_ عادت من فلك ذاكرتها وقد عزمت علي أخر ماتفوهت به معه، ألتقطت معطف لها من فوق المشجب و وشاح أرتدته بعشوائية، فغادرت الغرفة لتبحث عنه.
قابلت أنيتا علي الدرج:
_ هل من خد.مة أقد.مها لك ِ سيدتي؟. رمقتها بحدة وسألتها:
_ أين هو؟. _ أتقصدين سيد سليم!، إنه بغرفة المكتب في إجتماع مع رجاله.
وما أن أخبرتها لتجد الأخري تدفعها من أمامها وكأنها هاربة من مشفي الأمراض النفسية:
_ أغربِ عن وجهي.
توقفت أمام باب الغرفة المُغلق وقبل أن تمد يدها لتدير المقبـ . ــض، وصل لسمعها صوته وهو يلقي أوامره علي رجاله:
_ أذهبوا علي ثلاثة فرق وكل فرقة تذهب إلي المكان المُخزن به البضاعة، و فوقها رأس هذا العاهـ .ر چوناثان حتي يكون عبرة لكل من يريد الوقوف أمامي. أومأ له كبير رجاله:
_ أمرك سيدي. لم تتحمل سماع أكثر من ذلك فدفعت الباب مما أفزع رجاله وجعلهم يخرجون أسلحتهم و رفعها نحوها. _ ماذا تفعلون أيها الحمقي!.
صاح بهم ليعيدوا أسلحتهم إلي أماكنها، نظر إليها وعلم سبب ولوجها بتلك الطريقة، أشار إلي رجاله وبأمر حاسم:
_ أذهبوا الآن.
أومأ الجميع له بخضوع وإجلال ثم ذهبوا أمام ذهبيتيها التي تنظر له بكل كراهية وكأنها تنظر إلي مسخ أو شيطان. جلس خلف مكتبه متصنعاً الهدوء المبالغ بالنسبة إليه:
_ أقفلي الباب وتعالي.
مجدداً وبكل وقاحة يلقي عليها أوامره برعونة، لم تتمثل لأي أمر له فتركت الباب كما هو و خطت نحو أقرب كرسي لها وجلست عليه عاقدة ساعديها أمام صدرها.
قبـ . ــض علي حافة مكتبه الخشبي حتي أبيضت مفاصل أنامله، يحاول أن يلجم ذاك الوحش الثائر بداخله حتي لايطلقه عليها وستكون العواقب وخيمة، نهض هو مما جعلها تنتفض علي كرسيها، فظهر طيف إبتسامة علي ثغره، إنها برغم كبريائها الذي ترتسمه دائماً أمامه مازالت تخشاه وترتعد منه.
سار نحو الباب ليغلقه بل يوصده بالمفتاح الألكتروني.
_عتجفل الباب ليه بالمفتاح؟. أجاب بنفس الهدوء الذي يرعبها أكثر من ثورة غضــ . ــبه:
_ عايز نتكلم علي راحتنا.
رفعت إحدي حاجبيها وبإبتسامة هاكمة تفوهت:
_ ولا ناوي تسوي فيا كيف ما سويت في الچدع الي جتلته!. جلس علي الكرسي المقابل لها و يزفر بنفاذ صبر:
_ الي شوفتيه إمبارح ده كان شغل.
وقبل أن ترد علي حديثها الذي أثار سخـ ــريتها التي لاحت علي وجهها للتو، قاطعها:
_ إحنا شغلنا كده، الي يعادينا أو ياخد مننا حاجه تخصنا بتكون دي نهايته. حدجته بتهكم وسألته:
_ إشمعنا ما سويتش إكده في أخوي لما سـ,ـرق منك حاچتك!.
نهض وخطي نحوها حتي وقف أمامها ليسمع صوت نبضات قلبها المرتجف من الخوف، وضع يديه في جيوبه و رمقها من مستوي بصره وهي تجلس أمامه:
_ علشان أنتي كنت صك الغفران الي عفوت بيه عنه، لولاكي كان زمان رافع بقي زيه زي الراجل الي شوفتيه إمبارح.
برغم ما أقترفه شقيقها معها من ظلــ . ــم وإفتراء لم تتمني له يوماً بتلك النهاية السوداء، لكن الآن كل ما يدور في رأسها مطلب واحد.
نهضت لتقف أمامه بتحدي و قوة واهنة:
_ وأني چيت لك عشان أجولك كفايه لحد إكده، مجدراش أستحمل، أفضل حل ليا وليك يا إبن الناس هو أنك تطلجني وتهملني لحالي. رفع أنامله ليلامس وجنتها ويسألها بهدوء وإبتسامة مُخيفة:
_ عايزه أي يا بيبي؟. جف حلقها وهي تتذكر ذلك الكابــ . ــوس، وتخشي تحقيق أحداثه الآن، أخذ يربت بخفه وبقليل من العنــ . ــف لايخلو منها:
_ ما تقولي عايزة أي عشان ما سمعتش كويس.
كادت تتحرك إلي الوراء فقام بمنعها محاوطاً خصرها فأصبحت ملتصقه به، تشعر بأنفاسه كاللهيب الحارق، وبيده الأخري جذب طرف وشاحها بخفة.
_ شكلك يا زوزو يا حبيبتي أفتكرتي غلط دلعي ليكي اليومين الي فاته، و خلاكي تيجي لحد عندي و تقفي قدامي وتطلبي حاجة من رابع، رابع أي، دي عاشر المستحيلات تحصل إلا بمعجزة أو حد فينا يمــ . ــوت. بدأت شفاها ترتجف و ذهبيتيها تذرف سيلاً من الد.موع النابعة من قلب مقهور لايملك سوي البكاء، أخذت تتلوي بين جسده و زراعه:
_ يبجي خلاص أجتلني أهون من العيشة وياك.
قهقه من أعماقه وأصبحت قاتمتيه كاللون السماء عند.ما غابت عنها النجوم وأصبح القمر في خسوف كلي، توقف عن الضحك فجاءة و خطي وهو ممسك بها نحو طاولة يحاوطها أثني عشر كرسي، وفي خلال ثانية واحدة قام بلفها حتي أصبح ظهرها ملتصقاً بصدره و أمامها حافة الطاولة، تحدث بجوار أذنها بوعيد :
_ عايزاني أقــ . ـــتلك أهون من العيشة معايا!، طيب أستحملي بقي يا زينب، عشان أنا فعلاً هامــ . ــوتك بس بطريقتي الي هتخليكي تحسي بالمــ . ــوت كل يوم.
تتلوي بين يديه وهي تتذكر تفاصيل الكابــ . ــوس، ظنت إنه يتحقق!، لكن كلماته وفعله الآن غير مسار ظنها تماماً.
_ هاعملك معاملة الحـيــ . ــوانات، هخليكي تكرهي نفسك. كادت مقلتيها تقفز من محجريهما وهو يشق عنها معطفها ويتبعه بنزع منامتها تحت صراخاتها ومقاومتها الضعيفة،كلما تريد الفرار منه يدفعها بقسوة علي الطاولة ليصبح جذعها متمدداً. _ أبوس علي يدك هملني، وأعتبر أني ما جولتلكش حاچة.
صرخت بها بتوسل و رجاء، و د.موعها تتساقط علي سطح الطاولة، قوبل توسلها بالرفض التام.
_ لاء قولتي، وأنتي الي حكمتي علي نفسك، فخليكي قد كلامك وأستحملي.
جذب حبل الستارة المجاورة له وأثني زراعيها خلف ظهرها ليقيد رسغيها معاً، ما زالت تصرخ وتبكي، لم يرحم ضعفها أمام قوته الضارية، لم يستمع لتوسلاتها التي تتمزق لها القلوب لأشلاء وتد.مع لها العيون د.ماء.
أرغمها علي الركوع غصب وإقتدار فوحش ساديته هو المتحكم به الآن، وكلما صرخت كلما أزدادت سعادته، و لكي يبلغ ذروة هذا الشعور قبـ . ــض علي مؤخرة رأسها ليمنعها عن النهوض وبيده الأخري حرر سحاب بنطاله، أنحني عليها ليهدر بنبرة مقيتة:
_ أنا هخلي صوت صريخك يوصل من أمريكا لحد أهلك في النجع.
و ما أن أنتهي من تهديده ليشرع بتنفيذ وعيده، فأطلقت صرخة وكأن روحها تغادر جسدها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ أستيقظ من نومه العميق علي صوت مزعج، فتح زرقاويتيه ونهض بجذعه ليري مصدر هذا الصوت، وقع بصره عليها وهي تفترش علي الأرض ترتدي عباءه قطنية بنصف أكمام، أنتفض بفزع عند.ما اطلقت شخيراً وتتقلب علي جانبها الآخر وفمها مفتوحاً قليلاً.
لم يستطع كتم ضحكاته، ونهض من فراشه ليهبط ويتمدد جوارها، أحتضنها بين زراعيه وتحدث أمام شفاها المفترقتين:
_ كده يا قلبي، تسيبي حبيبك وتنامي علي الأرض، مش كفاية بعد ما أتعشينا سبتيني ونمتي!، أصحي بقي.
وأخذ يُقبل وجنتها ثم وزع قبلاته علي أنحاء وجهها ليوقظها، همهمت بصوت ناعس:
_ همليني أنام يا مرات أبوي. _ وهي مرات أبوكي هتصحيكي بالبوس والأحضان! .
تسمرت بين زراعيه، فتحت عينيها بإتساع:
_ واه، أي الي چابك چاري؟. ألتقط طرف أنفها بين أسنانه بخفه وقال:
_ بذمتك فيه عروسه تسيب عريسها نايم علي السرير لوحده وتروح تنام علي الأرض؟. حكت طرف أنفها وقالت:
_ أصلي ما عرفتش أنام علي المرتبة دي، عامله كيف الي حداك في شقتك برضك مكنتش عارفه أنام عليها كنت بتكوع علي الأرض.
إبتسم بمكر ليخبرها:
_ مش عارفة تنامي علي المرتبة برضو ولا خايفة أسمع صوت شخيرك الي صحاني من النوم. توردت وجنتيها فنظرت لأسفل تقول بخجل:
_ حقك عليا، مكنتش حاسه بحالي . طبع قبلة علي وجنتها قائلاً :
_ ما تعتذريش ولا تتكسفي مني، أنا خلاص بقيت جوزك يعني مفيش بينا كسوف، خدي راحتك علي الآخر. رفعت عينيها في خاصته وسألته بتوتر ومازالت خجولة:
_ يعني مضايجتش وجولت لحالك أي الي خلاني أتچوز واحده بتشخر وهي نايمة!.
حاول كتم إبتسامته فأجاب:
_ أبداً ، هتضايق ليه ده حتي صوت كان زي السيمفونية. ضيقت عينيها بحنق قالت:
_ عتتمسخـ ــر علي إياك! .
لكزته في صدره ونهضت من بين زراعيه ، أطلق ضحكته حتي د.معت عينيه:
_ تعالي هنا والله بهزر معاكي، ده أنا بحبك وبحب كل حاجه فيكي. أتسع ثغرها ببسمة بلهاء:
_ عتتحدت چد ولا عتضحك عليا؟.
نهض وجلس علي الأرض ومدد ساقيه فجذبها برفق ليجلسها عليهما:
_ عمري ما ضحكت عليكي، و فعلاً بحبك، حبيتك من يوم ماشوفتك أول مرة برغم الظرف الي كنا فيه، ما استحملتش عليكي الي كان بيعملو سليم فيكي وحاولت بأي طريقة أنقذك وأخدك عندي، كان فيه حاجة شداني ليكي، متأكدتش منها غير لما هربتي وقعدت أدور عليكي لحد ما لاقيتك. ضغطت علي طرف ذقنه بأصبعيها:
_ جصدك لاقتني بعد ما خليت الحكومة جبصتني كيف المچرمين. ضحك وقال:
_ مكنش قدامي حل غير كده، كنت هاتجنن لو ما لقتكيش.
حدجته بنظرات عشق حالمة:
_ ياه، للدرچدي بتحبني جوي؟. حاوط وجهها بين كفيه وأجاب بنبرة عاشق متيم:
_ الي جوايا ليكي أكتر من حب يا سمية. فاجاءته بمعانقها الحاني:
_ وأني كمان بحبك جوي جوي يا صلاح، أوعديني عمرك ما هتچرح جلبي واصل. ربت علي ظهرها بحنان:
_ أوعدك عمري ما هجرحك، لأن لو ده حصل تأكدي أن هكون ميت وقتها. زادت من قوة عناقها له:
_ بعد الشر عليك. أبعدها عن صدره لينظر في وجهها يتأمل كل إنش في ملامحها التي يعشقها:
_ ممكن تخليني أعبر لك عن حبي ليكي؟.
نظرت لأسفل بخجل وأثرت الصمت، فتلك إجابة كافية بالموافقة، تعالت أنفاسه لما هو مقبل عليه فأقترب من شفاها وألتقمهما بخاصته، يتذوق طعم فمها الذي يذكره بطعم العسل الأبيض، ظل يُقبلها بنهم ويضغط بزراعيه علي جسدها لتلتصق به أكثر.
كان شعورها وكأنها محلقة في السماء، مع كل همسة يخبرها بها عن مدي حبه لها ويوصف كل مافيها بأروع الكلمات، غابت عن الواقع مع كل لمسة جعلتها كالهلام بين يديه وهو يعزف نغمات عشقه علي أوتار فؤادها، كانا كالكيان الواحد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ ألحجوني يا ناس، أني مخطوفة أهنه.
صاحت بها فاطمة بصوت متحشرج من كثرة الصراخ وطلب الإستغاثة، توقفت عند دخوله يحدجها بشرٍ:
_ ما جولتلك لو صرختي لميت سنة قدام، ماحدش هايسمعك واصل. تظاهرت بالقوة عكس ما بداخلها من ضعف وخوف:
_ بس ربنا سامعني وعالم بحالي، و خابر أني مظلومة وأنك ظالمني. لمست كلماتها فؤاده، لكنه ظهر لها مقابل ذلك:
_ بجولك أي يابت أنتي لو ما كتمتيش خشمك لأسوي فيكي الي ناويلك عليه دلوق.
أرتجفت بخوف، يهددها بالإعتداء عليها ليثأر من شقيقها علي ما فعله بشقيقته، صدح رنين هاتفه ونظر في شاشته فغادر في الحال.
وبعد مرور خمس دقائق وجدت الباب ينفتح لتظهر أمرأه تغطي منتصف وجهها بطرف وشاحها الذي ترتديه، أنكمشت ملامح الأخري بخوف فقالت لها تلك المرأه بصوت خافت:
_ ماتخافيش أني چاية أساعدك تهوربي، بس أوعديني الأول إنك ما تبلغيش عن الي چوزي.
نظرت لها فاطمة في صمت فأردفت الأخري:
_ أني مكنتش خابره أنه يخطفك ويساوم أخوكي غير لما لاجيته متغير وماطيجش نفسه جعدت أزن عليه لحد ما جالي أنه خاطفك ولازم يكسر أخوكي بيكي زي ما سوي في خايته الي ماعرفنش مطرح ليها لحد دلوق. _ وأي الي خلاكي تيچي تساعديني أهروب؟.
سألتها الأخري بحذر فأجابت:
_ لأن عندي عيال خايفه عليهم ليچري لحد فيهم حاچة أو يتيتمو، لو أهلك عرفو بخطفك و وصلو لچوزي يا هيجتلو يا إما هيخطفه حد من عيالي.
أومأت لها فاطمة بعينيها وقالت:
_ ماتجلجيش أني ما هاچيب سيرة چوزك واصل، وأخوي أني هاتصرف وياه وأعرف منه مكان ورد. همت الأخري بفك قيودها:
_ وعد؟. هزت رأسها بالإيجاب:
_ وعد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ السلام عليكم ورحمة الله.
ثم أدار رأسه للجهة اليسري و كرر التحية، فجاءه صوت صاحبه:
_ حرماً يا أبو الفوارس. نهض وأمسك بسجادة الصلاة وقام بطيها و وضعها جانباً:
_ إسمها تقبل الله. تجرع الآخر رشفة ماء من إناء الفخار ثم قال:
_ماشي يا سيدنا الشيخ، تقبل الله.
حرك فارس رأسه بإبتسامة هاكمة من سخـ ــرية صاحبه الذي لمسها في كلماته، فأردف الآخر:
_ إلا جولي صح، الحاچ نعمان سوي وياك أي؟. أطلق زفرة عميقة من جوفه فأجاب:
_ والله لحد دلوق الشغل عنده زين والراچل ما جصرش وياي عاد، لكن حطني في موقف زي الزفت. أنتبه له جنيدي بكل حواسه:
_موقف أي؟. أجاب وهو يسير نحو حافة السور وينظر إلي أسطح المنازل المقابلة للبناء:
_ رايدني أخطب بته الآنسه شهد. غر فاهه وكاد فكه السفلي يتدلي، وضع طرف اصبعه في أذنه وحركه:
_ الي سمعته دي صوح ولا أنت عتهزر؟.
ألتفت إليه وقال:
_ وأني من ميتي بهزر في حديت زي ده!. هللت أساريره وكأنه هو صاحب الشأن وليس الآخر، باغته بعناق مباركاً له:
_ ألف مبروك يا صاحبي والله وربنا فاتحها عليك علشان أنت ولد حلال. أمتعضت ملامحه قائلاً:
_ أنت عتفكر كيف يا چنيدي! ، ولا نسيت إحنا نبجو أي؟. صفع جبهته و هو يتذكر:
_ يا خربيت د.ماغي الي لفت، متأخذنيش ياصاحبي الفرحة نستني كل حاچة.
جلس علي الأريكة الخشبية ويطلق تنهيده وعينيه تحدق في الفراغ، يفكر في هذا الأمر المحير.
_ ما عرفش أجوله أي، الراچل لايعرف أنا أبجي مين ولا ولد مين، وخايف أرفض يطردني وأني ماصدجت لاجيت شغلانه لاحد يجولي بطاجتك فين، عموماً أني جولتله أفكر. ضيق جنيدي عينيه يفكر بالأمر فقال:
_ أنت ما سألتش حالك ولو مرة ليه الراچل ده شغلك عنده وما دققش وياك في موضوع البطاقة؟. _ نسيت يا ذكي لما جولنا للأمين أننا أتجلبنا في القطر!.
حك فروة رأسه:
_ معلش بجي زاكرتي بعافية شوية، أهملك أني بجي لما ألحج أفرش الشغل قبل ما تبدأ الزحمة. نهض وأخذ يهند.م في ثيابه:
_خدني وياك. _ وبعد أن وصل إلي المتجر فوجدها تقوم بفتح الباب الحديدي فقام بمساعدتها:
_ عنك يا آنسه شهد. لم تكترث له بل أطلقت زفرة متأففه وترمقه بطرف عينيها، أدرك سبب معاملتها له عند.ما دلفت علي حديث والدها وهو يطلب منه الزواج بإبنته فما كان رد الآخر سوي طلب التفكير في الأمر، مما أثار ما بداخلها من جرح كبريائها فقررت أن تعامله بجفاء و ترد له الصاع صاعين.
ولج وراءها وذهب ليقف خلف الكاونتر الزجاجي ليرتب البضاعة المتراصة، فأوقفه صوتها بنبرة تنضح بالعنجهية والتعجرف:
_ أنت رايح فين!. تجلت الصد.مة علي ملامحه فتلاقي حاجبيه وألتفت لها فسألها:
_ بتكلميني أني؟.
تصنعت الجدية البالغة وبنفس وتيرة التعجرف أجابت:
_ أيوه بكلمك أنت، يلا روح المخزن و هات البضاعة الي لسه واصله من يومين وتعالي رصهم في الڤاترينا.
كانت تشير له بيدها، تجهمت ملامحه و أندفعت الد.ماء في وجهه، ألقي ما بيده بقوة علي الأرض فرأي الفزع في نظراتها، أشهر سبابته نحوها وبتحذير قال:
_ أسمعي يابت الناس لولا أنك حُرمة وبت الراچل الي أكرمني لكنت بعترت بكرامتك الأرض، لكن حديتي مش وياكي هيبجي ويا الحاچ نعمان لما يچي بالسلامة.
تركها في صد.متها من ردة فعله الحادة و غادر المتجر و ذهب يقف مع صاحبه، وعند.ما أفاقت من صد.متها أجهشت في البكاء:
_ أنا متخلفة وغبية أوي، أيه الي هببته معاه ده!، أهو زمانه كرهني ومش هيرضي يرجع يشتغل هنا تاني،ده غير هيبقي رده علي بابا علي موضوع جوازنا لاء بالتلاته، أعمل أي ياربي. ذهب فارس إلي جنيدي ليجده يأكل شطيرة ويرتشف مياه غازية.
_ الحاچ عطالك أچازة ولا أيه؟. زفر بضيق ليجلس علي الرصيف جواره وعينيه نحو المتجر:
_ لاء، أني مستنيه لحد ما يچي.
مد يده له بشطيرة:
_ خد لك ساندوتش الطعمية الچامد ده، هايعچبك جوي. _ معلش يا چنيدي، كلو أنت بالهنا والشفا،أني ماليش نفس. حدجه بتعجب وسأله:
_ أتخانجت وياها إياك؟. لم يريد الإجابة فأشاح وجهه بضيق.
_ خلاص يا صاحبي علي راحتك، خد بالك أنت من الفرشه عجبال ما أروح أشتري لي علبة سچاير. كانت تقف خلف زجاج العرض تراقبه وهي توبخ نفسها وتلعنها آلاف اللعنات علي أسلوبها الأحمق التي تعاملت به معه، بينما هو كان ينظر أيضاً لكن بغضــ . ــب حتي أدار رأسه بعيداً عنها، فلاحظ هذا المدعو ممدوح يقف مع فتاة تطلق ضحكات رقيعة وتتحدث بدلال سافر.
عادت إلي المكتب بعد.ما أنتفخت أوادجها من كثرة توبيخ نفسها، دلفت لها تلك الفتاة تتشدق بالعلكة:
_ أزيك يا شهودة عامله أي يا وحشه الي مبتسأليش. جزت الأخري علي أسنانها فهي تمقت تلك الفتاة بشدة بسبب سوء سلوكها:
_ الحمدلله يا سماح أنا بخير، عايزه حاجه؟. جلست أمام المكتب وبإبتسامة زائفة:
_ كنت عايزة أكلم أمي أطمن عليها عشان عيانه و رصيدي خلص والراجل صاحب المحل الي شغاله فيه مدفعش فاتورة تليفون المحل وبقي إستقبال.
مدت يدها لها بهاتفها:
_ خلاص يا سماح، هاتحكيلي قصة حياتك، خدي كلمي أمك أنا لسه شاحنه الباقة. أخذته من يدها باللهفة:
_ تسلميلي يا قمر يا حتة سكر، كملي جميلك معايا وهاتيلي أشرب ميه ساقعه هامــ . ــوت من العطش. زفرت بنفاذ صبر:
_ الصبر من عندك يارب، حاضر يا سماح هاقوم أجيب لك تشربي. وبعد.ما نهضت شهدت وذهبت لتجلب لها الماء، أشرأبت برأسها لتطمأن إنها لم تراها فأمسكت بهاتفها وأخذت تضغط عدة نقرات وعلي شاشة هاتف الأخري، حتي جاءت شهد تحمل زجاجة مياه وكوب وضعتهما أمامها:
_ أتفضلي.
_ ربنا يكرمك يا سكره.
سكبت الماء في الكوب وأخذت ترتشف، ثم هاتفت والدتها وأطمأنت عليها. _ أتفضلي تليفونك يا شهوده، ما أنحرمش منك أبداً، شكراً يا حبيبتي. ردت بإقتضاب:
_ العفو.
نهضت وهمت بالذهاب:
_ هارجع أنا علي المحل عشان سايبه البت الي معايا لوحدها ودي خيبه مابتعرفش تبيع للزباين زيي، يلا سلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تمسك بهاتفها لتجري إتصالها به للمرة الخمسون ولم يجيب، يبدو أنه ترك هاتفه علي الوضع الصامت هكذا كان ظنها، ألقت بهاتفها علي الفراش ونهضت وهي تتثائب بكسل.
ذهبت إلي المرحاض لتغتسل وتتوضأ ثم أبدلت منامتها بإسدال الصلاة وأدت فرضها، وبعد إنتهائها أطبقت شفتيها بألم وتضع يدها علي رأسها يبدو الألم يداهمها مجدداً، ذهبت إلي المطبخ لتعد فنجان قهوة عله يخفف لها ذلك الصداع.
وصلت إلي أنفها رائحة مقززة، أمتعضت ملامحها بتأفف، حتي وقع بصرها علي سلة القمامة، صفعت جبهتها قائلة:
_ آخ نسيت أخرجها إمبارح بالليل قبل ما أنام ، وشكل الراجل بتاع الزبـ,ـالة فضل يرن الجرس وأنا نايمة زي القـ,ـتيلة.
قامت بإغلاق كيس القمامة و وضعت غطاء السلة وأغلقته بإحكام لتخرجها من باب المطبخ وتضعها بجوار الجدار، كادت تعود إلي الداخل لكن أوقفها صوت أنين يصدر من شخص يتألم، تتبعت الصوت لتجد مصدره من الشقة المقابلة لها، خفق قلبها وتراجعت عن أمرها:
_ جري أي ياندي!، ناويه تروحيلو يا مجــ . ــنونه!، بس ده شكله تعبان أو فيه حاجة، وأنتي مالك يتعب ولا يمــ . ــوت ولا يغور حتي في داهية، خليكي في حالك. تنهدت و أردفت لذاتها:
_ وأنا مالي خليني في حالي أحسن.
و دخلت إلي منزلها، لكن فضولها يسيطر عليها فجالت في رأسها فكرة، ذهبت إلي جهاز الأنتركم وضغطت علي الزر ليأتيها صوت حارس العقار:
_ صباح الخير يا ست ندي، أمرك؟. _ صباح النور يا عم خضر، بقولك أنا عايزاك تجيب لي خضار وفاكهة من عند الحاج مرعي. _ حاضر يا هانم، في أي طلبات تانية حضرتك؟. _ لاء، شكراً، بقولك صح هو فيه حاجة عند الجيران الي قصادي؟.
_ ده علي بيه ربنا يشفيه ويعافيه طلعو عليه ولاد حـ ـرام وغزوه بمطواه في جمبه، راجع من المستشفي إمبارح بالليل وسندته بالعافيه لحد ما نيمته علي سريره، بتصل عليه دلوقتي أشوفه محتاج حاجة وأطمن عليه ما بيردش، أصله قاعد لوحده والمدام بتاعته لسه مارجعتش من السفر زي مابيقول. _ لا حول ولاقوة إلا بالله، ربنا يشفي كل مريض، ماشي ياعم خضر، هاتلي الطلبات الي قولتلك عليها.
جلست علي الكرسي بجوار الطاولة الرخامية تنتظر فوران قهوتها، وفي ذات الوقت أنتابها شعور بالذنب نحوه، تخشي إنه يلقي بنفسه إلي الهلاك من أجل نسيانها.
أنتفضت عند.ما سمعت آهاته تعلو يبدو إنه في حالة يرثي لها من الوهن والتعب، أخذت تقضم أظافرها وما بين أن تذهب لتطمأن عليه أم تتركه!.
تذكرت عند.ما تغيب عن الجــ ـامعة لأكثر من ثلاثة أيام ولاتعلم عنه شيئاً، فذهبت إليه وجدته محموماً ويتصبب عرقاً غزيراً وفي حالة هذيان، فقامت بالإعتناء به حتي تحسنت حالته.
أنتبهت إلي صوت فوران القهوة الذي تدفق علي سطح الموقد وأطفأ النــ ــار، نهضت وأطفأت الغاز وهي تحسم أمرها، بأن تقد.م إليه آخر مالديها من مساعدة وتطلب منه الإبتعاد.
ذهبت إلي المرآه لتهند.م من إسدالها وتضبط حجابها، ألتقطت مفتاح باب منزلها في يده ثم غادرت.
أطمأنت أولاً بألا أحداً سيراها وهي تضغط زر جرس باب جارها، ضغطت مراراً وتكراراً ولم يفتح لها، وضعت أذنها علي الباب لتتأكد من وجوده بالداخل فسمعت ذلك الأنين المرتفع.
عادت إلي داخل شقتها مرة أخري والقلق يساورها، فقالت:
_ مفيش غير حل واحد و ربنا يسترها.
خرجت من باب المطبخ وتمسك بسـ . ــكين رفيع قد أخذته معها لتستطع فتح باب مطبخ شقته، وبالفعل نجحت في فتحه ودلفت تتلفت من حولها تبحث عنه.
شهقت عند رؤيته يتمدد علي الأرض في غرفة نومه بنفس هيئته منذ سنوات، محموم ويتصبب عرق غزير بإضافة إلي الألم المنبلج علي ملامحه وهو يجز علي أسنانه ويأن، دنت إليه لتلمس جبهته فوجدت حرارته مرتفعه جداً.
_ علي، أنت جسمك مولع، أزاي سايب نفسك كده!. لم يجب وكانت عينيه كالشارد في الفراغ يهذي ببضع كلمات ألتقطت منها البعض:
_ ندي، أنا بحبك، ماتبعديش عني.
نهضت بتردد و هي تحدجه بإمتعاض، تعلم هذا ليس مجرد هذيان حمي بل حقيقة مؤكده نابعه من أعماقه وتعلقه المرضي بها.
أطلقت زفرة فهي في حيرة من أمرها، ماذا عساها أن تفعل!.
أنحنت إليه وألتقطت من بجواره منشفة قطنية أخذت تجفف بها حبات عرقه المتناثره علي جبهته و وجهه، لكزته في زراعه:
_ علي، سامعني؟،حاول تقوم عشان تحط راسك تحت الميه، حرارتك عاليه أوي. نظر نحوها بعينين زائغتين مهمهماً:
_ ندي!، أنتي هنا بجد ولا أنا بتهيألي.
ربتت عليه وقالت:
_ لاء بتهيألك، قوم بس وأسمع كلامي. تحامل علي نفسه وحاول أن ينهض مستنداً علي طرف السرير، أختل توازنه فكاد يقع، لم تشعر بنفسها وهي تمسك به لتساعده علي الوقوف.
ظل يرمقها وهو لم يصدق عينيه إنها معه بل وتسنده حتي قامت بإيصاله إلي المرحاض. _ أتفضل أدخل حط راسك تحت الحنفيه، يا أما أفتح علي جسمك الدش، وأنا هاروح أعملك حاجة تاكلها. أستدارت لتذهب، أمسك يدها ليمنعها قائلاً:
_ ماتسبينيش أرجوكي، أنا ماليش حد غيرك.
سحبت يدها في هدوء:
_ علي، أرجوك أنت أفهم وجودي هنا عشان أساعدك مش أكتر. أستند بجسده علي الحائط وقال:
_ أنا أصلاً مش مصدق، حاسس أن أنا بحلم، اه… تأوه بشدة، ركضت نحوه فلاحظت جرحه أسفل القميص يذرف د.ماً. _ علي، أنت بتنزف، أنت آخر مرة غيرت علي جرحك ده كان أمتي؟. هز رأسه بعد.م معرفة:
_ مش فاكر، يمكن علي ما أعتقد من وقت إمبارح لما الدكتور غير لي عليه. رمقته بضيق وقالت:
_ شكل جرحك أتفتح من الحركة وأتلوث وده الي خلي حرارتك بالشكل ده، أنت لازم تروح للمستشفي أو تكلم دكتور يجي يشوف جرحك.
تركها و دلف إلي المرحاض و أخفض رأسه أسفل الصنبور لينهمر الماء علي رأسه.
ذهبت إلي المطبخ تبحث عن شئ لتعده له، فتحت الثلاجة تجدها شاغرة، أغلقتها فشهقت بفزع عند.ما وجدته يقف أمامه وصدره يعلو ويهبط، يلتقط أنفاسه بوهن.
تراجعت قليلاً لتحافظ علي مسافة بينهما، فقالت بتوتر:
_ أنا كنت بدور علي أكل أعمله لك، ملقتش حاجة. _ أنا أكلي كله دليفري أو باروح أكل في مطاعم، آخر مرة كلت فيها أكل بيتي،كان من أيديكي أنتي، فاكرة؟.
تحاشت النظر إليه وهمت بالذهاب لتتهرب من نظراته وحديثه :
_ طيب هاروح أنا لشقتي وهاعملك من عندي وأبعته لك، وياريت تتصل بالدكتور يجي يكشف علي جرحك. خطي نحوها وهي تتراجع حتي أصبح أمامها وخلفها حافة طاولة الحوض الرخامية، يحدجها بعتاب وشوق وهيام و عشق قد بلغ ذروته:
_ أنا جرحي الي بينزف مش هنا.
أشار نحو جرح جانبه، وأردف:
_ جرحي الحقيقي هنا.
أشار إلي موضع قلبه، ظل ينظر في عينيها لثوان فبدأ يهبط إلي شفاها التي ترتجف من التوتر والخوف، وقبل أن يتمكن من تقبيلها، دفعته لتبعده من أمامها و عبرت من باب المطبخ إلي شقتها، تلهث بشدة، تضع يدها علي صدرها، تسمع خفقات قلبها أثر هذا الهراء والعبث الذي كان سيحدث منذ قليل، ذهبت إلي غرفة النوم وتخلع حجابها، ضغطت علي زر الإضاءة، تسمرت في مكانها وتشعر بالبرودة تسري في عروقها:
_ أكرم! . #الفصل_السابع_والعشرون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_ لاتنظر لنا الحياة بنظرة واحدة تارة تسعدنا وتارة أخري تشقينا وتلقي بنا في بئر الأحزان والمصاعب فما علينا سوي السعي والصبر حتي نجتاز مرحلة الشقاء ونصل إلي بر السعادة.
♕ولاء رفعت علي♕
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ