روايات

فارس بلا مأوى بقلم ولاء رفعت الجزء الثامن

حاول أكرم جذبه حتي يخرجه من المروحية، لكن الأخر أخذ يقاوم بل و ركله بقوة جعلت الأول يسقط من الباب، فتشبث بحافة الباب المعدنية و هذا و المروحية تعلو و ترتفع.

لم يستطع سليم ترك القيادة و ضــ . ـرب أكرم في آن واحد، مما جعل الأخر أستطاع الإفلات من السقوط و عند.ما ولج إلي الداخل مرة أخري هبط بسـ . لاحه فوق رأس سليم الصلبة، تأثر رأسه قليلاً و بدأ يشعر بالدوار، ما زال في محاولته لصد هجوم أكرم الذي لم يجد حل سوي أن يطلق رصاصة أخري علي ساقه و أجفله بإستيعاب الألم ثم جذبه إلي خارج المروحية و قفز به من علي إرتفاع خمس أمتار فوق الرمال.
❀ــــــــــــــــــــــــ❀
في المخفر تنتظر أمام باب المكتب تنظر إلي ساعة هاتفها، جاء إليها أمين الشرطة و أخبرها برجاء:

– يا مدام حضرتك واقفة بقي لك أكتر من ساعة و زي ما حضرتك شايفة أكرم باشا مش موجود في مكتبه، ما ينفعش توقفي كده. زفرت بتأفف و قالت:
– و أنت مالك!، هو أنا يعني كنت واقفة علي د.ماغك أنا هستناه لحد ما يجي. كاد الأمين يجيب بنفاذ صبر لكن قاطعه المقد.م طارق زميل أكرم عند.ما رأي طليقة صاحبه:
– في إيه يا أمين حمدي؟، خير يا مدام ندي؟ رد الأخر:
– المدام جـ…

قاطعته الأخري بضيق و حنق:
– أنا جاية عشان أشوف أبو بنتي و واقفة مستنياه لحد ما يجي، كل شوية يجي لي الأفندي ده و يقولي ما ينفعش توقفي، أروح يعني أستناه في الحجز جوه! رمق طارق الأمين بنظرة ما تفهمها الأخر ثم أخبر الأخري:
– تعالي أتفضلي معايا علي مكتبي و أنا تحت أمرك. و بعد.ما ولجت إلي داخل المكتب و جلست ثم أخبرها بإنه لم يأت إلي المخفر منذ أكثر من يومين.

– يعني إيه ما بيجيش!، و واخد أجازة، و قبل ما أجي علي هنا روحت له شقتنا مالقتهوش و لا لاقيت البواب عشان أسأله هيرجع أمتي.
كانت تتفوه بتلك الكلمات بتوتر و هي علي وشك أن تصاب بالجنون، تريد رؤيته و تجعله يعود إليها بأي ثمن، حتي ألقي عليها صديقه مفاجئة لم تتوقعها، يظن لديها العلم:
– ما هو حضرتك باع الشقة من حوالي أسبوع و حط فلوسها في البنك بإسم لارا بنتكم، و والدك كان معاه.

نهضت و الصد.مة تعتلي ملامحها من ما سمعته للتو، سألته بكل هدوء:
– ممكن تقولي علي أكرم فين دلوقت؟ أطلق تنهيدة ثم أخبرها:
– هو في مهمة أدعي له. تركته دون أن تستأذن بالرحيل و غادرت المكان، أستقلت سيارة والدها التي أخذتها دون علمه، فكم من مرة منعها أن تذهب إلي طليقها فيكفي ما أقترفته في حق أكرم و حق نفسها. ظلت تقود السيارة و في رأسها آلاف الأفكار، يوسوس إليها الشيـ .

ـطان أهمها يجب عليها أن لا تترك من حولها يعيشون في سعادة و هناء لاسيما مروة و هذا بسبب ظنها الكاذب حيث تظن بأنها هي من أرسلت إلي أكرم صور من المحـ .ــادثة التي دارت بينهما و بها إعتراف جلي لندي و هي تُقر بحبها لـ علي، و كذلك عند.ما جاءت إلي منزل عائلتها و قامت بفضحها أمام والدتها، كل تلك الأمور زادت من كرهها و مقتها نحو مروة التي تبدلت في يوم و ليلة من صديقتها إلي عدوتها، في تلك اللحظة أقسمت أن تنتقم منها و تخرب عليها حياتها كما حدث معها حتي إذا وصل بها الأمر أختطاف زوجها منها!

توقفت أمام الشركة التي كانت تعمل بها من قبل، ترجلت و ولجت إلي الداخل بعد.ما أستقبلها حارس الأمن:
– حمدالله علي السلامة يا أستاذة ندي. أكتفت بإبتسامة متصنعة و ذهبت إلي موظفة الإستقبال فسألتها عن مدير الشركة، فقالت لها الأخري:
– مستر علي في مكتبه فوق و…

لم تنتظر لسماع باقي الإجابة و سرعان صعدت إليه و في طريقها كانت تسير في الرواق خلف إحدي الموظفين، و لمحت مروة آتية في الرواق المقابل، أختبأت علي الفور في زواية حتي لا تراها الأخري و تقوم بفضحها أمام كل من في الشركة و تصبح (الترند) في المجموعة الخاصة بالشركة علي موقع التواصل الإجتماعي الشهير. خرجت السكرتيرة من مكتب علي و قابلت مروة:
– الشركة نورت يا مدام مروة. إبتسمت لها الأخري و قالت:
– ميرسي يا حبيبتي.

ولجت إلي داخل الغرفة، رأت زوجها يقف خلف الحائط الزجاجي يرتشف قهوته و يراقب المنظر بالخارج في حالة شرود.
وضعت يديها علي عينيه، فقال مُبتسماً:
– يعني هيكون مين غير اللي مزهقني بالحركة دي علي طول! وقفت أمامه بوجه عابس و تضم شفتيها بحزن مصتنع:
– أخص عليك، بقي أنا بزهقك بحركاتي!

ترك القدح علي المنضدة و أقترب منها ثم أختطف قبلة من شفتيها و كأنه يلتقم ثمرة توت أحمر يتذوقها بمتعة حالمة و قال:
– عمري ما أزهق منك أبداً، ده أنتِ النور اللي جه ملي عليا حياتي بعد ما كانت مضلمة بالوهم و الخداع، أنتِ بقيتِ كل حاجة ليا يا مروة. ارتمت علي صدره و عانقته بقوة:
– أنت لو قولت لي إيه أكتر حاجة تتمنيها في حياتك هقولك إن مفارقش حــ . ــضنك و لا لحظة.

رفع وجهها عن صدره ليتمكن من التحديق في عينيها بهيام قائلاً:
– أنا اللي بقولك أوعي أنتِ اللي تبعدي عني مهما حصل. إبتسمت إليه و أجابت بنبرة فكاهية:
– أطمن أنا كده كده قاعدة علي قلبك مش لوحدي، أنا و…. أمسكت بيده و وضعتها فوق بطنها و أردفت:
– و اللول الصغير. تجلت الدهشة علي ملامح وجهه فسألها بتردد و قلب يخفق بقوة:
– هو أنتِ… أومأت له بسعادة تغمر قلبها:
– ايوه أنا حامل.

غمرها بحــ . ــضن دافئ ليعبر لها عن مدي ما يشعر به الآن:
– ألف مبروك علينا يا روح قلبي، عرفتي أمتي؟ – لسه عارفة قبل ما أجي علي هنا، عملت إختبار في معمل التحاليل و طلعت النتيجة
Positive
الحمد و الشكر لله. عانقها مرة أخري و أخبرها:
– بمناسبة الخبر الجامد ده، تعالي هانتغدي علي زوقك و أطلبِ كل اللي نفسك فيه،  بس أديني عشر دقايق هابعت ملفات لفرع الشركة ضروري و هانمشي. همت بالذهاب و قالت:
– بص أنا هانزل أستناك في العربية تحت و هاعمل تليفون لماما أفرحها، أصل لسه ما قولتلهاش، أنت أول واحد يعرف بالخبر.

لا تعلم أن هناك طرف ثالث إستمع و رأي كل ما قيل و حدث من فتحة الباب الشبه مُغلق، و قبل أن تغادر مروة الغرفة أسرعت الأخري و رحلت لتذهب إلي السيارة و داخلها يشتعل من الغيرة و الحقد، مراجل تتأجج في قلبها.
و إذا بها تراها تخرج من الباب متجهة إلي الجهة الأخري، أستسلمت إلي شيطان أفكارها الذي سيقذف بها إلي اليم، و دون أن تسيطر أو تكبح قوي الشر بداخلها، أنطلقت بالسيارة و أطاحت بمن كانت تدعوها صديقتها يوماً ما!

يتبع #الفصل_الخامس_والأربعون
#الجزء_الأول
#فارس_بلا_مأوي
#بقلم_ولاء_رفعت_علي يتجول في  الرواق ذهاباً و إياباً و قلبه يحترق من الخوف عليها، فهي الآن بين إيدي الأطباء.
لم ينس ذلك المشهد عند.ما هاتفه إحدي موظفين الإستقبال و أبلغه بما حدث أمام الشركة، غادر مكتبه علي الفور و ذهب ليري ما حدث إلي من أستطاعت إختراق قلبه و تحويل مسار حياته من اليأس إلي الأمل، من القنوط إلي الصبر، من الأسود إلي الأبيض، و علي يدها عادت إليه إبتسامته النابعة عن سعادة لم يشعر بها قط من قبل سوي معها فقط.

حين خرج من بوابة الشركة اصتد.م بذاك المشهد المروع، وجد زوجته مسجاه علي الأسفلت في سكون و عد.م حركة و د.ماء تنسدل من جانب شفاها، حملها علي الفور و أدخلها إلي سيارته و رغم محاولته للتظاهرة بالثبات و القوة، فكان داخله غرار ذلك. و ها هو الآن ينتظرها أمام غرفة العمليات، و عند.ما إستمع إلي صرير فتح الباب المعدني توقف عن السير و ألتفت إلي الطبيب الذي خرج للتو، ركض إليه و سأله بتوجس:
– هي عامله إيه؟

خلع الطبيب القناع الطبي عن فمه و أنفه ثم أجاب:
– أطمن حضرتك، مدام مروة بخير الحمدلله، شوية رضوض و كد.مات و شرخ في في الساعد الأيمن و رجلها اليمين برضو، بس للأسف مقدرناش ننقذ الجنين. جحظت عيناه من الصد.مة، لم تكمل سعادته بخبر حمل زوجته و الآن يستمع إلي خبر وفـ . ـاه إبنه قبل أن ينبض قلبه.
شعر الطبيب بحالته فأردف:
– ربنا يعوضك، و الحمدلله أهم حاجة إن المدام بخير و ربنا يرزقكم بالأحسن.

أومأ له الأخر في صمت، تابع الطبيب حديثه:
– حضرتك لازم تعمل محضر ضد صاحب العربية و أنا هاكتب لك التقرير الطبي دلوقت. كان كالمُغيب و شارد في ملكوت آخر، يردد كما يلي:
– قدر الله ماشاء فعل. و في تلك اللحظة تدخل موظف الأمن الشاهد علي ما حدث قائلاً:
– علي بيه، أنا عايز أقول لحضرتك علي حاجة.

نظر إليه الأخر بعد.م فه،  فأردف الرجل:
– اللي حصل لمدام مروة كان مقصود و أنا شوفت اللي عمل فيها كده!
※ـــــــــــــــــــــــــ※
يقف هؤلاء الرجال في صفوف، يمسك كل منهم صينية معدنية مقسمة لأربع أطباق، يرتدون جميعهم الزي الأزرق الخاص بالسجــ . ــن، و كان زكريا يقف في إنتظار دوره فـ جاء إحدهم و دفعه و وقف أمامه بل و رمقه بشرٍ و سأله بتهكم:
– عندك مانع؟ نظر إليه الأخر بإمتعاض:
– أظن فيه حاچة إسمها طابور و ليك دور تجف فيه بدل قلة الذوق اللي سوتها دلوق.

قهقه الرجل الذي يبدو علي ملامحه الشر و يقصد ما يفعله من أجل إستفزاز الأخر و الدخول في معركة معه.
لكزه في كتفه و سأله بتهكم:
– و لا ما وقفتش في دوري هاتعملي إيه يعني، مش ناقصنا غير جوز العالمة هو اللي يتكلم، السجــ . ــن ده للجدعان الرجالة مش للرافعين إريل.

ألقي زكريا الصينية علي الأرض و كاد يرفع يده ليضــ . ـرب الأخر لكن تدخل هذا الذي صاح بصوته الغليظ:
– الإريل ده يبجي أبوك يا ولد الغازية.
و قام بتوجيه لكمة قوية إلي هذا الرجل و وقع علي بعد مسافة من قوة اللكمة، فألتفت الأخر إلي زكريا الذي تفاجئ بوجوده:
– رافع! ، إيه اللي چابك أهنه. إبتسم الأخر و أجاب بسخـ ــرية:
– مهنش عليا أهملك في السچن لوحدك، جولت لما أچي أونسك.

كاد زكريا يتفوه، فباغت الرجل بعد.ما نهض رافع بدفعه و الهجوم عليه، نهض رافع و الشر يتطاير من سوداويتيه، رمقه زكريا بإيماءه ثم قال:
– چيت في الوجت المناسب يا ولد خالي. و بدأ العراك الذي تدخل فيه أصحاب الرجل الذي بدأ في الهجوم و بين زكريا و رافع.
تدخل عساكر الأمن لفض هذا الشجــ . ــار و الذي أنتهي بعقاب جميعهم الحرمان من وجبة الغداء و سجــ . ــن كلا من رافع و زكريا داخل زنزانة منفردة و كذلك الرجل الأخر سُجن بمفرده.

بعد.ما ولج كلا من رافع و زكريا الذي دفعه العسكري قائلاً:
– أدخل يا حيلتها منك ليه، فاكرينها سايبة و بتتخانقوا ده سيادة المأمور هينفخكم. أغلق الباب الحديدي ثم أوصده بالأقفال من الخارج، جلس رافع علي الأرض و يستند علي الحائط بظهره قائلاً:
– مهما سوي فينا مش هيچي ربع اللي حصلي. هبط زكريا علي عقبيه، جالساً أمامه و سأله:
– مالك يا ولد خالي، و إيه اللي چابك أهنه؟

لاح شبـ . ــح إبتسامة بائسة علي شفتيه التي يعلوها شارب كث:
– اللي چابني أهنه شيطاني، اللي خلاني أسوي أي حاچة مهما كانت حـ ـرام، عماني عن الحق و دلني علي سكة الباطل، سرجت و نهبت، جتلت و زنيت و چيت علي ناس كتير و ظلــ . ــمتهم جوي. غر زكريا فاه، فالأول مرة يري صديق دربه و إبن خاله في تلك الحالة:
– واه، ليكونوا عرفوا بحكاية فارس و اللي سويته أنت فيه إياك!

إبتسم الأخر بتهكم و أخبره بكل أريحية:
– أنا اللي بلغت عن حالي. عقد زكريا حاجبيه بدهشة و تعجب:
– كيف يعني؟

بدأ رافع بسرد كل ما حدث معه و في الأيام الأخيرة من وفـ . ـاه زوجته التي كانت تجهض و أنتهت المحاولة بمــ . ــوتها، أخبره بعقاب ربه بالحكم عليه بقطع نسله مما جعل زكريا يدرك أن حمل نوارة ليس من نجل خاله.
و سرد إليه أيضاً عند.م أنتهي المطاف به إلي خسارة أكثر إنسانة أحبها كثيراً و تزوجت من آخر، فكل هذا جعله يكره ذاته بل و يعاقب نفسه بالعقاب الذي يستحقه منذ زمن، فـ ربما هذا يزيح عن قلبه لو القليل من الهم و الحزن أو ربما بداية توبة عاصي.

و بعد.ما أستمع الأخر أطلق تنهيدة و يليها يعقب علي ما أنصت إليه:
– دين تدان يا صاحبي، و الدنيا دوارة يوم تبجي في يدك و يوم تاني تشيل و تحط عليك. – و ساعات الدنيا بتحكم عليك و تفرض عليك سكة وعرة جوي.

تقد.م زكريا جوار رافع و جلس بجانبه:
– ده وهم الشيـ . ـطان بيضحك عليك بيه، إحنا اللي بنختار بيدنا السكة اللي عنمشوا فيها، و إحنا چرينا ورا الحـ ـرام و كنا فاكرينه فيه المتعة كلها، أتاري كان كيف الحفرة اللي مليانة دهب و كنوز رميت حالك چواها لأچل تكبش و تاخد لكن أكتشفت إنها مچرد لامعة كذابة و إنه فخ كبير لازم تتحمل و تضحي لأچل تطلع منه.

أعتدل في جلسته و ألتفت إلي جواره، نظر إلي رافع بسخـ ــرية من حاله قائلاً:
– خابر أنت، البت سمر بعد ما تابت و ربنا هداها صاحب الكباريه علم إنها أتچوزت و لأچل يرچعها خلي رچالة تبعه أهنه يضايجوني و يرازوا فيا، إنهم يعايروني بزوچ الغازية، كل ده لأچل أطلجها فتجوم راچعة تاني للرجص. ربت الاخر علي كتفه و أخبره:
– سمارة بتحبك جوي إياك تهملها في يوم من الأيام، يمكن توبتها علي يدك فرصة ليك تبدأ حياة چديدة و نضيفة.

أطلق الأخر زفرة من أعماقه لعله تخفف عما يحمله داخله من سر لا يريد البوح به لإبن خاله:
– عمر ما كانت جلوبنا طوع يدنا، و يا سلام لما جلبك يوم ما يدق، يدق لحد إستحالة يكون ليك و ما ينفعش تفكر فيه كمان، و يوم ما فكرت خسرت أعز الناس ليا و بجي ما بيني و بينه شرخ عمره ما يداوي. قطب رافع ما بين حاجبيه و سأله:
– قصدك علي مين؟

إنتبه الأخر لما هو أوشك علي الإفصاح به، ضحك و أبدل مسار الحديث إلي جهة أخري قائلاً:
– إلا جولي، اللي خلي فاطمة تتچوز الدكتور، دي كان حداها إنها تجعد چار أمي علي أمل أنك أنت تتغير و تتجوزوا.

تجهم وجهه لاسيما عند.ما تذكر المواجهة الأخيرة التي دارت بينه و بين فاطمة، و سرعان تحول ذلك التجهم إلي إبتسامة هادئة تحمل في طياتها حزن دفين:
– أني جطعت لها الأمل اللي كانت عايشة عشانه.
※ــــــــــــــــــــــــــ※
في مدينة روسكوف الفرنسية و داخل فندق ريچينا، تجلس خلف النافذة و تحتسي القهوة، تراقب قطرات الندي الكثيفة علي لوح الزجاج، تستنشق عبق رائحة الأشجــ . ــار و النباتات المنتشرة في الشارع، تذكرها برائحة النجع صباحاً، عند.ما كان تفتح نافذة غرفتها المُطلة علي الزرع، و إذا بصورته تداهم ذاكرتها مجدداً و هو يقف في وسط فروع ثمار الذرة يُناديها:
«تعالي يا بطتي،أتوحشتك جوي جوي»

أغمضت عينيها و هزت رأسها بنفي، تريد أن تبدد تلك الذكريات بشتي الطرق، فهي الآن قد بدأت حياة جديدة و لا تريد أن تظلــ . ــم الإنسان الذي أحبها بصدق و جعلها شريكة حياته و دربه.
خاصة بعد ما حدث بينهما بالأمس…. «حدث بالأمس»
أستيقظت عند.ما شعرت بقربه منها، يدنو نحو خدها و يقبله:
– صباح الجمال. إبتسامة طفيفة تجلت علي شفتيها:
– صباح النور.

كان قد خرج من المرحاض للتو، يلقي المنشفة حول عنقه، يرتدي قميص و بنطال قطني، نهضت فوقفت أمامه كعادتها بتوتر:
– أني هملتك نايم، مارضتش أصحيك لأنك كنت راچع متأخر و فضلت مستنياك لحد ما نعست. كان يمشط شعره إلي الوراء، نظر إليها عبر المرآة و قال:
– معلش يا حبيبتي، بعد ما المؤتمر ما خلص قابلت جمـ ـاع ة أصحابي من مصر لما عرفوا إن أتجوزت قرروا يعملوا لي حفلة بسيطة عشان عريس جديد و كده يعني.

كانت كلماته الأخيرة يصاحبها نظرة تحمل اللوم و العتاب، تهربت من النظر إليه و قالت:
– هاروح أچهز حالي. – فاطمة.
توقفت و ألتفت إليه، تقد.م نحوها حتي وقف أمامها مباشرة و باغتها بسؤال تراه في عينيه منذ أن أصبحت زوجته قانوناً! – أنتِ لسه بتحبي رافع؟
ما كان لديها شىء تقوله سوي إنها أثرت الصمت، تبع الآخر سؤاله لها بسؤال آخر:
– ياريت عايز إجابة واضحة عشان أفعالك بتثبت لي فكرة واحدة.

يا لك من أحمق، كيف تسأل و أنت قد قرأت كل ما قومت بتدوينه في مذكراتي و تعلم جيداً ماذا كان هو يعني لي!
تلك الكلمات التي دارت في خلدها للتو، بينما يحيي كأنه يسمع أفكارها، هز رأسه بسأم:
– خلاص وصلت الإجابة، عموماً أنا زي ما وعدتك عمري ما هاضغط عليكِ في حاجة و لو عايزنا ننفصل أنـ… بترت حديثه و أمسكت يده:
– و أني مش رايده إننا ننفصل، أني أختارتك بإرادتي و بعدت عنه هو كمان برغبتي، و لو مكنتش رايداك من الأول مكنتش هابقي واجفة جدامك دلوق.

أطلق زفرة علها تخفف ما بداخله من غضــ . ــب و ضيق و صراع، رمقها بنظرة مليئة بالشوق و الغرام فأخبرها عما يحمله قلبه لها:
– و أنا يا فاطمة بحبك و عندي إستعداد أعمل أي حاجة عشانك و أشوفك فرحانة، لكن نظرة الحزن اللي ما بتفارقش عينيكِ بتقطع قلبي و ببقي عامل زي اللي و لا طايل سما و لا أرض.

حاوط خديها بين راحتي كفيه و أردف:
– أنا من أول لحظة شوفتك فيها، حسيت بشعور عمري ما جربته و لا حسيته قبل كدة، و لما قريت دفتر مذكراتك لو أي واحد مكاني كان تراجع و يبعد عن مجرد التفكير فيكِ، بس اللي حصلي عكس كده، لاقيت كل حاجة فيا بتتشد لك، أنا بحبك، و متأكد إنك في يوم من الأيام هاتحبيني زي ما بحبك.

ظل يحدقها بتحدي عاشق، رأي في عينيها نظرة غريق يطلب النجاة، لم يدري بنفسه حينما أقترب بشفتيه نحو خاصتها لكي يثبت لها مشاعره لكن أنهار كل شىء عند.ما أنتفضت و أبتعدت فجأة و ركضت إلي داخل المرحاض، أغلقت الباب و استندت بظهرها عليه، تضع يدها علي فمها و أخذت تبكي.
و بعد دقائق سمعت صوت صفق الباب بقوة، خرجت و علمت إنه قد غادر الغرفة و يحمل بين طيات فؤاده حزن عميق. «عودة إلي الزمن الحالي»

أنتبهت إلي صوت فتح الباب، تركت القدح علي المنضدة و نهضت فرأته يدلف دون أن ينظر إليها مُتجهاً إلي الخزانة، فتح الضلفة بحدة ثم اخرج الحقيبة، أمسكت يده و سألته:
– بتسوي إيه؟ رمقها بنظرة ساخرة قائلاً:
– بلم هدومي و ياريت تحضري شنطتك أنتِ كمان عشان راجعين علي مصر، و هناك هريحك مني و أهي فرصة عشان ترجعي لحبك القديم. تفاجئت بقراره الصاد.م و آخر ما كانت تتوقعه منه،أمسكت بيده و أوقفته عما يفعله :
– أني رايده أفضل وياك.

رفع جانب فمه بإبتسامة و بتهكم قال لها:
– شكراً علي جبر الخاطر. – ده مش چبر خاطر، أني بجول الحقيقة، يمكن ما أملكش جلبي لكن عقلي هو اللي أختارك، ليه مستعچل علي حبي ليك، أعطِ لجلبي فرصة إنه يبجي ملكك. صمت لثوان و هو يراقب ملامحها و يشعر بصدق كلماتها، و سرعان تحولت نظرة التوسل داخل عيناها إلي الغضــ . ــب و هي تنظر إلي صدره، جال ببصره نحو ما تنظر إليه، فـ رأي شعرة شقراء عالقة بقميصه الرمادي و أثر حُمرة شفاه، أبتلع لعابه بتوتر.

أشارت نحو صدره بسبابتها و سألته:
– إيه اللي علي جميصك ده يا حضرة الدكتور المحترم؟ لم يصدق ما يسمعه فهل هي تغار حقاً، خبأ إبتسامته خلف قناع الجمود و أخبرها ببرود:
– زي ما أنتِ شايفة، شعرة صفره و أحمر شفايف. صاحت بحدة مبالغة:
– لاء و الله!، ما أني خابرة إنه زفت و جطران أني بسألك إيه اللي چابهم علي صدرك، عتخوني يا يحيي! ضحك بتهكم و أجاب بأريحية و كأنه يخبرها بأمر عادي:
– و فيها إيه لما أعرف واحدة تانية، أنا إسمي متجوز بس مجرد كلمة مش فعل.

شهقت من تصريحه و إثباته لخيـ,ـانته:
– يا بچاحتك يا أخي،  و بتعترف عيني عينك. دفعته من أمامها مُردفة:
– أني بقي اللي هلم خلچاتي و…. جذبها من يدها و دفعها إلي الخزانة، أقترب منها و كاد يلتصق بها:
– مالك أتضايقتي ليه أوي كده!، بتغيري عليا؟ أبتلعت لعابها بتوتر من قربه الشديد و تضارب المشاعر الضاري داخلها:
– أني، أني… – أنتِ إيه، هقولك أنا.
أزاح خصلاتها جانباً ليتمكن من تقبيل عنقها ثم قال:
– أنتِ حبيبتي.

و قام بتقبيل خدها:
– و روحي. – و إستحالة أبعد عنك بعد ما بقيتِ ليا.
و ألتقم شفتيها في قبلة جعلت ساقيها كالهُلام، فأحاطت عنقه بذراعيها، و عند.ما فعلت ذلك حاوطها أيضاً من خصرها و حملها إلي الفراش، ينحني بها رويداً دون أن يقطع قُبلته. جعلها تتمدد علي ظهرها ثم أبتعد بشفتيه لكي يعطيها المجال للتنفس.
– عايزة تسبيني؟ هزت رأسها بالنفي و همست:
– لاء، و أنت؟ أجاب بنبرة عاشق مُتيم غارقاً في بحر لؤلؤتيها السوداء :
– أنا أسيب الدنيا بحالها عشانك أنتِ.

تنحنح ثم أردف بصوت عذب و كأنه طير يغرد علي غصن الآيكة:
أحبيني بلا عقد و ضيعي في خطوط يدي
أحبيني بلا عقد و ضيعي في خطوط يدي
أحبيني لأسبوع لأيام لساعات
فلستُ أنا الذي يهتم بالأبدِ
تعالي، تعالي
تعالي واسقطِ مطراً على عطشي و صحرائي
و ذوبي في فمي كالشمع و انعجنِ بأجزائي
أحبيني بلا عقد و ضيعي في خطوط يدي
أحبيني بطهري أو بأخطائي
و غطيني أيا سقفاً من الأزهار يا غابات حنائي
أنا رجل بلا قدراً فكوني أنتِ لي قدري
آه أحبيني
أحبيني بلا عقد و ضيعي في خطوط يدي
أحبيني، أحبيني
أحبيني و لا تتساءلي

كيف و لا تتلعثمي خجلاً
و لا تتساقطي خوفاً
أحبيني، أحبيني
كوني البحر و الميناء كوني الأرض و المنفى
كوني الصحوة و الإعصار كوني اللين و العنــ . ــف
أحبيني معذبتي و ذوبي في الهواء مثلي كما شئتي
أحبيني بعيداً عن بلاد القهر و الكبت
بعيداً عن مدينتنا التي شبعت من المــ . ــوت
أحبيني معذبتي و ذوبي في الهواء مثلي كما شئتي
أحبيني بلا عقد وضيعي في خطوط يدي
آه آه أحبيني.

كانت تستمع إلي غنائه لها بتعجب و دهشة، و عند.ما أنتهي صاحت و دفعته و جلست بركبتيها فوق الفراش:
– واه، كيف عرفت أني بحب كاظم و الأغنية دي كمان جوي. غمره الشعور بالسعادة عند.ما رأي لمعة الفرح تنير عينيها فأخبرها :
– البركة في دفتر مذكراتك، تاني أحلي حاجة حصلت لي في حياتي، و أنتِ الحاجة الأولي. ضــ . ـربت حُمرة الخجل وجنتيها من كلماته و غزله لها، أقتربت منه و سألته:
– ممكن تغنيها لي تاني؟

جذبها من يدها لتسقط علي صدره و قال:
– من عيوني، هغني لك زي ما أنتِ عايزة بس بعد ما هغني لك أغنية تانية هاتعجبك أوي. رمقته بعد.م فهم:
– أغنية إيه دي؟ – دي ما بتتغناش، دي بتتحس.
عانقها و بشفتيه يعزف لها علي خاصتها أجمل ألحان الحب في سيمفونية من القبلات الحميمية، و أنامله تتجول علي منحنياتها كإصابع عازف بيانو ماهر.
أنغمر كليهما علي أجمل ألحان العشق لتبدأ معزوفة جديدة، فكان هو الموسيقار و العازف.

و بعد مرور وقت…
كانت تتمدد علي ظهرها و تدثر كامل جسدها بالغطاء، تنظر إلي السقف في سكون، أقترب منها ليُقبلها علي أنحاء وجهها و كأنه لم يصدق إنها أصبحت زوجته شرعاً و قانوناً.
و من بين القبلات، عبست و رمقته بإمتعاض لكزته بحنق:
– بعد عني أنت خاين.

كاد ينفجر من الضحك علي هيئتها الطفولية، فأخبرها حتي لا يثير غضــ . ــبها:
– هتصدقيني لو قولت لك دي كانت حالة إنسانية و أنا داخل الفندق لاقيت واحدة بتصرخ و بتستغيث عشان بنتها مُغمي عليها، عرفتها إن أنا دكتور أضطريت أشيل البنت لأوضتها عشان أقدر أفحصها، كانت داخلة في غيبوبة سكر و الحمدلله فاقت و علقت لها محاليل، كتبت لها علي شوية أدوية و بعدها طلعت علي هنا. هزت رأسها كمحاولة بأن تقتنع بحديثه:
– ماشي، ربنا يكتر من خيرك يا دكتور و يخليك للشقره و البيضا و السمرا.

رفع إحدي حاجبيه و كاد يتحدث فقاطعه رنين هاتفها:
– دي مكالمة علي الماسنجر، شكله بكر أخوي و قمر، رايدين يطمنوا علينا.
※ـــــــــــــــــــــ※ تقف داخل المطبخ و تقوم بصب الشاي في الكوب ثم حركت المعلقة لتقليب و ذوبان السكر، تناولت صينية صغيرة وضعت فوقها كوب الشاي و ذهبت إلي غرفة المعيشة، و قبل أن تولج إلي الداخل سمعت صوته علي ما يبدو يرسل رسالة صوتية – أتوحشتك جوي جوي يا حبيبتي، لما تكوني فاضية أبقي أتصلي عليا، رايد أطمن عليكِ.

و ضغط علي علامة إرسال، و إذا به ينتفض عند.ما صاحت بغضــ . ــب:
-و دي مين اللي أتوحشتك يا حضرة الشيخ يا محترم يا للي حافظ كتاب الله و خابر الحلال و الحـ ـرام!

انت في الصفحة 6 من 11 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى