فزعت “فلك” من صرخته وألتفت إليه بعد أن كانت تنظر إلى الطريق من النافذة فى صمت، تأفف بضيق شديد ثم أوقف السيارة فوق الكوبري وترجل منها مُسرعًا، وصل إلى حافة الكوبري ونظر إلى مياه النيل ثم جلس على الأرض، تابعت “فلك” بنظراتها حتى رأته يجلس على الأرض ويغمض عينيه الأثنين بقوة ويضع يديه على أذنه ربما يساعده هذا فى التخلص من صوتها الذي يضـ,ـربه، شعرت “فلك” بقلق شديد من رؤيته هكذا فى الطريق وكل من يمر ينظر إليه مُعتقدين أنه مريض، فتحت باب السيارة وترجلت وهى تسير نحوه، جلست “غزل” جواره وقالت بحزن:-
-لا يا يونس أنت مش مريض أنت حبيبى أنا وأنا بحبك ما زال يسمع صوتها بوضوح وأنسداد أذنيه لم يكن حل فهى بداخله وصوته عالقًا فى عقله وصدره، ذرفت دمعة من عينيه بضعف وغزل تقول:- -متعيطيش يا يونس أنت عارف أنت غالي عندي قد أيه، أنا مقصدش أقول أنك مريض بس أنا مقدرش أخسرك و….
تلاشي صوتها تمامًا وشعر “يونس” بشيء دافيء ناعمًا يلمس وجنته، فتح عينيه بخوف من أن تكون “غزل” أصبحت حقيقة وهذه الخرافة تضارب عقله دومًا فلم يشعر بها بهذا الدفء من قبل لكنه دُهش عندما رأى “فلك” من تجلس جواره على الأرض وتجفف دمعته بلطفها، تطلع بها بذهول تام وهى تبادله النظر داخل عينيه لكن ببراءة ودفء قادرًا على أحتواءه وأنتشاله من أوهامه وأوجاعه وتلاشت “غزل” تمامًا مع لمس “فلك” لوجنته، تمتمت “فلك” بقلق شديد عليه:-
-أنت كويس؟ لو حاسس أن فى حاجة تعباك ممكن نروح المستشفى لم يجد جواب علي كلماتها فظل صامتًا يحـ,ـترق بالداخل فى هدوء تام، تابعت “فلك” ببراءة وهى تقدم له المساعدة كما يفعل دائمًا إليها:- -لو مريض ممكن نروح لدكتور أراد أن يبكي كطفل صغير فهو لا يحمل مريض يمكن علاجه بالدواء أو تقلل ألمه بعلاج يدونه الطبيب له، تسائل كثيرًا ماذا سيكون رد فعلها عندما تعلم برؤيته للأوهام ويتحدث مع أشخاص لا وجود لهم، بالتأكيد ستراه كما تراه “قدر” أقرب شخص له وأكثر شخص يحبه لكن بعد علمها بمرضه تلاشي الحب وظهر الكره والأشمئزاز بداخله تجاهه..
**************
علم “أنس” بما حدث بين “قدر” و”يونس” بعد أن أتصلت به لتخبره بخـ,ـيانة اخاه لها وأنها لن تتحمل هذا الشيء كثيرًا، لكن الآن أكثر سؤال خطرت على عقل “أنس” من هذه المرأة التى كانت بصحبته؟ فهو يعلم جيدًا أن أخاه ليس بخائن ولا يقترب من امرآة سوى هذه الشخصيات التى تظهر فى عقله الباطن بسبب مرضه، لكن كون “قدر” سمعت صوتها فهى لم تكن من صُنع عقله بل امرأة بحق؟، خرج من مكتبه ليذهب إلى مكتب “فلك” فأخبرته “هالة” بأن “يونس” وافق على طلب أستأذئنها لأنها تشعر بالمرض، مما أدهش “أنس” وبدأ يُشك فى الأمر، رن هاتفه بأسم “يونس” ليقول:-
-أيه اللى أنت هببته دا؟ أتاه صوت “يونس” يضحك بسخرية ثم قال:- -هو أنا مفيش حاجة بتحصل فى بيتى إلا لما توصلك، قولها تكبر شوية وتتعلم تحفظ أسرار بيتها شوية صاح “أنس” بغضب شديد قائلًا:- -أنت مُتخلف؟ أنت بتصلح ولا بتخرب تجاهل “يونس” حديثه قائلًا:- -أنا عايز مفتاح شقة مصر الجديدة شعر “أنس” بالعجز من هذا الحديث وعناد أخاه ليقول بضيق:- -هتلاقيه مع البواب يا يونس، صحيح مين اللى كانت معاك وأنت بتكلم…..
أغلق “يونس” الخط دون أن يترك المجال لأخاه أن يسأل، نزل “أنس” من العمارة ليغادر الشركة فرأي سيارة “فلك” أمام العمارة مما أدهشه فكيف غادرت “فلك” بدون سيارتها ليبتسم بعفوية وهو يقول:- -يا سعيد جائه البواب فسأل بحماس شديد وهو يتصل برجل الصيانة قائلًا:- -متعرفش أيه اللى بايظ فى العربية أجابه سعيد بجدية قائلًا:- -لا هى مش بايظة يا بيه دى الأستاذة صاحبتها مشيتي مع يونس بيه
أتسعت عينيه على مصراعيها بصدمة ألجمته وتكرر حديث “قدر” فى أذنيه ووجود أخاه مع فتاة ومُنذ قليل طلب مفتاح شقته المُغلقة مما جعل الأفكار السيئة تقفز إلى عقل “أنس” ليغلق الخط قبل أن يجيب مركز الصيانة… ***************** خرج “يونس” من الشرفة ليراها ما زالت واقفة أمامه ولم تجلس ليقول:- -واقفة ليه؟ أقعدي أجابته “فلك” بضيق شديد قائلة:- -أنا مقولتلكش أنى عايزة أجي هنا ولا حتى دور لي على مكان أقعد فيه تنهد بضيق شديد ثم قال بصراخ غاضبًا:-
-عايزاه تروحي لبغل اللى بيضـ,ـربك نظرت “فلك” له بأنكسار ليقول بضيق شديد ونبرة جادة:- -باين؟ باين أوى أنه هو اللى بيضـ,ـربك أنا مفيش مرة صادفتك غير وعلى وشك أثر الضـ,ـرب ويا عالم باقي جسمك فيه أيه من همجيته، دا دا اللى ظاهر قدامي وقدام الناس كلها، بيستقوى عليكي لأنه ضعيف لما قفتله قبل كتكوت مبلول تجمعت الدموع فى عينيها بأنكسار وحزن شديد ثم قالت بضعف:- -بس أخويا وماليش غيره، لو ليا غيره من هفضل أكيد محدش بيرضي بوجعه وإهانته وذله لكن هروح فين، هروح فى شقة مفروشة مع واحد متجوز وحرام أقعد معاه فى مكان لوحدي
ألتفت كي تغادر وهى تبكي بوجع وتمتم قائلة:- -أتذل وأتهن لكن معملش حاجة حرام ولا سمعتي تبقي على كل لسان وأنا نقدرة مساعدتك ليا لكن مينفعش أسرع خلفها ليغلق الباب قبل أن تغادر ونظر إليها قائلًا:- -أستني بس، دى مش شقة مفروشة دى شقة أهلي اللى أتربت فيها وملكنا، وأنا مش هقعد معاكي أنا هنزل أجيبلك أكل وحاجات من السوبر ماركت وهمشي وهسيبلك المفتاح وكمان ممكن تقفلي على نفسك من جوا ذرفت الدموع من عينيها بضعف وقد بدأت فى الأنهيار فلم يعاملها أحد برفق ورحمة هكذا من قبل ثم قالت بلهجة واهنة:-
-ولما أبات برا البيت بعد الخناقة اللى حصلت فى الشارع بينك وبينه الناس هتقول عليا أيه؟ أنا أيه رأى الناس ميهمنيش ما دام مبعملش حاجة غلط ولا بغضب ربنا بس أنا شخص أيامه معدودة والموـ,ـت بيخط على بابه ليه أمـ,ـوت والناس بتجيب فى سيرتي بالشر ربت على كتفها بلطف وهو يقول:- -أهدئي طيب، بعد الشر بس أنتِ لو مُت هتمـ,ـوتي بسبب ضـ,ـربه ليكي فعلقة بيديها لك ممكن ضـ,ـربة تمـ,ـوتك لكن أنا لو مكانك هعيش مبسوط وأفرح وأعمل اللى يبسطنى وبس
رفعت رأسها للأعلي نحوه وأقتنعت قليلًا بكلماته ليقول:- -أدخلي وأنا هنزل أجيب حاجات من السوبر ماركت وأجيبلك عشاء وخلي المفتاح معاكي عشان تطمني أكثر نظرت للمفتاح مُطولًا ثم أخذته بضعف ودلفت للداخل فى حين أنه غادر المكان، تجولت بالصالة والصالون حتى دق الباب لتذهب كى تفتح ثم دلف “يونس” مُحملًا بالكثير ليضعهم على السفر وقال:- -أنا همشي وهتلاقي هدوم فى الدولاب جوا بتاعت والدتي ممكن تغيري لو تحبي نظرت للطعام ثم قالت:- -أنت ممكن تأكل قبل ما تمشي، أنا مش هأكل كل دا لوحدي
أومأ إليها بنعم وجلس معها يتناولا الطعام لكنه صُدم عندما رأي “غزل” تجلس على المقعد المقابل له وتقول:- -أن شاء الله يكون الأكل معها حلو ويفتح النفس نظر إلى “فلك” بقلق ثم إلى “غزل” فقالت “غزل” بأهتناق شديد:- -يعنى يوم ما تفكر تخوني وتقهر قلبي يكون مع واحدة بتمـ,ـوت، ما هي هتمـ,ـوت وتسيبك ومش هيبقى لك غيرى قذف “يونس” طبق السلطة فى وجهها بانفعال صارخًا:- -أخرسي
نظرت “فلك” بذعر وخرجت منها صرخة قوية بعد فعلته لترتجف بقلق، هرب “يونس” من أمامها إلى الغرفة المجاورة فظلت واقفة مكانها، لا تفهم شيء ولم يصرخ دومًا بعد صمت طويل لتنتبه لكلمته “أخرسي” فهى تتذكر جيدًا بأنها لم تتحدث، سمعت صوت بكاء ضعيف فألتفت وهى تسير نحو الغرفة بقلق وفتحت الباب لتراه جالسًا هناك على الأرض، يبكي بضعف شديد وكل هذا بسبب أخاه مُنذ أن واجهه “أنس” بحقيقة “غزل” وكونها وهم فى عقله وأصبح أضعف ودائمًا خائفًا من الجميع لا يصدق أن هناك من سينعته بالمجنون، أقتربت “فلك” بقلق عليه وهى لا تفهم شيء مما يحدث معه وجلست على الأرض أمامه
وتطلعت به ثم قالت:- -أنت كويس؟ أعطاها رابطة عنقه بضعف وقال:- -أربطي عيني حدقت “فلك” برابطة عنقه بعد أن أستمعت إلى جملته وقالت:- -أنت بتشوف أيه بتهرب منه أوى كدة ومش عايز تشوفه صمت ولم يعقب على كلمتها فقالت بعفوية وبسمة رُسمت على شـ,ـفتيها بدفء:- -بتحبها؟ عقد حاجبيه فعدم فهم وقال بتساؤل:- -هى مين؟ ضحكت “فلك وهى تجلس بجانبه وقالت بإيجابية:- -اللى بتشوفها ومحدش بيشوفها غيرك أتسعت عينيه على مصراعيها بذهول من كلماتها وكونها تعلم بحقيقته ليسألها بتلعثم شديد:-
-أنتِ .. ضحكت بلطف قائلة:- -أنا عارفة، عارفة أنك بتحبها وبتشوفها عادى ومش بقول عليك مجنون ولا حاجة، أكيد هتخف فى يوم أنت بس مش لاقي اللى يقف جنبك لحد ما تخف تتطلع “يونس” بلطف شديد وهو يشعر بأحتواء ولأول مرة يفهم معنى الأمان ليقول بشرود تام فى عينيها وبسمتها التى أدخلت السلام الداخلي إلى صدره:- -تتجوزينى… فتح عينيه بدهشة ألجمته من هذا المنام البسيط ليراها تجلس أمامه وهو نائمًا على الأرض وتضع يديها أعلى ركبتها وتتكأ برأسها عليهما مُنتظرة يقظته فقالت:-
-أخيرًا فوقت كانت تبتسم بلهفة وعلى وجهها ملامح الخوف والقلق الذي تملكها لتقول:- -خوفتنى عليكي لما سمعت صوت خبط ودخلت لاقيتك مغمى عليك ظل ينظر إليها وهو شاردًا فما رأه وطلبه للزواج منها فوضعت يدها على جبينه بقلق من أن يكون صمته سببه المرض أو أصابه شيء، كانت يديها دافئة وناعمة رغم صغارها إلا أن هذه اليد حملت إليه السلام الذي لم يشعر به فى هذا العالم أجمع ليتمتم بنبرة دافئة وعينيه لم تفارق عينيها قائلًا:-
-تتجوزينى يا فلك؟! سقطت أرضًا للخلف من صدمتها وعينيها تحدق به كأنه صعقها بصاعقة كهربائية شلت حركتها وجمدت لسانها…….. يتبــــــــــــــع….. #