دي؟”
رد عليها بثقة قذرة:
“ريم؟ دي غلبانة وبوقين حلوين بيثبتوها.. دي فاكرة إني دايب في دباديبها. المهم دلوقتي، اطلعي إنتي عشان متتأخريش، وعايزك النهاردة ‘وصيفة العروسة’ المثالية، مش عايز أي غلطة لحد ما العقد يتكتب والميراث يضمن مكانه في جيبي.”بقلم نورهان العشري
الدنيا لفت بـ ريم، البوكيه وقع من إيدها على السجاد من غير صوت. حست إن الهوا خلص من الأوضة، وإن الفستان اللي كان حلمها بقى كأنه “كفن” بيخنقها.
من غير تفكير، ومن غير ما تفتح الباب وتواجه القذارة دي، لفت وجريت.. كانت بتجري بفستانها التقيل في طرقة الأوتيل الطويلة وهي بتمسح دموعها اللي بوظت المكياج. كانت بتشهق وكأن حد ضاربها بسكــ,,ـــــينة في قلبها.
لمحت باب غرفة “خدمة الغرف” مفتوح، دخلت واستخبت ورا الباب وقفلت على نفسها بالمفتاح، وانهارت على الأرض وسط الفستان الأبيض.. كانت بتسأل نفسها: “إزاي الشخصين اللي أمنت ليهم في الدنيا، هما أكتر ناس حفروا لي الحفرة دي؟”
★★★ خرجت ولاء من الأوضة وهي بتعدل طرحتها بابتسامة نصر، لكن رجلها خبطت في حاجة صلبة على الأرض. نزلت عينيها وبرقت بصدمة.. بوكيه الورد بتاع ريم!
جريت ودخلت لماجد تاني وهي بتنهج:
“ماجد! إلحق.. ريم كانت هنا! البوكيه بتاعها مرمي قدام الباب، أكيد سمعت كل كلمة قلناها!”
ماجد وشه جاب ألوان، واتحول ملامحه لغضـ ـب مرعب وهو بيزعق:
“عجبك كدة؟ عجبك الدلع بتاعك ده؟ البنت لو هربت أو بلغت أبوها كل اللي خططنا له هيروح في داهية!”
بسرعة البرق، ماجد نزل اتصل بأمن الأوتيل وبدأ يلم الحرس بتوعه وهو بيقولهم بلهجة آمرة:
“العروسة تطلع من تحت الأرض، فاهمين؟ دوروا في كل الطرائق، في الحمامات، في غرف الخدمة.. ممنوع تخرج من الأوتيل ده!”
لحظة الرعب
في غرفة “خدمة الغرف” الضيقة، كانت ريم كشة في نفسها، كاتمة صرختها بإيديها وهي سامعة صوت جزم الحرس الثقيلة بره وصوت ماجد وهو بيزعق باسمها: “ريم! اطلعي يا ريم متبقيش عيلة.. لازم نتفاهم!”
حست إن الأوكســ ـجين بيخلص، فقررت تغامر. فتحت الباب براحة، وبدأت تجري في الطرقة الواسعة وهي شايلة ديل فستانها التقيل، لكن فجأة واحد من الحرس لمحها وصرخ:
“أهي!
العروسة هناك يا باشا!”
ريم مابقتش شايفة قدامها، ضــ,,ـــــربات قلبها كانت أسرع من رجليها. لقت قدامها باب جناح ملكي في آخر الطرقة، فتحته بسرعة البرق ودخلت ورزعت الباب وراها وهي بتسند بضهرها عليه، بتنهج بوجع وخوف. لفت وشها عشان تستوعب هي فين، لكنها اتجمدت مكانها.. الأوضة كانت هادية، ريحتها “عود” وبرفان رجالي غالي جداً وقوي. قدامها بالظبط، كان واقف شاب في التلاتينات، طويل القامة بشكل مهيب، عضلات جسمه كانت باينة بوضوح من تحت قميصه الأبيض اللي فاتح أول زرارين فيه، ملامحه كانت حادة وصارمة زي الصقر.
بقلم نورهان العشري
رفع حاجبه بذهول و استنكار هو بيبص للبنت اللي دخلت عليه بفستان فرح “متبهدل” ودموع غسلت وشها، وقال بصوت رخيم وهادي بس فيه هيبة تخوف:
“أظن إنك داخله أوضة غلط!”
ريم بصتله وهي بتترعش، وفجأة جه صوت خبط الحرس على الباب بره، مكنتش عارفة تطلب منه المساعدة ولا تخاف منه هو كمان و فضلت واقفة مسمرة مكانها لثواني عينيها بتتحرك بين ملامح ساجد القوية وصوت الخبط على الباب. قلبها كان بيدق لدرجة إنها حاسة إنه هيوقف.
همست بصوت مخنوق ودموعها نازلة:
“أرجوك..
أرجوك خبيني عندك هنا لو شافوني هياخدوني بالعافية، أرجوك متفتحش الباب .”
ساجد فضل باصص لعينين ريم المذعورة لثواني، كان بيفكر بعقلانية وبرود، بينما ريم كانت هتمــ,,ـــــوت من الرعب. فجأة، وبصوت واطي وآمر، شاور بصباعه ناحية باب الحمام اللي في الجناح وقال كلمة واحدة:
“ادخلي جوه.. و مسمعش نفسك.”
ريم جرت ودخلت الحمام وقفلت الباب وراها وهي بتسند راسها على الحيطة وبتمحي أي صوت لشهقاتها.
ساجد عدل قميصه ببرود تام، وراح فتح الباب ببطء وكأنه شخص لسه صاحي من النوم أو بيستجم. لقى ماجد قدامه وشه أحمر وعرقان، ووراه الحرس بيبصوا يمين وشمال.
ماجد اتفاجئ بهيبة الشخص اللي قدامه، بس الغل كان عاميه، فقال بصوت حاد:
“بعتذر عن الازعاج بس كنت عايز أسألك مشوفتش عروسة بفستان فرح دخلت الأوضة عندك؟ أو كانت بتجري في الطرقة ودخلت هنا!”
ساجد سكنت ملامحه، وبصله ببرود من فوق لتحت ورد بصوت رخيم وقوي:
” بنت أيه و فستان فرح ايه؟! إنت متأكد إنك في وعيك! الجناح ده خاص، ومحدش بيدخل هنا غير بإذني.”
ماجد حاول يبص من ورا كتف ساجد لجوه الأوضة وقال بلجاجة:
“بس الحرس شافوها جاية هنا.. إحنا لازم نفتش عشان مصلحتها، دي مراتي وممكن تأذي نفسها. أصلها مريضة نفسيا ” بقلم نورهان العشري
ساجد ملامحه اتصلبت، وقرب خطوة من ماجد خلاه يرجع لورا تلقائياً وقال بلهجة حاسمة:
“قولتلك مشفتش حد، و مفتكرش انك بتفكر تدخل تدور عليها جوا ! كدا يبقى إنت متعرفش إنت بتكلم مين. اتفضل شوف مراتك في مكان تاني.”
ورزع الباب في وش ماجد بكل قوة، لدرجة إن ماجد وقف بره مذهول من الإهانة بس مكنش يجرؤ ينطق.
ساجد لف وضهره للباب، ملامحه اللي كانت باردة قدام ماجد اتحولت لغضـ ـب وتساؤل. خبط على باب الحمام خبطة خفيفة وقال:
“اطلعي.. مشيوا.”
ريم خرجت وهي بتترعش، ساندة على الباب، وشها باهت تماماً. بصت لساجد بامتنان ممزوج بخوف. ساجد حط إيده في جيبه وقرب منها خطوتين، وبص لعينها مباشرة وسألها بصوت غاضب وناشف:
“أظن دلوقتي من حقي أفهم.. أنتي إيه حكايتك؟ وإيه اللي يخلي عروسة تهرب من عريسها يوم فرحها وتستخبى في أوضة راجل غريب بالشكل ده؟ إنتي عملتِ إيه؟”
ريم وقفت وحاولت تستجمع شتات نفسها، رفعت راسها لفوق بكبرياء رغم الدموع اللي لسه معلمة على وشها، وقالت بصوت حاولت تخليه ثابت:
“أنا مش مضطرة أحكيلك قصة حياتي.. كل اللي أقدر أقولهولك إني في مشكلة كبيرة، ومش محتاجة منك غير لبس أخرج بيه من هنا، أكيد مش هعرف أمشي في الشارع بفستان الفرح ده!”
ساجد ملامحه اتغيرت تماماً، الهدوء اللي كان عليه اتحول لغموض مرعب. بدأ يتقدم منها بخطوات بطيئة، وكل خطوة كان ليها صدى في قلب ريم اللي بدأ يترعش تاني. وقف قدامها بظبط، وهبط بصوته لدرجة مخيفة وهو بيقول:
“يعني اقتحمتي أوضتي من غير استئذان، و هربتي من فرحك بالفستان و الدنيا مقلوبة عليكي بره والحرس ماليين الأوتيل، وجاية بمنتهى الثبات تقوليلي مش مضطرة أحكيلك قصة حياتي! لا يا حلوة.. أنتي مضطرة، ومضطرة جداً كمان، و إلا مش هتكوني مبسوطة من اللي هعمله!
ريم حست إن الدنيا بتضيق عليها، ماجد وولاء من ناحية، وساجد وهيبته اللي بتخنقها من ناحية تانية. فجأة، أعصابها باظت وصرخت فيه بانهيار وجنون: نورهان العشري
“أنت عايز مني إيه؟ كلكم عايزين مني إيه؟ سيبوني في حالي بقى! أنا هريحكم كلكم وارتاح من الحياة دي!”
وفجأة، وقبل ما ساجد يستوعب، كانت ريم جريت ناحية الشباك الكبير اللي بيطل على الشارع من دور عالي، وفتحت الضلفة وهي ناوية ترمي نفسها.
ساجد في أقل من ثانية، وبسرعة بديهة خرافية، انقض عليها ومسكها من وسطها وشدها بقوة لورا قبل ما رجلها تفارق الأرض.
ريم وقعت في حــ,,ـــــضنه وهي بتشهق وبتبكي بانهيار، وهو كان لسه ماسكها بقوة كأنه خايف تقع من الشباك.
في اللحظة دي، عينيه جت في عينيها.. شاف كمية الوجع والكسرة والخيبة اللي فيها. ساجد حس بحاجة غريبة في قلبه، شعور مختلف أول مرة يقتحم حصونه، لكنه بسرعة “نفض” الشعور ده وتجاهله، ورجع لجموده.
بعدها بشوية، سابها وهي قاعدة على الأرض بتعيط في صمت، وقال بصوت أهدى بكتير:
ـ خلاص.. اهدي.. شوفي محتاجة أيه وانا هساعدك
ريم مسحت دموعها و قالتله
ـ محتاجة أخرج من هنا من غير ما حد يشوفني.
من غير كلام قام ساجد دخل أوضة الملابس وطلع طقم “سبورتي” أسود شيك جداً، وطلع لريم “هودي” (تريننج ) واسع وكاب أسود. بصلها بنظرة فاحصة وقال:
“البسي دول دلوقتي.. هما أكيد هيكونوا واسعين عليكي بس هيقضوا الغرض و البسي الكاب دا و داري بيه شعرك و لما تجهزي قوليلي عشان نخرج من هنا.”