روايات

جحر الشيطان بقلم شاهنده سمير الجزء الثالث

كان ياسين يجلس على مقعد الطائرة المتجهة الى بيروت..يحاول التركيز على تفاصيل تلك الصفقة والتى تظهر بياناتها على شاشة اللاب الخاص به..ولكنه لم يستطع..فوجود فتون الى جواره يتسلل إليه عطرها الهادئ يفقده التركيز تماما..يسترق النظر إليها كل فترة ليراها تنظر الى الفضاء بالخارج فى شرود ليعاود النظر الى الشاشة والتركيز على عمله فلا يستطيع..إلى جانب مروان وما يمر به حيرة وألم ..يشابهان الى حد كبير ما يمر به هو شخصيا وان اختلفت الظروف بالطبع..أفاق من أفكاره على رأس فتون والذى مال على كتفه فجأة ليدرك أنها ذهبت فى سبات عميق..أغلق شاشة اللاب فى هدوء وعدل من وضع رأسها على كتفه حتى

تشعر بالراحة أكثر ليتناثر شعرها ويخفى وجهها..مد يده الأخرى وأزاح شعرها ببطئ خلف أذنها لتلامس يديه نعومة بشرتها رغما عنه وينتفض قلبه بشدة داخل أضلعه..يستدعى كل قوته كي لا يميل على وجنتها يختطف قبلة ترضى بعضا من مشاعر قوية تجتاحه فى تلك اللحظة..ليجد نفسه يميل باتجاهها رغما عنه يحول افكاره إلى واقع..ليتوقف فى جمود حين سمعها تغمغم قائلة: نبيل.

عقد حاجبيه وهو يتراجع برأسه يستند على المقعد خلفه يشعر بالغضب يسرى فى كيانه..تجتاحه غيرة قاتلة لنطقها اسمه فى منامها ..ليشعر بأن ما بين الشريكين مشاعر أكثر مما تعترف بها فتون..ليتساءل فى قلق عن صحة ظنونه..فلو كان ظنه صائبا..فجرح قلبه تلك المرة سيكون عميقا جدا ..فرغم تلك الفترة الصغيرة والتى عرف بها فتون..إلا أنها استطاعت ان تحتل جزءا كبيرا من قلبه..ان لم يكن قلبه بالكامل..والدليل على ذلك ما يشعر به الآن من غيرة تكاد تفتك به..نعم لابد ان يعترف بأنه وقع فى الحب وبشدة..ولكن يبدوا أن قدره يعانده مرة أخرى.

الفصل العشرون عاد مروان إلى المنزل فاستقبله فارس بأن جرى فورا إليه يضمه من خصره وهو يقول : وحشتنى أوى ياآنكل مروان. ابتسم مروان وهو يضمه ثم ينزل على ركبتيه ليصبح فى مواجهة فارس يقرصه بخفة فى وجنته قائلا بحنان: انت كمان وحشتنى يافارس..عملت إيه فى غيابى؟ هز فارس كتفيه قائلا: معملتش حاجة ..حتى ماما تعبانة ومرضتش تلعب معايا زي كل يوم. ألقى مروان نظرة شاملة لمحيطه فلاحظ غيابها ليقول بصوت خفيض: تعبانة مالها وهي فين دلوقتى؟

قال فارس: قاعدة فى أوضتها طول النهار..بتقول عندها صداع. أومأ مروان برأسه متفهما ..ثم قال : تمام..طب انت اتغديت؟ أومأ فارس برأسه قائلا: من زمان. ليبتسم مروان قائلا: طيب روح انت دلوقتى إلعب ع التاب وأنا هخلص شوية شغل وآجى ألعب معاك بلاي ستايشن..ماشى؟ صفق فارس بيديه جزلا قائلا: ماشى ياآنكل هستناك. وقف مروان واضعا يده على مقدمة شعر فارس يبعثر شعره بحنان ليغادر فارس مبتسما يتابعه مروان بعينيه بابتسامة مماثلة قبل أن يتجه إلى غرفة المكتب ليدلف إليها ويغلق بابها خلفه بهدوء.

******************** استيقظت فتون تشعر بالدفئ يحيطها لتجد نفسها مستندة برأسها على صدر رجل يحيطها بذراعه..لتحرك رأسها تشعر براحة غريبة..وكأنها تحلم..لتدرك فجأة انها لاتحلم وأن وجوها بين ذراعيه واقع..فقد عرفت هويته على الفور من عطره الذى تسلل إلى أنفها..اعتدلت على الفور فتركها تخرج من محيط ذراعه..استرقت النظر إليه تشعر بالخجل فوجدته لا ينظر إليها بل ينظر قبالته تبدو ملامحه جامدة لا تعكس أي شئ..قالت متلعثمة: أنا..يعنى ..آسفة لو كنت ضايقتك. لم ينظر إليها قائلا ببرود: محصلش حاجة.

عقدت حاجبيها تتعجب من بروده وتباعده..تتساءل عن السبب..وما الذى حدث ما بين نومها واستيقاظها ليجعله على تلك الحالة الغريبة..هزت كتفيها فى حيرة لتنظر الى ساعتها ثم قالت: لسة أدامنا ربع ساعة قبل ما نوصل بيروت..الوقت اتأخر أوى ياياسين..ومش هتلاقى حجز فى فندق كويس دلوقتى وانا شقتى فاضية ومحدش موجود فيها حتى دادة محسنة مبتجيش غير الصبح بس.. تروق البيت وتمشى. نظر إليها قائلا فى جمود: تفتكرى ياسين تاج الدين هيسافر من غير مايكون عامل حسابه ومجهز كل حاجة..أنا حجزت خلاص فى سيزر بارك.

رفعت فتون إحدى حاجبيها قائلة : سيزر بارك مرة واحدة..ماشى ياسيدى..عموما أنا عرضى لسة موجود ولو مرتحتش ودى حاجة مستحيلة طبعا ..فشقتى موجودة وتحت أمرك فى أي وقت. أومأ برأسه قائلا ببرود: تمام..ياريت بقى نسيب موضوع الشقة والفندق على جنب ونركز فى الديل اللى احنا جايين عشانه..مش هنقبل بأقل من عشرين فى المية من نسبة الأرباح..وده شرطنا الوحيد وغير قابل للتفاوض. تجاهلت فتون بروده وهي تومئ برأسها قائلة: تمام ..متقلقش..وليد صاحب الشركة فريند لية من زمان وأكيد هيقبل بالديل اللى احنا هنقدمهوله.

جز ياسين على أسنانه فى غيرة قائلا: هيقبل عشان ده ديل مناسب أوى بالنسبة له ..فرصة مش هتكرر..مش عشان سيادته صديق سعادتك..مفهوم؟ أومأت برأسها قائلة بهدوء : أوكيه..تمام..انت متعصب كدة ليه بس؟ قال ياسين فى عصبية: انا مش متعصب ولا حاجة انتى هتعصبينى بالعافية. نظرت فتون حولها قائلة بصوت خافت: تمام..خلاص ..اهدى..الناس بتبص علينا. أشاح ياسين بوجهه بينما اعتدلت فتون ونظرت الى الفضاء بالخارج ترتسم على شفتيها ابتسامة منتصرة تخللتها مشاعر سعادة فعلية لشعورها بغيرته عليها..لتعقد حاجبيها وهي تنفض تلك المشاعر وتركز فقط على ما جاءت إلى بيروت كي تحققه..نعم عليها ان تفعل ذلك فقط.

********************

كان مروان يجلس عل مقعده شاردا بتلك التى تجلس فى غرفتها ..لا يدرى أتتظاهر بالمرض كي تتجنبه أم أنها فعلا مريضة؟..ليصاب بالقلق عند تفكيره بهذا الإحتمال..يود لو ذهب الآن ليراها ويطمأن عليها ولكنه قاوم تلك الرغبة فى قلبه..لتقع عيناه على اللاب توب الخاص به..ويظهر الحل فى عقله فجأة لتلتمع عيناه..وهو يسرع بفتح اللاب يبحث بين الملفات على تحميلات الكاميرات الخاصة بالفيلا..تردد لثوان يخشى ان تكون الآن تبدل ثيابها او أنه يخترق خصوصيتها بشكل ما..ولكنه أسكت ضميره بحجة انه حقا يود الاطمئنان عليها وبالفعل ألقى نظرة على تسجيل الكاميرا الخاص بحجرتها..ليجدها جالسة بسريرها شاردة فى أفكارها..تضع أصابعها فى فمها تقرض أظافرها كعادتها

عندما تكون قلقة..ليبتسم وهو يدرك أنها لم تتغير ..مازالت هي كما هي..زينة عبد الكريم..تلك المرأة التى عشقها وعشق تفاصيلها..لينفض أفكاره بعنف وهو يوبخ نفسه مذكرا إياها بأن تلك المرأة ليست تلك البريئة التى أحبها بل إمرأة أخرى قامت بالتخلى عنه فى أزمته ثم باعت نفسها من أجل المال ..باعت جسدها لمن يدفع أكثر..لينتابه الغضب ويغلق شاشة اللاب بعنف..يغمض عينيه بألم لتمر صورتها الرقيقة بمخيلته ..تضعفه مجددا وتجبره على فتح شاشة اللاب مجددا و العودة إلى تسجيلاته..يتساءل عن رد فعلها اليوم حين استيقظت ولم تجده بجوارها..ترى هل حزنت أم لم تهتم؟بالطبع الاحتمال الأرجح أنها لم تهتم..ولكن كان لديه أملا صغيرا فى أن

يجدها قد حزنت ولو قليلا..لتبحث أنامله بسرعة عن التسجيلات لحجرته فى ذلك الصباح..حتى وجده..لينظر إليها وهي تتململ فى نومها ثم تستيقظ وتظل هكذا لثوان مصابة بالجمود..أحس بخيبة الأمل وكاد أن يغلق الحاسوب مجددا ولكنه توقف حين رآها تتفقد مكانه بقلق ثم تظهر على ملامحها خيبة الأمل مغلفة بالحزن..انبثق الأمل داخل صدره خاصة وهو يراها تحمل وسادته تستنشق عطره فى حنين ظهر على ملامحها لتكون المفاجأة حين حركت شفتيها بكلمة أحبك..لتتسع عينا مروان بصدمة..يتساءل عن صحة تصريحها بحبه..فإن كانت حقا تحبه فلن يهمه سوى تلك الحقيقة..وليذهب كل شئ بعدها إلى الجحيم..ان كانت حقا تحبه فتبا لماض لن يهمه..فلن يهمه سوى أنها الآن

تكن له تلك المشاعر الصادقة والتى رآها على وجهها..ليفيق من أفكاره على صوت طرقات على الباب ليأمر الطارق بالدخول وهو يغلق اللاب..دلفت دادة تحية قائلة: سوزى هانم برة وطالبة تقابلك ياابنى. قست عيناه حتى صارتا قاتمتين وهو يقول بوعيد: دخليها يادادة..ومتخليش حد يقاطعنا. أومأت تحية برأسها وهي تغادر ليقول مروان بقسوة: جيتى لقضاكى ياسوزى..استعدى للضربة الجاية واللى هتكون أول مسمار فى نعشك. ******************* دلفت دارين إلى حجرة مكتب نبيل بعد أن سمعته يسمح لها بالدخول.. لتظهر على شفتيها تلك الابتسامة الرائعة وهي تقول :

صباح الخير يامستر نبيل. رمقها نبيل قائلا فى برود: صباح الخير. لاحظت دارين بروده على الفور..لتختفى ابتسامتها تدريجيا وهي تقول: فيه ميتنج لحضرتك النهاردة مع مستر توفيق الساعة ٢ ..تحب الميتنج يكون فين؟ نظر إلى الأوراق أمامه يتظاهر بتفحصهم وهو يقول: اتصلى بيه وخليه هو اللى يحدد المكان..بس ياريت المكان ده ميكونش بعيد عن الشركة.. واتفضلى دلوقتى على مكتبك ومتدخليش حد علية عشان براجع ورق مهم ومش عايز أي ازعاج ..مفهوم؟ اومأت برأسها قائلة فى خفوت:

مفهوم. نبرة صوتها الضعيفة أجبرته على رفع عينيه إليها ليلمح لمعان عينيها قبل أن تلتفت مغادرة فى هدوء ليزفر وهو يترك الأوراق من يده ويمرر يده فى شعره بعصبية..يدرك أن لمعان عينيها من الدموع التى تمنعها عن النزول بصعوبة..ويدرك أنه السبب ..فهو يعاملها بجفاء منذ البارحة..وهي رقيقة لا تتحمل..ولكنه فقط يحمى قلبه الذى رأى أن لا مكان له فى قلبها وأن عليه أن لا ينجرف فى مشاعره تجاهها أكثر من ذلك بل عليه الابتعاد كلية عنها..حتى وان اضطر للسفر إلى لبنان وترك تلك الخطة الانتقامية بالكامل.

******************** قال هارون بهدوء: زي ما قلت لحضرتك أخدها على الدكتور ورجعوا تانى..وتانى يوم راح لياسين الشركة ورجع الفيلا ومن ساعتها مخرجش . عقد عدنان حاجبيه قائلا: وسوزى فين؟مفيش أخبار عنها؟ قال هارون: اللى عرفته من رجالتى .. إنها موجودة هناك دلوقتى ياباشا. طرق عدنان على مكتبه بقوة قائلا بغضب: ولما هي هناك دلوقتى ..مقلتليش من الأول ليه..ولا لازم اسألك بنفسى على كل حاجة ياهارون. قال هارون بإرتباك: لأ طبعا..أنا كنت هقول لحضرتك حالا..بس انت سألت الأول.

تراجع عدنان فى مكتبه قائلا: انت جرالك إيه ياهارون؟..أنا منبه خمسين مرة..الأخبار توصلى أول بأول..أوامرى تتنفذ بالحرف..الشغل معايا حاجة تانية وانت عارف ..لو مش أدها سيبها وغيرك يمسكها..اللى احنا داخلين عليه مش سهل ولا قليل..ومينفعش فيه الاهمال أو اننا نغفل عن أي تفاصيل..مفهوم؟ قال هارون بضيق: مفهوم يافندم. قال عدنان بحزم: أول ما سوزى تخرج من عنده تتصل بيها تجيلى حالا. أومأ هارون برأسه قائلا: حاضر ياباشا..أي أوامر تانية. أشار له عدنان بالذهاب ليغادر هارون وعيناه تنطقان بالشر ليقول بهمس حاقد:

بعد السنين دى اللى قضيتها معاك وإخلاصى وشغلى اللى سندك وعلاك..وخلاك عدنان باشا المسيرى..بتقوللى لو مش أدها غيرك يمسكها..صدق من سماك شيطان..بس أنا برده مش قليل..وإذا كنت انت شيطان فأنا جنى..وهنشوف ياعدنان مين اللى هيسيبها وغيره هيمسكها..هنشوف ياعدنان. الفصل الواحد والعشرون

توقفت السيارة تحت تلك البناية والتى توجد بها شقة فتون..لتترجل فتون من السيارة يتبعها ياسين الذى اتجه إلى حقيبة السيارة يأخذ منها حقيبة فتون الوحيدة والتى جاءت بها إلى بيروت..كانت فتون تتابعه بعينيها تتساءل فى حيرة وقلق عن سر حالته الغريبة تلك؟..أتراه عرف أنها أخت ميسون وأنها ما جاءت إليه إلا إنتقاما منه؟..ولذلك يعاملها بكل هذا الجفاء والبرود؟أم أنه فقط مشغول البال بتلك الصفقة الجديدة..لتنفض الاحتمال الأخير ..فياسين الذى تعرفه ..لا تهمه تلك الصفقات ولا توتره فلديه قدرة عملية كبيرة على إدارة كل شئ وقد لاحظت ذلك بنفسها وربما كان هذا هو السبب فى أن مروان شريك ياسين يدع كل شئ

فى الشركة تحت قيادة ياسين وهو مطمئن..بالإضافة إلى أن ياسين كان على مايرام تماما قبل أن تنام هي فى الطائرة..ترى ما الذى حدث؟تنهدت وهي تشعر بالإرهاق..عليها أن تدع التفكير فى تلك الحالة التى عليها ياسين للغد ..فقد كان اليوم مرهقا بما فيه الكفاية. اقترب منها ياسين لتمد يدها إليه تحاول ان تأخذ حقيبتها منه ليتجاهلها تماما وهو يسبقها إلى مدخل البناية لتهز كتفيها مجددا وهي تتبعه..حتى وصلا للمصعد ليدلفاه سويا وتضغط فتون زر الطابق الثالث بهدوء..وصلا إلى شقتها..ليقف ياسين أمام الباب فتمد فتون يدها إليه وهنا منحها حقيبتها وابتعد مغادرا دون كلمة ليتوقف عندما نادته فتون بإسمه قائلة:

ياسين. إلتفت إليها ببطئ حتى استقرت نظراته عليها لتقول بهدوء: ادخل إشرب حاجة قبل ما تمشى. هز رأسه نفيا وهو يقول: للأسف مش هينفع الوقت متأخر..وأنا مضطر أمشى. اومأت برأسها ليلتفت مغادرا تتابعه عيناها قبل أن تفتح الشقة وتدلف إليها.

كاد ياسين أن يدلف إلى السيارة مجددا ليقودها متجها إلى فندقه ليرى فجأة فى المقعد المجاور له حقيبة يد فتون والتى يبدو انها نسيتها ..ليزفر فى ضيق وهو يأخذها مغلقا السيارة مرة اخرى ومتجها إلى شقتها..دق جرس الباب فلم يجيبه أحد..ليعقد حاجبيه فى حيرة يتساءل..هل نامت بتلك السرعة؟كاد أن يغادر ولكنه توقف فى مكانه لدى سماعه لأنين مكتوم..ليعقد حاجبيه وهو يقترب من الباب بأذنه يحاول التأكد مما سمعه..ليتكرر الصوت مجددا فتتسع عين ياسين بصدمة وهو يدرك أن فتون فى خطر..ليضرب الباب بكتفه بقوة فلم يستجب له فى المرة الأولى ولكنه استطاع كسره فى المرة الثانية ليتوقف فى جمود وهو يرى ذلك

المشهد أمامه..يرى ذلك الرجل المقنع والذى يحيط فتون بيد يكتم بيها فاهها بينما باليد الأخرى يحمل سكينا مسلطا على عنقها..وعيناه تحملان فى تلك اللحظة وهما تواجهان عينا ياسين….. كل الشر.

انت في الصفحة 4 من 10 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى